Iranians, some wearing personal protective equipment, walk past shops in the southeastern city of Kerman on April 11, 2020,…
إيرانيون في أحد أسواق كرمان

انهالت الكثير من التعليقات على خطة إدارة الرئيس الأميركي ترامب الجلية "للاعتراض" على منح إيران قرض بموجب تسهيل جديد مقدّم من "صندوق النقد الدولي" يهدف إلى مساعدة الدول على التعامل مع أزمة وباء "كوفيد-19". إن اعتبار هذه التقارير على أنها تفتقر إلى الوقائع هو وصف مهذب بأفضل الأحوال.

ومن أسباب ذلك، أن إيران تتمتع بالفعل بإمكانية النفاذ الفوري إلى 2.8 مليار دولار من الأموال الموجودة من "صندوق النقد الدولي" دون الحصول على أي قروض جديدة ـ 700 مليون دولار في "شريحة الاحتياطي" و2.1 مليار دولار في "حقوق السحب الخاصة". 

وهذه الأموال متاحة دون شروط، ومع ذلك لم تبذل طهران أي جهد لاستخدامها خلال الأزمات الصحية والاقتصادية المستمرة. والأهم من ذلك، يمتلك النظام ما لا يقل عن 90 مليار دولار من احتياطيات النقد الأجنبي، والتي يمكن النفاذ إلى جزء كبير منها في الوقت الحالي. وتثير هذه العوامل تساؤلات حول دوافع طهران في التقدم بطلب للحصول على القرض.

علاوة على ذلك، ركّزت السلطات ووسائل الإعلام الإيرانية على ما إذا كان المسؤولون الأميركيون سيحجبون القرض، مما يعني أنه في حال تمّ المضي قدما به، فسيمثل ذلك هزيمة لحملة الضغط الأقصى التي تنتهجها إدارة ترامب. 

لم تبذل طهران أي جهد لاستخدام الأموال المتاحة بدون شروط خلال الأزمات الصحية والاقتصادية المستمرة

وفي الواقع، لا توجد وسيلة عملية يمكن لواشنطن من خلالها حجب أي قرض مماثل تم تقديم طلب للحصول عليه إلى "المجلس التنفيذي" لـ "صندوق النقد الدولي". وعلى الرغم من كثرة الكلام بشأن "فيتو" أميركي، إلا أن هذه الصلاحية تُطبّق فقط على مجموعة محددة للغاية من القضايا المفصلة في ملحق "بنود اتفاقية" [تأسيس] "صندوق النقد الدولي" ـ وخاصة القضايا المتعلقة بحوكمة "الصندوق" وليس بالقروض الفردية.

وبالفعل، لدى الولايات المتحدة تاريخ طويل من الاعتراض غير الناجح على قروض "صندوق النقد الدولي". وفي كل ربع سنة، يقدم مسؤولو وزارة الخزانة الأميركية تقارير إلى الكونغرس حول القروض التي دعموها وتلك التي عارضوها. وفي العام الماضي، على سبيل المثال، عارضت الإدارة الأميركية تقديم قروض إلى جمهورية الكونغو في يوليو وإلى موريتانيا في مايو، ولكن تمت الموافقة على كليهما. وبالعودة إلى عدة سنوات إلى الوراء، لا نجد أي أمثلة على نجاح اعتراض الولايات المتحدة أمام "المجلس التنفيذي" لـ "صندوق النقد الدولي".

وتعتقد وزارة الخزانة الأميركية أنها المؤسسة المسؤولة عن إبقاء "صندوق النقد الدولي" على المسار الصحيح والضيق من خلال الإصرار على فرض شروط صارمة واتخاذ إجراءات اقتصادية صارمة. ووفقا لذلك، غالبا ما يعارض المسؤولون في الوزارة على قروض "الصندوق" التي يعتبرونها غير مبررة اقتصاديا، بغض النظر عن علاقات الولايات المتحدة مع البلدان المعنية. 

على سبيل المثال، لم يكن اعتراضهم على قروض الكونغو وموريتانيا مبنيا على أي رغبة في وضع تلك الحكومات تحت "الضغط الأقصى"، بل لضمان أن تكون شروط "صندوق النقد الدولي" في قضايا مثل الإصلاح الاقتصادي الهيكلي صارمة بما فيه الكفاية.

