Egyptian citizens queue at Kuwait International Airport before boarding a repatriation flight to Cairo, in Kuwait City on May 5…
مصريون ينتظرون لدخول الكويت

ترتفع أرقام الإصابات بفيروس كورونا في الكويت بمقدار ألفي بشكل يومي تقريبا، الأرقام منذ أيام تتراوح بين 800 إلى ألف يوميا، أغلبية هذه الأرقام للأجانب المقيمين في الكويت. بذات هذا المعدل تقريبا، ترتفع أرقام دول الخليج التي تمتلئ بالمقيمين من الجنسيات الأخرى. 

كنت قد أشرت في المقال السابق إلى الآثار المرضية النفسية لجائحة كورونا والتي تتمثل في منطقتنا الخليجية تحديدا في علاقتنا بالأجانب المقيمين في بلداننا وهي العلاقات المتسمة بالتوتر أصلا، والتي قد تأخذ انحناءة حادة مرعبة هذه الأيام.

منذ بداية ظهور الجائحة، كان هناك تمييز، أقل ما يقال عنه أنه أغبى أنواع التمييز، حول العالم كله ولكن بكثافة في أميركا تحديدا، تجاه الشرق آسويين، حيث تعرض الأشخاص من الأصول الشرق آسيوية لمضايقات لفظية وصلت حد التعدي الجسدي جراء النظر لهم على أنهم حملة و"موزعي" الفيروس، وكأن الفيروس هذا يتوارث جينيا، أو يتأصل في الجسد طبقا لشكل العينين ولون الشعر. 

الخوف والصراع من أجل البقاء يعمي العينين ويحيل البشر كائنات بدائية غريبة ليس بينها وبين المنطق أي حبال وصل. فإذا كان البشر مستعدون لتبني تمييزا وعنصرية بغباء تلك الموجة تجاه الشرق آسيويين بناءً على أشكالهم حتى ولو أنهم ولدوا في بلدان أخرى ولم يضعوا قدما في يوم في بلدانهم الأم، فما هي إمكانية تبينهم لعنصريات أكثر "منطقية" وأقدر في "المساعدة" على المحافظة على البقاء؟

كلما ارتفعت أعداد المصابين بين الأجانب ذهبت معه مشاعر النفور والكراهية صعودا هي الأخرى، ولازمته عنصرية مقيتة لا نملك سوى أن نتفهم منابعها، ونقدر المخاوف الكامنة وراءها

مرعبة الفكرة. اليوم كل الأمل معلق على انتهاء الجائحة قبل أن تتصاعد وتيرة الكراهية بيننا حد اللاعودة عن حد العنف، الذي ربما سيشكل تهديدا لوجودنا أكثر من الجائحة بحد ذاتها. لقد بات بيان وزارة الصحة الكويتية الصباحي، بالرغم من هدوء المتحدث باسم الوزارة الدكتور عبدالله السند وجميل كلامه، مصدر توتر كبير بالنسبة لي، ليس بسبب ارتفاع الأرقام، فهذه متوقعة، بل ونحن نعلم منطقيا أننا لم نصل الذروة بعد، إنما تحديدا بسبب ارتفاع أرقام الأجانب عن الكويتيين. 

هذا الارتفاع الذي كلما ذهب صعودا، ذهبت معه مشاعر النفور والكراهية صعودا هي الأخرى، ولازمته عنصرية مقيتة لا نملك سوى أن نتفهم منابعها، ونقدر المخاوف الكامنة وراءها. هذا الوضع الداخلي الكويتي، على ما يصل من خلال وسائل التواصل، متشابه مع حال جيراننا في منطقة الخليج، فأي طريق خطر تأخذنا إليه مخاوفنا؟ 

