Iraqi men mourn over the coffins of members of a family who were killed a day earlier when a rocket hit their home near Baghdad…
تشييع ضحايا القصف الصاروخي الذي استهدف منزل عائلة بالقرب من مطار بغداد

في 20 سبتمبر، أفادت بعض التقارير أن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو حذّر الحكومة العراقية من أن [استمرار] هجمات الميليشيات غير الخاضعة للرقابة قد يدفع الولايات المتحدة إلى إغلاق سفارتها، وشن ضربات قويّة على قادة الميليشيات المدعومة من إيران. 

ومنذ ذلك الحين، سارع المسؤولون العراقيون وحتى بعض رموز الميليشيات إلى استرضاء واشنطن، حيث نأت جماعات مسلحة مختلفة بنفسها علنا عن الهجمات على المنشآت الدبلوماسية. 

ولكن في الوقت نفسه، أذهل هذا التحذير الحكومة العراقية المحاصرة التي كانت قد وجهت بعض الضربات القوية ضد وكلاء إيران في الأسابيع الأخيرة، من بينها اعتقال مموّل الميليشيا المشتبه به بهاء عبد الحسين في 17 سبتمبر، الذي يسيطر على خدمة دفع إلكتروني بقيمة مليارات الدولارات.

ويسلّط هذا الحدث الضوء على أثر التآكل الذي يمكن أن تحدثه حتى هجمات التحرّش غير الفتّاكة للميليشيات على العلاقة الثنائية، وهي قضية سبق للكاتب أن قدّم عنها تحليلات وتحديثات في يوليو ومارس وفبراير. وقبل الأحداث الأخيرة الموضحة في القائمة أدناه، كانت العلاقات تتحسن بشكل ملحوظ، حيث زار رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي واشنطن في أغسطس، ووافقت إدارة الرئيس دونالد ترامب على البدء في خفض عدد القوات الأميركية من 5,200 عسكري إلى مستوى مستدام يبلغ حوالي 3,000 عنصر. ولنزع فتيل أي توترات قد تنشأ من تحذير وزير الخارجية مايك بومبيو الصارم، (تقضي) الخطوة التالية الموافقة على اتخاذ إجراءات عملية لطمأنة واشنطن بأن الحكومة العراقية تقوم بتوفير أكبر قدر ممكن من الحماية التي تستطيع حشدها واقعيّا في هذا الوقت ـ مع الأخذ في الاعتبار أنه حتى أنه ليس بإمكان الجيش الأميركي إيقاف مثل هذه الهجمات تماما عندما كان لديه 165,000 جنديا في الميدان.

تدوين الهجمات الأخيرة للميليشيات

في الآونة الأخيرة توسّع عدد العمليات ونطاقها ضد الأهداف الأميركية وتلك التابعة لقوات التحالف، وضد الأهداف العراقية:

• القوافل اللوجستية. تُعوّل السفارة الأميركية والقوات العسكرية التابعة للتحالف على استيراد العديد من قطع المعدات والمواد الاستهلاكية، بعضها مخصص للإنفاق على قوات الأمن العراقية. وزادت الهجمات على قوافل الشاحنات العراقية التي تنقل هذا العتاد من 14 في الربع الأوّل من عام 2020 إلى 27 في الربع الثاني و25 في الربع الثالث. وتحسّنت نوعية هذه الهجمات أيضا، حيث شملت استخدام مشغلات الأشعة تحت الحمراء السلبية من أجل استهداف أكثر دقة، وفي الأيام الأخيرة، استخدام العبوات الناسفة الخارقة الموصولة في سلسلة تعاقبية.

التخلص التدريجي من آلاف رجال الميليشيات والأسلحة الثقيلة من المنطقة فقد يتّسم بمجابهة كبيرة، لكنه على الأقل يستحق المخاطرة ـ على عكس اعتقال عدد قليل من قادة الميليشيات، الذي سيكون له تأثير محدود

• تفاصيل الأمن الأجنبي. في 26 أغسطس، ألحقت قنبلة مزروعة على جانب الطريق أضرارا بمركبة تابعة لبرنامج الأغذية العالمي للأمم المتحدة، في منطقة عمليات تابعة لميليشيا مدعومة من إيران في شرق الموصل، مما أدّى إلى إصابة أحد الركاب بجروح. وفي 15 سبتمبر، انفجرت قنبلة أخرى على جانب الطريق بالقرب من عربة مصفحة تابعة للسفارة البريطانية في بغداد، ولكنها لم تسفر عن وقوع إصابات. وجاءت هذه الهجمات بعد مرور ما يقرب من عام على القيام بآخر تفجيرات من هذا القبيل، والتي كانت سلسلة من هجمات الميليشيات على قوافل شركات النفط في البصرة في عام 2019.

