Israeli sand sculptors work on sculptures of UAE's distinctive buildings at the beach in Tel Aviv, Israel, Wednesday, Aug. 19,…
فنانون إسرائيليون يبنون نماذج من مباني الإمارات الشهيرة عند شاطئ مدينة تل أبيب

أحد الانتقادات الموجّهة لاتفاق التطبيع بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة هو أنه يخالف "مبادرة السلام العربية" التي أطلقتها السعودية وتم اعتمادها عام 2002. وهذا صحيح في بعض النواحي ـ فالاتفاق الجديد ابتعد عن النهج الذي يشترط تحقيق التطبيع الكامل بين إسرائيل والدول العربية بعد تسوية جميع القضايا الفلسطينية (والسورية واللبنانية) العالقة مع إسرائيل. 

ومع ذلك، فمن خلال ربط الاتفاق بتعليق خطط إسرائيل لضم أراضٍ من الضفة الغربية، أعاد التأكيد من الجانب الإماراتي على الافتراض الأساسي الذي نصت عليه "مبادرة السلام العربية" القائل بربط التطبيع بالقضايا الفلسطينية. 

ونظرا إلى التلاقي المستمر بين مصالح إسرائيل وبعض الدول العربية، يشكل الاتفاق فرصة لتحديث "مبادرة السلام العربية" ـ أي التخلي عن مقاربة "كل شيء أو لا شيء" بنهجٍ تدريجي وتبادلي يراعي المصالح القومية المشروعة للدول العربية ويحسّن في الوقت نفسه العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية.

تحوّلات جذرية منذ عام 2002

إن "مبادرة السلام العربية" هي اقتراح تقدّم به ولي العهد السعودي (والملك لاحقا) عبد الله وتم اعتماده في القمة العربية التي انعقدت في بيروت عام 2002. وتَعِد المبادرة إسرائيل "بإقامة علاقات طبيعية" مع جميع الدول العربية مقابل "الانسحاب الكامل من كافة الأراضي العربية المحتلة منذ يونيو 1967" وحل "عادل" و "متفق عليه" لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين. 

وفي ذلك الوقت، شكّلت "مبادرة السلام العربية" تحولا جوهريا في الموقف العربي الجماعي تجاه إسرائيل. ففي عام 1967 اجتمع القادة العرب في السودان لتحديد موقفهم الرسمي الذي أصبح معروفا بإعلان "اللاءات الثلاث للخرطوم": لا سلام مع إسرائيل، لا اعتراف بإسرائيل، لا مفاوضات مع إسرائيل. غير أن "مبادرة السلام العربية" تخلّت عن هذا الرفض المطلق وتبنّت موقفا اشترط تحقيق حصيلة سياسية معينة مقابل إقامة علاقات مع إسرائيل. وهدفت هذه المبادرة في جوهرها إلى تحفيز الإسرائيليين على إحراز تقدم في القضية الفلسطينية عبر استغلال رغبتهم في تطبيع علاقاتهم مع دول المنطقة.

قد يُلقي الاتفاق الإماراتي الضوء على مسارٍ موازٍ للتقدم التدريجي في المسار الفلسطيني ـ الإسرائيلي

وكانت "مبادرة السلام العربية" غير فعالة إلى حدٍّ كبير في بلوغ هذا الهدف لأسباب عديدة، منها عدم رغبة إسرائيل في التعامل مع الاقتراح، والترويج العربي الباهت للفكرة إلى الجمهور الإسرائيلي، وسرعة تدهور الأوضاع على الأرض خلال الانتفاضة الثانية. ومع ذلك، صمد هذا التحول الجوهري في الموقف العربي على الرغم من المحاولات العرضية لإلغاء "مبادرة السلام العربية".

وفي السنوات الأخيرة، شهدت المنطقة تحوّلات جذرية، وتلاشت أي آمال بإيجاد حلٍ سريع للنزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي والتي ربما كانت قائمة عام 2002. وبدأت حكومات عربية كثيرة تتردد في تسخير جهود سياسية كبيرة فيما اعتبرتها عملية فاشلة. 

