This handout picture provided by the office of Iran's Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei on January 9, 2020 shows the newly…
في 30 مارس، قام العميد إسماعيل قاآني، قائد "فيلق القدس" ـ وحدة القوات الخاصة التابعة لـ "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني ـ بزيارة غير معلنة للعراق

في 30 مارس، قام العميد إسماعيل قاآني، قائد "فيلق القدس" ـ وحدة القوات الخاصة التابعة لـ "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني ـ بزيارة غير معلنة للعراق. واجتمع مع عدد من كبار المسؤولين وقادة الميليشيات خلال رحلته القصيرة، بمن فيهم هادي العامري (رئيس "منظمة بدر")، وعمار الحكيم (رئيس "تيار الحكمة الوطني")، ومحمد رضا السيستاني (نجل آية الله العظمى علي السيستاني).

وكان لهذه الزيارة غير المعلنة، التي لم تحصل على أي تغطية إعلامية تقريبا في إيران، دافع رئيسي مزودج: توحيد الميليشيات الشيعية لمواجهة الحقبة الجديدة التي تتكشف معالمها منذ أن قامت الولايات المتحدة باغتيال قائد "فيلق القدس" قاسم سليماني وقائد "كتائب حزب الله" ابو مهدي المهندس في يناير؛ وحشد الدعم ضدّ رئيس الوزراء المكلّف عدنان الزرفي، الذي اعتبرته طهران وعملائها مؤيدا لأميركا.

غير أن قاآني فشل على الجبهتين. وعلى الرغم من تنحي الزرفي في الأسبوع الأخير، إلا أن أياً من المرشحَيْن المفضليْن لإيران (عبد الحسين عبطان وقاسم الأعرجي) لم يحل محله. وبدلا من ذلك، تم اختيار مسؤول آخر يُعتبر متعاطفا مع المصالح الأميركية ـ وهو رئيس المخابرات مصطفى الكاظمي. 

وعلى نطاق أوسع، تشير ردود الفعل المتباينة في أوساط أبرز الميليشيات إلى أن "فيلق القدس" سيواجه صعوبات في إعادة بناء قوته في العراق، رغم جهود طهران لتمهيد الطريق عن طريق إرسال أمين "المجلس الأعلى للأمن القومي" علي شمخاني إلى بغداد في وقت سابق في مارس.

تغيير رئيس الوزراء يكشف عن خطوط الصدع

أعقب زيارة قاآني صدور بيان غير مسبوق في 4 أبريل، وقعت عليه ثمانٍ من أبرز الميليشيات الموالية لإيران ضمن "قوات الحشد الشعبي" العراقية، وهي: حركة "عصائب أهل الحق"، "كتائب سيد الشهداء"، حركة "أنصار الله الأوفياء"، "كتائب جند الإمام"، حركة "حزب الله النجباء"، "كتائب الإمام علي"، "سرايا عاشوراء" و "سرايا الخراساني".  واستنكر البيان الوجود العسكري الأميركي المستمر في العراق ووصف الزرفي بأنه عميل أميركي.

ونظرا لصدور البيان في وقت قريب من زيارة قاآني، فمن المفترض أن يكون قد أُعِدّ بمعرفة "الحرس الثوري" الإيراني. إلا أن "كتائب حزب الله" (الميليشيا القيادية التي تعتبر الأقرب إلى "فيلق القدس") كانت غائبة بشكل واضح عن اللائحة. كما لم تبدِ الجماعة رأيها بشأن اختيار بديل للزرفي. واتفقت الأحزاب الشيعية والكردية والسنية العراقية على منح الكاظمي الفرصة التالية لتشكيل حكومة، غير أن "كتائب حزب الله" رفضته باعتباره مواليا لأميركا، حتى أنها اتهمته بإعطاء الولايات المتحدة معلومات سرية سهلت قتل سليماني والمهندس.