• الصواريخ والطائرات بدون طيار. عانت الأهداف الأميركية من 27 هجوما صاروخيا وهجمات بطائرات بدون طيار في الربع الثالث من العام الحالي، وهو عدد فاق ما سجّله الربع الثاني (11 هجوما) والربع الأوّل (19 هجوما). ولم تتسبب الهجمات في هذا الربع في سقوط ضحايا أميركيين. وقد وقع آخر قتلى في صفوف الأميركيين في 11 مارس. 

ومع ذلك، كانت الضربات الأخيرة أكثر دقة، حيث استهدفت الهبوط داخل أراضي السفارة الأميركية. وفي 15 سبتمبر، دمّر النظام المضاد للصواريخ وقذائف المدفعية وقذائف الهاون الخاص بالسفارة الأميركية وابلا من القاذفات التي كان يُتوقع أن تضرب المجمّع. 

أما بالنسبة للطائرات المسيّرة، فقد تم العثور على أحدها على سطح بالقرب من السفارة في 22 يوليو، وكانت على ما يبدو مجهّزة للهجوم بقنبلة تعادل قذيفة هاون متوسطة (81-82 ملم). وفي 2 سبتمبر، استُخدمت تركيبة مشابهة لمهاجمة شركة "جي فور أس" (G4S) الأمنية في مطار بغداد، عبر ضربة دقيقة للغاية ولكن الهجوم لم يسفر عن وقوع إصابات. واتهمت بعض الجماعات المسلحة هذه الشركة الأميركية البريطانية بتقديم معلومات استخبارية حددت موقع الجنرال الإيراني قاسم سليماني وزعيم الميليشيات أبو مهدي المهندس، اللذين قتلا في غارة جوية أميركية بالقرب من المطار في 3 يناير.

خيارات الرد الأميركي

يرسم الاستعراض أعلاه صورة عن التهديد الناشط للغاية الذي تطرحه الميليشيات المدعومة من إيران والذي يتطور بطرق مثيرة للقلق. ولا تريد الولايات المتحدة أن تمر بفترة أخرى مثل تلك التي شهدتها في ديسمبر ويناير، عندما كانت سفارتها محاصرة، وكان لا بد من نشر عمليات انتشار جديدة كبيرة في المنطقة، وكان خطر نشوب صراع أوسع مع الميليشيات وإيران حقيقيا تماما. 

وتريد إدارة ترامب بشكل مفهوم كسر الزخم الحالي، ومنذ المرة الأخيرة التي حدثت فيها مثل هذه الزيادة في الهجمات، كانت النتائج مقتل أميركي في ديسمبر، وشن غارات جوية أميركية، وقيام عصابات بشن هجمات على السفارة، واتخاذ القرار الحازم بل المحفوف بالمخاطر باستهداف سليماني والمهندس، واقتراح مجلس النواب العراقي الداعي إلى إخراج القوات الأميركية. وربما كان تحذير بومبيو مدفوعا أيضا بمعلومات سرية.

ومهما كانت دوافع التهديد الأميركي بإغلاق السفارة، فإنه يمثل خيارا سياسيّا مثيرا للجدل للغاية، على الرغم من فائدته الفورية في إثارة انتباه العراق بشأن قضايا الميليشيات. إن إغلاق السفارة هو بالذات النتيجة التي تحلم كل ميليشيا مدعومة من إيران بتحقيقها. وسيكون ذلك انتصارا دعائيا ذو أبعاد أسطورية لطهران ووكلائها، مما يقوّض كل التقدم المحرز في العراق منذ مقتل سليماني والمهندس. 

خلال انتظار تنفيذ هذه الإجراءات وغيرها، فإن السفارة قادرة تماما على حماية نفسها، كما فعلت خلال المواجهة في ديسمبر الماضي

كما سيمثل أيضا انسحابا كاملا من العراق حتى أكثر من الانسحاب الذي قامت به إدارة الرئيس باراك أوباما في عام 2011، مما ساعد على تمهيد الطريق لعودة ظهور تنظيم "القاعدة" تحت اسم تنظيم "الدولة الإسلامية"، وبعد ذلك سيطرة الميليشيات على مساحات واسعة من الدولة العراقية. 

ولن يؤدي ذلك إلى انتهاء كافة العمليات الدبلوماسية والعسكرية الأميركية في العراق فحسب، بل إلى توقّف جميع عمليات التحالف الأخرى أيضا نظرا لاعتمادها على الوجود الأميركي. ومن المرجح أن تقوم العديد من القوى الأجنبية بخطوات مشابهة لرحيل واشنطن الكامل ـ باستثناء إيران وروسيا والصين. ولن تخدم هذه النتيجة المصالح الأميركية بأي سيناريو.

لذلك يجب على واشنطن أن تتجنب اللجوء إلى مثل هذا الإجراء المتطرف في المستقبل، وأن تعمل بدلا من ذلك مع حكومة الكاظمي على أنواع أخرى من خيارات الرد المشدد. 