وفي الوقت نفسه، ظهرت تحديات أخرى أكثر إلحاحا في المنطقة، ومنها تداعيات "الربيع العربي"، وأنشطة إيران المزعزعة للاستقرار في الخارج، ونفوذ الحكومة التركية ذات الميول الإسلامية، مما أدّى إلى تراجع أهمية القضية الفلسطينية إلى أسفل قائمة أولويات تلك الحكومات. كما أدّت هذه التطورات إلى التقاء العديد من المصالح، مما دفع إسرائيل وعدة دول عربية إلى السعي وراء تعاون غير رسمي، وسري في الظاهر، ولكنه نال حيزا كبيرا من التقارير. 

وفي حين أن نص "مبادرة السلام العربية" ظل دون تغيير، إلا أن مقاربة "الكل أو لا شيء" التي انطوت عليها "المبادرة" بدأت تتضاءل على أرض الواقع. ومؤخرا أضفى اتفاق الإمارات طابعا رسميا على هذه الديناميكية، وبذلك زاد بشكل كبير من مجالات التعاون المحتملة.

تفعيل "مبادرة السلام العربية"

من خلال التأكيد على ارتباط التطبيع بالقضايا الفلسطينية وفق ما نصّت عليه "مبادرة السلام العربية"، قد يُلقي الاتفاق الإماراتي الضوء على مسارٍ موازٍ للتقدم التدريجي في المسار الفلسطيني ـ الإسرائيلي. ووفقا لهذا النهج، يمكن مقابلة التقدم الجزئي المحرز على المسار الأخير بخطوات مماثلة في الحجم بين إسرائيل والدول العربية. 

وفي الواقع أن قائمة التدابير الجزئية التي يمكن اتخاذها مع السلطة الفلسطينية طويلة وتتراوح بين التقدم التدريجي في القضايا الدبلوماسية الرئيسية كالمستوطنات، والخطوات الملموسة على الأرض بشأن حرية تنقل الفلسطينيين وتقدّمهم الاقتصادي، أو حتى توسيع نطاق صلاحية السلطة الفلسطينية لتشمل مناطق إضافية من الضفة الغربية. 

وبالمثل، قد يتّخذ التطبيع مع الدول العربية أشكالا عديدة لا ترقى إلى مستوى العلاقات الكاملة، بدءا من السماح للإسرائيليين بالمشاركة في الأحداث الرياضية والعلمية والثقافية على أراضي الدول العربية، وصولا إلى إضفاء الطابع الرسمي على العلاقات الأمنية أو فتح مكاتب تجارية مع إسرائيل.

ويقينا، يجب التعامل بحذر مع الجهود المبذولة لتعديل "مبادرة السلام العربية" لتفادي التجاوزات. وهذا يعني تجنّب أي محاولة لتحديث المبادرة رسميا من خلال جامعة الدول العربية. 

ففي الوقت الحاضر، لا يمكن التوصل إلى إجماع حول هذه المسألة نظرا للانقسامات العميقة في العالم العربي ـ وإذا فُتحت المبادرة لإعادة صياغة النص من قبل الجامعة العربية، فلن يؤدي ذلك إلا إلى دعوة جبهة الرفض [للتدخّل]، وتحويل المبادرة إلى ساحة بالوكالة تحتدم فيها مختلف الخصومات الإقليمية. 

وبدلا من ذلك، يمكن لمجموعة من الحكومات العربية ذات التفكير المماثل أن تبلور مقاربة جديدة. ففي عام 2013، على سبيل المثال، اجتمع وفدٌ من سبع دول [عربية] مع وزير الخارجية الأميركي آنذاك جون كيري، وأعلن أنه سيتم تعديل "مبادرة السلام العربية" للسماح بتبادل الأراضي بين الفلسطينيين والإسرائيليين ـ وكان ذلك عنصرا أساسيا في الاقتراحات الأميركية بشأن الأراضي في ذلك الوقت. وعلى الرغم من أنه كان مفهوما أن الدول تتحدث باسم جامعة الدول العربية، إلا أنه لم تجرِ مداولاتٌ رسمية بهذا الشأن داخل الجامعة.

واليوم، قد تحتاج أي مجموعة من هذا القبيل إلى ترسيخ من قبل المملكة العربية السعودية، ويعود ذلك جزئيا إلى كَوْن مبادرة السلام العربية" إرثا للملك الراحل عبدالله، ولكن الأهم من ذلك بسبب ثقل المملكة في العالم العربي. ويمكن في البداية أن تُعهد مهمة بلورة هذه المقاربة واختبارها إلى دول أصغر حجما وأكثر مرونة من الناحية الدبلوماسية كالإمارات والأردن.