وعلى قدر ما تخدمنا وسائل التواصل هذه في التعامل مع قضايانا الإنسانية والاجتماعية، على قدر ما هي تنشر مشاعر الكراهية والنفور صوتا وصورة بين الناس. يتداول أهل الخليج الآن صور وفيديوهات لتصرفات بعض المقيمين التي تخرج عن نطاق السيطرة العصبية، حين يذهبون للتشابك مع الشرطة أو التصادم والأوامر الإدارية أو القوانين المحلية. ما أن تنتشر هذه الصور والفيديوهات حتى تبدأ حفلة الكراهية المرعبة، ليأتي نتاجها ليس فقط بالمزيد من الكراهية والنفور والتباعد، ولكن كذلك بطرح مقترحات و"حلول" لا يمكن لعاقل أن يستوعبها. فهل يمكن، على سبيل المثال لبعض المقترحات اللامعقولة، تصور إمكانية "شحن" كل المقيمين إلى بلدانهم دفعة واحدة؟

لقد بات من متطلبات الأزمة أن يكون كل مقيم في منطقة الخليج مثالي، لا يخطئ منهم أحد، لا يخرج عن أعصابه أحد، لا ينهار أحد، لا يظهر كبرياء وعزة نفس أحد، كل مقيم عليه أن يكون مطيعا ملتزما خلوقا طيعا بل وغاية في الامتنان والشكر للدولة التي "تستضيفه".

باختصار، يجب أن يكون كل المقيمين فوق البشر، ملائكة لا تخطئ، وفي حال أتى أحدهم خطأ، أو انهارت أعصابه تحت الضغوط، أو ارتفع صوته بالشكوى، أو أظهرت كلماته كبرياء وعزة نفس فوق ظروفه، انصبغ كل البقية بلحظة خطأ أو انهيار أو "استعلاء" هذا المقيم، وأصبح الجميع أقران "التفاحة الفاسدة" التي هي مصدر خطر مهيمن سيسحب المجتمع بأكمله إلى القاع.

ولأن المقيمين فعليا بشر، بينهم الطيب وبينهم الحكيم وبينهم المتهور وبينهم الخبيث، فإن النوعيات السلبية لا بد أن تظهر على السطح بين الفينة والأخرى كما تظهر النوعيات السلبية بين المواطنين بحد ذاتهم، إلا أن الأخيرين محميين بمواطنتهم لدولهم الثرية، في حين أن الآخرين (الأجانب) مكشوفون. هم مكشوفون بغربتهم، مكشوفون بانتمائهم لدولهم الأم الضعيفة أحيانا ماديا وأحيانا سياسيا، مكشوفون بأقليتهم الأجنبية النفسية وسط أغلبية مواطنية تلعب على أرضها، الحَكم حَكمها والظروف كلها في صفها، مكشوفون بظروفهم الصعبة وأماكن إقاماتهم المكتظة وأصواتهم الضائعة. 

عسانا نجد نهاية هذه الجائحة قريبا قبل أن يأخذ الوضع انحناءة حادة لا نعود بعدها لسابق عهدنا لا في علاقاتنا مع الآخرين

هؤلاء المكشوفون مطلوب منهم أن يلزموا المثالية دائما وفي كل الأوقات، حتى وهم خائفين، جوعى، محبوسين في غرف مكتظة، معدومين من المداخيل، معرضين للأخطار، مطلوب منهم ألا ينسوا الامتنان، وألا يتوقفوا عن الطاعة، وألا يستسلموا لضعف أو غضب، فأوحدهم يمثلهم كلهم، وأي زلة من شخص، ستصبغ الآخرين جميعا بصبغة الشيطنة وستثير الشارع بغضبه المستثار أصلا من ظروف الحجر ومن مخاوف الوباء ومن القلق المستمر.