وعلى وجه الخصوص، عندما تشير تحذيرات التهديد التي توفّرها الولايات المتحدة إلى تنفيذ هجمات وشيكة، بإمكان القوات العراقية إغلاق أجزاء من المنطقة الدولية مؤقتا وتعزيز الحماية هناك من أجل حماية السفارة الأميركية بشكل أفضل. ويمكن إجراء ترتيبات مماثلة في المطار وعلى طريق المطار الرئيسي في ظل ظروف معينة. 

وعلى الرغم من أن وقف إطلاق المدفعية بشكل كامل ليس أمرا واقعيّا في أي وقت قريب، فقد تم بناء السفارة للصمود أمام مثل هذه الهجمات وهي محمية بالنظام الفعال المضاد للصواريخ وقذائف المدفعية وقذائف الهاون، الذي يسمح للحكومة العراقية بتشغيله فوق العاصمة رغم الضجة الهائلة التي يُحدثها والقذائف الطائشة التي يُطلقها في بعض الأحيان.

بالإضافة إلى ذلك، إذا كان لدى المسؤولين الأميركيين معلومات استخباراتية محددة حول أي تهديد جديد تطرحه إحدى الميليشيات ـ على سبيل المثال، إدخال أنظمة صواريخ دقيقة متقدمة ـ فعليهم مشاركة هذه البيانات بشرط أن ينفّذ العراق بسرعة عملية ضدّ هذا التهديد. 

ولا يزال رئيس الوزراء الكاظمي هو الرئيس الفخري لـ "جهاز المخابرات الوطني العراقي" ذي القدرات العالية، وأن الدول الشريكة تثق به باستمرار وكذلك بدائرة المقرّبين منه (معظمهم من أفراد "جهاز المخابرات الوطني")، فيما يتعلق بالمعلومات الحساسة.

وإذا احتاجت الحكومة الأميركية إلى رؤية علامات واضحة تشير إلى مقاومة العراق للميليشيات، فيجب أن يكون تَحرّك بغداد هادفا بمعنى أوسع نطاقا من مجرّد استرضاء واشنطن. فبدلا من حث المسؤولين العراقيين على "الاندفاع نحو الفشل" ذو الطموح المفرط (على سبيل المثال، محاولة التغلب العسكري على ميليشيا رئيسية)، يتمثّل النهج الأذكى في مساعدتهم على استعادة المنطقة الدولية. وستكون إزالة الميليشيات بشكل تدريجي من هذه القطعة العقارية الرئيسية رمزية جدّا على المستوى الوطني، والأهم من ذلك، [تساعد على] حماية المنشآت العراقية والأميركية ومنشآت التحالف الأكثر حساسية. 

إن إغلاق السفارة هو بالذات النتيجة التي تحلم كل ميليشيا مدعومة من إيران بتحقيقها

أما التخلص التدريجي من آلاف رجال الميليشيات والأسلحة الثقيلة من المنطقة فقد يتّسم بمجابهة كبيرة، لكنه على الأقل يستحق المخاطرة ـ على عكس اعتقال عدد قليل من قادة الميليشيات، الذي سيكون له تأثير محدود. 

وبالفعل، يقوم الكاظمي بإجراء العديد من التغييرات الإيجابية على الترتيبات الأمنية في المنطقة بمساعدة الولايات المتحدة، لذا فقد حان الوقت لبذل جهود "الانتقال من حيٍّ إلى آخر" لإزالة المقاتلين والأسلحة. يجب على واشنطن حشد الدعم الصريح لمثل هذه الخطوة، ليس فقط بين الجهات الفاعلة الدولية التي لديها سفارات في المنطقة، بل أيضا بين الكتل السياسية الشيعية والعلمانية والكردية والسنية المعتدلة في العراق.

وخلال انتظار تنفيذ هذه الإجراءات وغيرها، فإن السفارة قادرة تماما على حماية نفسها، كما فعلت خلال المواجهة في ديسمبر الماضي. بالإضافة إلى ذلك، تم تقليص الوجود الأميركي وتعزيزه منذ ذلك الحين ـ فأصبح يتركّز حاليّا في ستة مواقع بدلا من أربعة عشر، وفي كل موقع دفاعات ناشطة ضد القذائف والصواريخ والطائرات بدون طيار. 

ويمنح هذا الاستثمار الذي تبلغ قيمته مليارات الدولارات الأفراد الأميركيين الشجعان القدرة على الصمود أمام نيران المضايقة عندما لا يمكن تجنّبها، وعلى الرغم من أن مظلة الحماية لا تمتد لقوافل الإمداد، إلا أن وظائف النقل هذه يتم تنفيذها من قبل عراقيين يتمتعون بنفس القدر من الشجاعة، وليس أميركيين. ومن شأن تأمين المنطقة الدولية والبدء بالحملة لإخراج الميليشيات أن يمنح السفارة الأميركية أسباب أكثر قوة للوقوف على أسس وطيدة لأنها تساعد بغداد على الصمود أمام التهديدات الإيرانية.

المصدر: منتدى فكرة

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.