وفي الحالة الراهنة، يصر "صندوق النقد الدولي" على أن تكون شروط "آليات تمويل الطوارئ" الجديدة في حدها الأدنى. كما أوضح أحد مسؤولي "الصندوق" في إحاطة خلفية في 1 أبريل، فإن المعيار الوحيد لهذه القروض المتعلقة بفيروس كورونا هو (1) أن تكون الدولة في وضع يمكنها من سداد الأموال (التي من الواضح أن باستطاعة إيران سدادها)، و (2) "أن تُستخدم الأموال من الناحية الرسمية لمعالجة المصدر الأساسي لاحتياجات التمويل، أي في الأزمة الصحية في هذه الحالة". وفي قسم آخر من الإحاطة، يؤكد المسؤولون أنه لن يتم وضع أي شروط لضمان استخدام الحكومات للأموال بالطريقة التي تَعلن بها استخدامها.

ويتمثل موقف الولايات المتحدة بعدم استيفاء إيران حتى للمعايير الأساسية بالنظر إلى تاريخها في تحويل تمويل الأدوية وغيرها من التمويل الطبي لدعم الإرهاب والفساد. 

على سبيل المثال، وكما أشار وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في 24 مارس، "سرق مسؤولو النظام أكثر من مليار يورو مخصصة للإمدادات الطبية، ويواصلون تخزين أقنعة وقفازات ومعدات طبية أخرى التي تمس الحاجة إليها، لبيعها في السوق السوداء". 

وحتى لو أرادت إدارة ترامب دعم القرض، فإنها لا تستطيع أن تفعل ذلك. فوفقا للفقرة 1621 من "قانون المؤسسات المالية الدولية" (22 U.S.C. 262p-4q)، "يصدر وزير الخزانة التعليمات للمدير التنفيذي لكل مؤسسة مالية دولية أميركية باستخدام صوْت الولايات المتحدة وتصويتها لمعارضة أي قرض أو أي استخدام آخر للأموال" للبلدان التي حددها وزير الخارجية كدول راعية للإرهاب. يبدو أن هذا البند لا يتمتع بسلطة الإعفاء.

ولا شك أن لدى الولايات المتحدة وسائل مختلفة لتقويض قروض محتملة قبل أن تصل إلى "المجلس التنفيذي" لـ "صندوق النقد الدولي"، مثل إقناع المدير الإداري للمنظمة بعدم المضي قدما بالقرض. ومع ذلك، فإن المسؤولة التي تشغل المنصب حاليا، كريستينا جورجيفا، المتحدرة من دولة ضمن الاتحاد الأوروبي شأنها شأن كافة أسلافها، وأبرز حكومات الاتحاد الأوروبي قد أيّدت فكرة منح إيران قرضا طارئا، لذلك من الصعب رؤية النداءات الأميركية تُحبط العملية في هذه الحالة.

لن يكون للجدل المتعلق بقرض "صندوق النقد الدولي" أي تأثير على قدرة إيران على شراء السلع الإنسانية

ويقينا أن طهران واجهت الكثير من الصعوبات للنفاذ إلى احتياطياتها من العملة الأجنبية لإجراء عمليات تجارية لأغراض إنسانية بسبب القيود الأميركية المفروضة على التعاملات مع "البنك المركزي الإيراني". 

ومع ذلك، فلن يكون لقرض "صندوق النقد الدولي" أي تأثير على تلك القضية. بل أن ما يساعد في هذا الخصوص هو التغيير الذي أدخلته وزارة الخزانة الأميركية بهدوء على السياسة في مارس والذي تسمح بموجبه بإجراء معاملات أجنبية مع "البنك المركزي" لغرض مكافحة فيروس كورونا. 

ويغتنم المصدرون أساسا هذه الفرصة في كوريا الجنوبية، حيث تحتفظ إيران باحتياطيات تقدّر بمليارات الدولارات؛ وينطبق هذا التغيير في السياسة أيضا على أماكن رئيسية أخرى توجد فيها احتياطيات. وبالتالي، يجب على أي جهة مهتمة بإرسال إمدادات طبية إلى إيران التركيز على هذه الاحتياطيات التي يمكن النفاذ إليها حديثا بدلا من قروض "صندوق النقد الدولي".

باختصار، لن يكون للجدل المتعلق بقرض "صندوق النقد الدولي" أي تأثير على قدرة إيران على شراء السلع الإنسانية. ومن غير المناسب أن تدّعي وكالات الأنباء أو حكومات "الاتحاد الأوروبي" أو أي جهة أخرى أن حجب القرض سيقوّض نفاذ إيران إلى مثل هذه السلع. فالعقبة الحقيقية تكمن في عجز طهران عن استخدام الموارد الكثيرة التي يمكنها النفاذ إليها أساسا.

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.