عسانا نجد نهاية هذه الجائحة قريبا قبل أن يأخذ الوضع انحناءة حادة لا نعود بعدها لسابق عهدنا لا في علاقاتنا مع الآخرين، ولا داخليا مع نفوسنا وضمائرنا. في اللحظات المظلمة، تمسك بقلبي فكرة مرعبة أشبه بما يحدث في أفلام الديستوبيا القاتمة، فإذا بنا نتوحش من أجل البقاء، نرمي خلف ظهورنا في لحظات قوانين ومبادئ إنسانية احتاجت مئات، إن لم تكن آلاف، السنوات لبنائها، ليصبح الشعار البشري بعدها: أنا ومن بعدي الطوفان. من سيبقى منا عندها؟ من سيستطيع الاستمرار؟ 

الحقيقة الساخرة هي أن حتى أبناء البلد الواحد المأخوذين بوحدتهم الوطنية الآن سيقصلهم سيف هذا الشعار، ولن يبقى سوى أقوى الأقوياء وأغنى الأغنياء. هل هذا هو العالم الذي نود أن نعيش فيه؟ لا نتكبر على الأضعف حتى لا تدور الدوائر علينا. إنه قانون الحياة البسيط.

An Iranian Sunni Kurd walks along a mountain in Ouraman Takht village in Kurdistan province, about 620 km (385 miles) west of…

لا يكاد أن يمر يوم واحد، دون أن تأتي المنظمات الحقوقية الكردية على خبر قنص قوات الأمن التركية أو أعضاء حرس الحدود الإيرانيين لواحد أو مجموعة من الكولبار الأكراد، على محاور الحدود بين البلدان الثلاثة، إيران تركيا والعراق. 

الكولبار هم الشبان الأكراد المنحدرون من القرى والبلدات الجبلية الوعرة، على أطراف المثلث الحدودي بين تلك الدول، من الذين يمتهنون حمل البضائع المهربة على ظهورهم، يعبرون بها الجغرافيات الوعرة على أطراف الحدود، من بلد إلى آخر، لصالح شبكات التجار والمهربين، المستقرين غالبا في واحدة من عواصم تلك الدول، والمرتبطين عضويا بمراكز القوة وأصحاب النفوذ داخل الأنظمة السياسية الحاكمة لهذه الدول.

المعطيات القليلة حول حياة الكولبار، تقول بأن أعدادهم تتجاوز عشرات الآلاف من الممتهنين، الموزعين على مئات المجموعات والفرق. حيث يتجمعون عادة في نقطة حدودية بعينها، يُحمل كل واحد منهم بقرابة مئة كيلوغرام من البضاعة المنوي نقلها إلى الطرف الآخر من الحدود. لكن، ولتجاوز نقاط المراقبة ومراكز حرس الحدود، فإنهم يسيرون في دروب وعرة للغاية، ولعدة أيام، حتى يوصلوا البضاعة إلى النقطة المتفق عليها، في الطرف الآخر من الحدود.

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء

يتقضى الكولبار أجورا زهيدة للغاية، لا تزيد عن عشرة دولارات ليوم العمل الواحد، والذي يعني السير لمدة أربعة وعشرين ساعة متواصلة في تلك المناطق الجبلية، التي تُعتبر من أكثر جغرافيات العالم وعورة. طوال تلك الرحلة يحمل الكولبار على ظهورهم قرابة مئة كيلوغرام من المهربات، يتحملون المسؤولية كاملة في حال تلفها أو سقوطها، وفوق ذلك مراقبة وملاحقة عشرات الآلاف من أعضاء الأجهزة الأمنية وحرس الحدود المتعاونين فيما بينهم تماما، المزودين بأحدث الأسلحة وأجهزة المراقبة، في ظلال أقسى الظروف الجوية، حيث تبقى تلك المنطقة مثلجة طوال تسعة أشهر من السنة.

تقول الأرقام الإحصائية القليلة حول الكولبار، والتي هي كلمة كردية تعني "حامل كل شيء"، تقول بأن قرابة 50 منهم يُغتالون سنويا على يد أجهزة الأمن وحرس الحدود الإيرانيين، وأقل منهم بقليل على يد نظرائهم الأتراك، فيما تتولى الطبيعية القاسية الفتك سنويا بقرابة عدد قريب منذ ذلك، فالمئات منهم ما يزالون في عِداد المفقودين، بالرغم من مرور سنوات على فقدان أثرهم في أعالي الجبال.