وسيتعين أيضا إشراك رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، على الأقل لضمان عدم محاولة حكومته إفشال هذا الجهد. ولكن نظرا لعلاقاته المتوترة مع العديد من القادة العرب، قد تكون بعض الدول غير راغبة في التعامل معه. وعلى الأرجح، إذن، قد تحتاج الولايات المتحدة إلى تشجيع القادة العرب بهدوء على اختبار هذه المقاربة، وفي الوقت نفسه تحفيز السلطة الفلسطينية على إعادة التواصل مع واشنطن وإطار عمل "مبادرة السلام العربية". ويمكن لأوروبا أيضا أن تبدي دعمها من خلال تقديم الحوافز اللازمة لاتخاذ خطوات تدريجية وملموسة بين الفلسطينيين وإسرائيل.

وكل هذا قد يتطلب إجراء محادثات عربية صريحة مع قادة السلطة الفلسطينية للتأكيد على الرسالة الأساسية نفسها وهي: أن الفلسطينيين سيحظون بفرصٍ للاستفادة من التقارب العربي الإسرائيلي لصالحهم ولكنهم لا يستطيعون إيقاف الأمر المحتوم. ويجب أن تنظر هذه المحادثات في ماهية الفوائد التي سيجنيها الفلسطينيون، من بينها الحوافز الإضافية التي قد تكون الدول العربية على استعداد لمنحها للفلسطينيين. ولكن بغض النظر عن التفاصيل التي تناقشها، يجب على الدول العربية أن تتجنب المجاملات الدبلوماسية التقليدية وأن توضح، على انفراد، بأنه على الرغم من استمرار التزامها بالحقوق والمواقف الأساسية للفلسطينيين، إلا أنها لم تعد مستعدة لوضع التكتيكات الدبلوماسية الفلسطينية قبل مصالحها الوطنية.

أثبتت الدولتان العربيتان اللتان توصلتا إلى اتفاقيتي سلام فرديتين مع إسرائيل في الماضي ـ مصر والأردن ـ أنهما أكثر فعالية في التوسط في الخلافات الفلسطينية ـ الإسرائيلية

ومن شأن هذه المقاربة أن تدعم المصالح الأميركية أيضا. فتوفير مسارٍ للتطبيع يتغلب على التردد المستمر لدى بعض الدول العربية قد يساعد على انبثاق مشهد أمني إقليمي جديد. كما أن تقديم الحوافز لخطوات فلسطينية ـ إسرائيلية تدريجية ولكن ملموسة من شأنه أن يخدم الهدف الذي تبنّته كل إدارة أميركية منذ الرئيس كلينتون ـ وهو تعزيز التقدم التدريجي على الأرض بالتوازي مع الجهود الرامية لضمان الحل الدائم.

الخاتمة

كشف الاتفاق بين الإمارات وإسرائيل عن القيود التي تعيق المقاربة القديمة المدرجة في "مبادرة السلام العربية". وعوضا عن التخلي عن هذه الأداة التي قد تكون مفيدة، يجب على الأطراف المعنية تبنّي نهج جديد يقوم على خطوات تدريجية وتبادلية توازن تماما بين المصالح التي تهم كافة الأطراف. 

ورغم أن هذه المقاربة ستكون بعيدة كل البعد عن الأهداف السامية الأصلية لـ "مبادرة السلام العربية"، فقد ثبت على مدى سنوات أن هذه الأهداف بعيدة المنال، لذا فإن اتباع نهج أكثر تواضعا يوفر فرصة أفضل لتحقيق نتائج ملموسة. 

وقد أثبتت الدولتان العربيتان اللتان توصلتا إلى اتفاقيتي سلام فرديتين مع إسرائيل في الماضي ـ مصر والأردن ـ أنهما أكثر فعالية في التوسط في الخلافات الفلسطينية ـ الإسرائيلية من الدول التي اختارت عدم الانخراط، لذا لا ينبغي الاستهانة بمنافع السلام المحتملة للتطبيع التدريجي.

المصدر: منتدى فكرة

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.