ستسارع طهران في الأسابيع المقبلة إلى العمل من أجل إعادة ترسيخ مكانتها في العراق

ومن جانبه، يبدو أن "الحرس الثوري" يلعب لعبة مزدوجة محفوفة بالمخاطر في العراق. فعلى الرغم من أنه قَبِل في النهاية ترشيح الكاظمي كحل وسط من أجل منع الزرفي [من تسلم منصب رئيس الوزراء] وتجنب المزيد من الجمود، إلا أنه يقوم في الوقت نفسه بإعداد "كتائب حزب الله" وراء الكواليس لمواجهة استراتيجية محتملة في مرحلة لاحقة. 

وفي 6 أبريل، أصدرت "كتائب حزب الله" بيانا أعلنت فيه موقفها الحازم ضد أي "حكومة مفروضة" يُفترض أن لديها نوايا تهديدية أو مشكوك فيها. وجاء هذا البيان في الوقت نفسه الذي انتشرت فيه أخبار ترشيح الكاظمي.

كما أن هذه الميليشيا غير راضية عن رفض الفصائل الأخرى مرشحها عبد العزيز المحمداوي (الملقب "أبو فدك") لقيادة أركان "قوات الحشد الشعبي". فالميليشيات الموالية للسيستاني ضمن "الحشد الشعبي" ("فصائل العتبات") رفضت ترشيحه علانية، في حين أن الفصائل القوية الموالية لإيران مثل "منظمة بدر" تنأى بنفسها عن قضايا "الحشد الشعبي" منذ فترة من الوقت.

التداعيات العسكرية لزيارة قاآني

جاءت زيارة قاآني وسط تزايد التوترات بين إيران والولايات المتحدة، بالإضافة إلى التعجيل في دمج القوات العسكرية الأميركية في قاعدتين: الأسد وأربيل. وأشارت تقارير وسائل الإعلام الأميركية إلى أن بعض الأفراد على الأقل في إدارة الرئيس دونالد ترامب يفضلون التحرك العسكري من أجل تقويض "كتائب حزب الله" بشكل حازم في العراق وحتى لضرب أهداف عسكرية إيرانية إذا وقع المزيد من الأفراد الأميركيين ضحية لهجمات صاروخية من الميليشيات.

وفي غضون ذلك، حذر اللواء محمد باقري وغيره من كبار القادة الإيرانيين من أي عمل يهدد "أمن إيران". كما نفى أي دور في الهجمات الصاروخية الأخيرة في العراق أو أي نية إيرانية لمهاجمة "القوات الأجنبية" في المنطقة. وإلى جانب صياغة مثل هذه التصريحات لتجنب نَسْبْ الهجمات المستقبلية إليهم، لا يزال المسؤولون الإيرانيون غير متأكدين مما إذا كان الوجود العسكري الأميركي المتزايد في المنطقة هو "حرب نفسية" أو استعداد لاتخاذ إجراءات حقيقية ضد وكلائهم في العراق وسوريا.

إصلاح التصدعات في جبهة "المقاومة"

لقد وجد قاآني أن مصداقيته تزعزت بشكل أكبر عندما أفادت بعض التقارير أن زعيم "سائرون" مقتدى الصدر رفض الالتقاء به، هذا فضلا عن عجز قائد "فيلق القدس" عن إقناع الكتل النيابية الشيعية في العراق باختيار مرشح لمنصب رئيس الوزراء موال صراحة لإيران ومعارض للولايات المتحدة؛ ولم يكن من الممكن تصوّر مثل هذا الرفض عندما كان سليماني مسؤولا. وذهبت جماعات شيعية أخرى قريبة من إيران إلى حد انتقاد الزيارة ووصفتها بأنها محاولة للتدخل في الشؤون الداخلية للعراق.

وبالنظر إلى رد الفعل هذا، ستسارع طهران بلا شك في الأسابيع المقبلة إلى العمل من أجل إعادة ترسيخ مكانتها في العراق. ويشمل ذلك إنشاء جيل جديد من الجماعات المقاتلة الأكثر تطرفا والاستثمار فيها على غرار "عصبة الثائرين" و"أصحاب الكهف" من أجل التصدي بشكل أفضل للوجود الأميركي الراسخ ودفاعاته القوية في العراق.