بعض الدراسات البحثية حولهم، أكدت بأن أغلبية واضحة منهم ذات تحصيل علمي عالي، من خريجي الجامعات والمعاهد العليا، ومن أبناء الطبقة الوسطى. لكن انتشار الفقر والبطالة وانعدام فرص العمل في مناطقهم ذات الأغلبية الكردية، يدفعهم إلى الاختيار بين واحد من خيارين قاسيين: أما النزوح نحو المدن الرئيسية، وبالتالي العيش في الهوامش والعشوائيات وامتهان العمالة الرخيصة وفقدان الروابط الاجتماعية والثقافية والوجدانية مع مناطقهم وثقافتهم ولغتهم الكردية. أو امتهان حرفة الكولبار، بكل فظاعاتها.

♦♦♦

الكولبار استعارة كُبرى ومعبرة عن أحوال الأكراد وشقاء عيشهم في هذه البلدان، التي تختلف أنظمتها السياسية والاقتصادية والثقافية على كل شيء، لكنها تتفق على "عدو" وظيفي واحد فحسب، يتمثل في قمع الأكراد وتطلعاتهم القومية. 

هذه الديناميكية التي كانت، وما تزال، تجري بيُسر بالغ منذ قرابة قرن وحتى والآن. أي منذ أن خسرت الإمبراطوريتان الفارسية والعثمانية "أمجادها" العتيدة، بعد الحرب العالمية الأولى، وصارتا محصورتين في حقائق الدولة "الحديثة"، المتواضعة في قدرتها وهيبتها؛ لكن المتطلعة والمنتمية لخيالات الإمبراطورية التي كانت. الخيالات المكبوتة في الذاكرة والأنا الجمعية الجريحة.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا

طوال هذا التاريخ المديد، وجدت الدولتان/الإمبراطوريتان في حكم الكرد كتعويض رمزي لذلك الجرح النرجسي، يمارسون ويفرغون في الكرد آلامهم تلك، يثبتون لأنفسهم يوما بعد الآخر، عبر حُكم وكبح الأكراد، بأنهم ما يزالون يحتفظون بشيء تاريخ الهيمنة الإمبراطورية الذي كانوا عليه.

حراس الحدود وأعضاء الأجهزة الأمنية على طرفي الحدود في تلك المنطقة، الذين يلاحقون ويستهدفون ويقنصون يوميا أفراد الكولبار، المساكين العُزل، والذين يتحملون كل تلك القسوة، فقط في سبيل تأمين الحد الأدنى من رمق الحياة لهم ولعائلاتهم، حرس الحدود هؤلاء، يمثلون صورة مُصغرة لنمط العلاقة الرهيبة بين الأكراد وتلك الدول. إذ ثمة طرف مسلح بكل أشكال القوة، بما في ذلك أوهام حماية القانون والسلطة الشرعية وحرمة الحدود الوطنية، يواجهون بشراسة مطلقة مجموعة من الأناس المتخمين بكل أشكال الهوان والضعف والهشاشة، من الذين يقبلون مواجهة مصائر بالغة القسوة والبؤس، فقط لتأمين أبسط أشكال الحياة، وعدم الاضطرار للهجرة والترك الجماعي لمناطقهم ولغتهم وهويتهم القومية.

♦♦♦

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء. ليس لهم تنظيم مهني أو نقابي يستطيع أن يؤطر مهنتهم ويشرعنها ويدافع عن حقوق أفرادها. وطبعا ليس من جهة سياسية تتجرأ على الدفاع عنهم، فهم في أعين وأعراف السلطات المركزية الحاكمة لتلك البلدان مجرد خارجين عن القانون، يمكن فعل أي شيء بحقهم، دون أي رادع قط. 

