Riot police walk towards drivers and workers related to the public transport blocking a street in Tegucigalpa, on March 24,…
شرطة مكافحة الشغب تحاول فرض حظر التجول في هنداروس

لا يعادل سرعة انتشار فيروس كورونا حول العالم، سوى سرعة انتشار الإشاعات والأخبار المزيف عنه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي بات بعضها يعج بالقص واللصق والتركيب والاستعانة بأرشيفات الفيديو والتصريحات القديمة وربطها بصورة تبدو "محكمة" لخلق سياق راهن يسهل تصديقه.

آثار وخيمة

البعض قد يعتبر أن هذا النوع من الإشاعات، ليس أمرا خطيرا، وأنه سرعان ما يتبخر مع قدوم اليوم التالي. لكن الحقيقة والتاريخ الموثق يقولان خلاف ذلك. ففي تقرير نشرته خدمة بلومبيرغ يوم السبت الماضي (21 مارس)، أوضحت فيه أن هناك مخاوف جدية من أن ما ينشر حول فيروس كورونا قد يؤدي إلى حدوث انقسام بين المجتمعات.
وتطرق التقرير إلى الأنباء التي تفيد بتزايد جرائم الكراهية في الولايات المتحدة ضد الأميركيين من أصل آسيوي والآسيويين بصورة عامة، بسبب ربط فيروس كورونا بالصين أو تسميته بالفيروس الصيني.

أي شخص تصله مثل هذه الإشاعات بإمكانه على الأقل اللجوء إلى الشك والتريث قبل أن يقوم هو الآخر بإرسالها إلى غيره

وينقل التقرير عن أحد المسؤولين في مؤسسة تعني برصد جرائم الكراهية ضد الآسيويين (إيشيان أميركان أدفانسينغ جاستيس) قوله إنه قبل انتشار كورونا كانت تصل المؤسسة شكوى واحدة تقريبا كل أسبوع، بينما وصل الرقم حاليا إلى ثلاث أو أربع شكاوى في الأسبوع.
كما يؤكد التقرير أن الأمر لا يقتصر على الولايات المتحدة فقط. ففي بريطانيا هناك ارتفاع حاد لجرائم الكراهية ضد الآسيويين. وكذلك الأمر في أثيوبيا، حيث طالبت الحكومة مواطنيها بالكف عن مهاجمة الأجانب البيض والآسيويين، في حين أنحى رئيس الوزراء الهنغاري باللائمة على الأجانب في انتشار الفايروس.

جزء من الحرب

طبعا جانب من نشر هذه الإشاعات "بريء" وهو يتم بدافع الدعابة والمزاح، لخلق أجواء تخفف عن الناس وطأة الوباء والآثار المترتبة عليه. لكن هناك جانب آخر لا يتعلق بالدعابة، وإنما هو امتداد لتصفية الحسابات السياسية بين الدول والحكومات. فهو يتم بتنظيم وتمويل من أجهزة الدعاية والمخابرات في هذه الدول بهدف الابتزاز أو تشويه السمعة أو تحقيق أغراض سياسية معينة.

Houthi troops ride on the back of a police patrol truck after participating in a Houthi gathering in Sanaa, Yemen February 19,…
الاضطهاد يبتدئ بالبهائية والأحمدية ولا ينتهي عندهما
أيدت محكمة الاستئناف الخاضعة لسلطة "أنصار الله" (الحوثيين) في صنعاء حكما بالإعدام بحق ناشط بهائي، هو حامد بن حيدرة، مع مصادرة أملاكه، وإغلاق كافة المؤسسات الدينية والتربوية للدين البهائي في اليمن، وذلك على خلفية تواصل الناشط المدان مع "بيت العدل"، كبرى المؤسسات الدينية البهائية في العالم.

ولعل من يتابع ما ينشر على بعض وسائل الإعلام الصينية والروسية والإيرانية والأميركية والعربية هذه الأيام، يدرك بوضوح أن حرب الإشاعات ما هي إلا استمرار للحرب التقليدية، ولكن بوسائل أخرى، وأن الفيروس كورونا يستخدم هنا وسيلة، إذا جاز التعبير، لركوب موجة مخاوف الناس، من أجل حشد المواقف وتوجيه الرأي العام وممارسة الضغوط وأحيانا التضليل والحط من شأن الخصوم.
ولا يتوقف الأمر بالطبع عند كورونا، فحرب الإشاعات كانت وسوف تظل موجودة، لأنها جزء مهم من وسائل التأثير على وعي الناس.

التحقق من الإشاعات

والسؤال الذي ينبغي طرحه هو: ما هو دور الإنسان في التعامل مع هذه الإشاعات؟ وكيف يستطيع أن يعرف الحقيقة من الخداع؟
لا شك أن التمييز هنا بين ما هو حقيقي وما هو غير ذلك، ليس بالأمر السهل دائما، أحيانا يحتاج ذلك إلى جهد ووقت. وفي عالمنا العربي حيث كثير من السكان لا يجيدون اللغات الأجنبية، يصبح الاعتماد على الترجمة مصدرا لتسلل المروجين للإشاعات. ويدرك المروجون أن معظم الناس لا يملكون القدرة أو الآلية أو الحافز للتحقق، لذلك فهم يتعمدون الاستعانة بكثافة بالمصادر الأجنبية، للإيهام بأهمية ما هو مكتوب. ولا يوجد شيء يمنعهم من فبركة الترجمات وقول ما لم يرد على لسان المتحدثين، أو نسبة تصريحات إلى أشخاص لم يقولوها.

هناك جانب آخر لا يتعلق بالدعابة، وإنما هو امتداد لتصفية الحسابات السياسية بين الدول والحكومات

لكن أي شخص تصله مثل هذه الإشاعات بإمكانه على الأقل اللجوء إلى الشك والتريث قبل أن يقوم هو الآخر بإرسالها إلى غيره أو الترويج لها بأية طريقة من الطرق. ويمكنه ببساطة أن يقوم ببحث بسيط على أبرز المواقع الإخبارية الرسمية أو وكالات الأنباء الأجنبية، كي يتأكد من مدى صدق أو كذب تلك الإشاعات.
بمعنى آخر يستطيع أي شخص أن يأخذ ما يشاء من الاحتياطات قبل أن يجعل من نفسه فريسة سهلة لمروجي الإشاعات. وأعلم أن كثيرين يحرصون على عدم الوقوع في شباك هؤلاء، لكن للأسف البعض يقع في ذلك، سواء بحسن نية أو بسوئها.

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.