تشير ردود الفعل المتباينة في أوساط أبرز الميليشيات إلى أن "فيلق القدس" سيواجه صعوبات في إعادة بناء قوته في العراق

وتدّعي "عصبة الثائرين"، التي تشكّلت في منتصف مارس، أنها فصيل "مقاومة" جديد تماما، على الرغم من أن جميع المؤشرات تشير إلى أن "كتائب حزب الله" هي الجهة المؤسسة لها أو راعيتها. وتبنّت هذه الجماعة الجديدة المسؤولية عن الهجوم الأخير على "معسكر التاجي" الذي أودى بحياة جنديين أميركيين وجندي بريطاني.

وبالمثل، فإن "أصحاب الكهف" هم جماعة ناشئة نشرت مقاطع فيديو تهديدية؛ وأظهر بعضها هجمات غير مؤكدة ضد موكب أميركي مزعوم، في حين عرضت فيديوهات أخرى مستودعا مليئا بصواريخ عيار 122 ميليمترا. 

يجب النظر إلى مثل هذه الأنشطة جنبا إلى جنب مع البيان الصادر عن "كتائب حزب الله" في السادس من أبريل الذي يدعي أنها ستمتنع عن استهداف القوات الأميركية خلال انسحابها من قواعدها الأصلية ـ مما يترك المجال مفتوحا لاستئناف الهجمات حالما تستقر هذه القوات في مواقعها الجديدة.

الخاتمة

تشير علامات الاستياء الشديد في أوساط وحدات الميليشيات الموالية للسيستاني وتلك الموالية لإيران إلى تشعّب محتمل في صفوف "قوات الحشد الشعبي" وقد يؤدي تعيين الكاظمي إلى تسريع هذه العملية. ومثل هذا السيناريو سيضر بشدة بشرعية المنظمة كهيئة عسكرية عراقية رسمية

وعلى الرغم من هيمنة الفصائل المدعومة من إيران على "قوات الحشد الشعبي"، إلا أن كثير من عامة الشعب لا يزالون يكنّون الاحترام لهذه القوات باعتبارها ثمرة فتوى السيستاني من عام 2014 والتي دعا فيها جميع الرجال العراقيين الذين يتمتعون ببنية قوية إلى حمل السلاح ومحاربة تنظيم "الدولة الإسلامية". وإذا قررت الفصائل التي يشرف عليها مساعدو السيستاني الانسحاب من "الحشد الشعبي"، فقد تلطخ السمعة العامة للمنظمة.

وعلى الرغم من أن المسؤولين الإيرانيين يفضلون بلا شك وجود قوات قوية لـ "الحشد الشعبي" تكون متوافقة مع سياساتهم، إلا أنهم قد ينأوا بأنفسهم عن التنظيم إذا أصبح ضعيفا وفوضويا إلى الحد الذي يعيق فيه أهدافهم الكبرى في العراق. وفي هذه الحالة، قد تعود طهران إلى عصر الميليشيات الصغيرة التي تعمل سرا من خلال استخدامها تكتيكات حرب العصابات.

وفي الوقت الحالي، ستضغط إيران على الأرجح من أجل استمرار الهجمات الصاروخية ضد أهداف أميركية لإلحاق ضرر نفسي وجسدي على حد سواء بالاستراتيجية الأميركية في العراق، وذلك باستخدام جماعات منشقة أو جرى تجديد شعارها ويصعب تعقّبها. وقد تزيد هذه الهجمات تدريجيا من حيث العدد والخطورة، حيث لن تستهدف القواعد العسكرية الأميركية المتبقية فحسب، بل مجمع السفارة في بغداد أيضا.

وهكذا، في حين يتعيّن على الولايات المتحدة الاستمرار في الضغط من أجل تشكيل حكومة موالية صديقة تكون مقبولة لجميع الجماعات العرقية والسياسية العراقية، يجب عليها أيضا الاستمرار في اتخاذ جميع التدابير الضرورية لتأمين أفرادها وعناصرها [في العراق]. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تواصل تحميل إيران مسؤولية أي نشاط تهديدي تقوم به ميليشيا شيعية [في العراق].  

المصدر: منتدى فكرة

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!