إذ لا يحق لذوي الضحايا منهم حتى مقاضاة الفاعلين، حتى لو أثبت لهم بأن عمليات الاغتيال جرت بدافع ممارسة السادية العسكرية أو الفاشية القومية، كما يحدث في مرات لا تُحصى. 

فالكولبار مشابهون لعشرات الآلاف من الشبان الآخرين من أبناء جلدتهم، من المتمردين السياسيين والعسكريين على سياسات تلك الدول، المُعتبرون في عرف وقوانين الدولتين مجرد "إرهابيين"، تطالهم أحكام الإعدام أو السجن المؤبد. حيث أجهزة القضاء في ذلك البلدين، إنما هي الشكل "المثقف" و"الأملس" لنفس أفعال ونتائج أعضاء حرس الحدود.

صحيح أن جزءا وفيرا من محنة الكولبار متأتية من طبيعة الأنظمة السياسية والاقتصادية في ذلك البلدين، كدولتين شموليتين سياسيا وذات أنظمة مركزية تمتهن الفساد والنهب العام اقتصاديا؛ لكن أحوالهم، وبالإضافة لتلك الأسباب، هي النتيجة الطبيعية لتراكم سياسيات أمنية واقتصادية طويلة الأمد، طالت المناطق الكردية لعقود، من فرض لحالات الطوارئ الخاصة وشبه الدائمة في تلك المناطق، وحرمانها من أية استثمارات أو تنمية اقتصادية، بالذات في التعليم والبنية التحتية وحق أبنائها في الشعور الدائم بالأمان والمشاركة الفعالة الحياة العامة. أي أن تعاسة الكولبار وعائلاتهم وأبناء مناطقهم متأتية من كونهم أكرادا، عانوا من تراكم أشكال التمييز والنبذ والحرمان من الحقوق الطبيعية، منذ قرن وحتى الآن.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين

ليس الكولبار قضية لأحد، وأيضا كما الأكراد في ذلك البلدين. إذ ليس للكولبار من دول أو أحزاب أو جيوش أو منظمات تدافع عنهم، تراكم أدوات الدفاع السياسي والأيديولوجي والخطابي عنهم، لتصبح تفاصيل حيواتهم البائسة بالتقادم قضية عامة ومسألة سياسية.

لا يحدث ذلك حتى في المؤسسات والمتن العام لتلك البلدان. فالكولبار مثل ذويهم الكرد تماما، متروكون لمواجهة مصائرهم وحيدين، مصائرهم التي تكاد أن تكون قصة قتل معلنة، دائمة ورتيبة. وكأنها، بالرغم من كل غرائبيتها وعنفها وقسوتها، وكأنها الشكل البديهي والمطلق للعلاقة بينهم وبين الحاكمين. حتى بعض المواد الفنية والثقافية التي تنتجها مؤسسات أجنبية ما حول حيواتهم التعيسة، فإنها تنتمي لذلك العالم من المنتجات الاستشراقية، التي يقودها حس دفين باستكشاف حديقة العالم الأنثروبولوجيا، لمنطقة ومجتمعات قصية ومعذبة، لم تصلها أدوات ومنتجات الحداثة، بما في ذلك الحق البديهي في الحياة الكريمة.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين، المرتبطين بمراكز القوى السياسية والأمنية والسلطوية في تلك البلدان. أي أن محصلة مجهود وعذبات أبناء الكولبار، إنما تذهب للجهة التي تؤسس وتعزز من عذاباتهم.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا، أكثر من الآخرين بكثير، يعرفون بلادهم بكل وعورتها وقسوتها، وفوق ذلك يرفضون هجرتها وتركها للآخرين، وربما لأجل ذلك بالضبط يُعاقبون، بكل تلك القسوة، وكل تلك الرتابة، منذ قرن وحتى الآن.