Iraq's Prime Minister Mustafa al-Kadhimi, right, arrives in Basra, Iraq, Wednesday, July 15, 2020. (Ahmed al-Rubaye/Pool Photo…
الهجمات غير الفتاكة تلحق الضرر بشرعية الحكومة العراقية في نظر المواطنين والشركاء الدوليين

في 27 يوليو، أطلقت الميليشيات المدعومة من إيران في التاجي في العراق خمسة صواريخ على القاعدة العسكرية المحلية، التي تضم وحدة أميركية صغيرة. وبالفعل، تقوم "كتائب حزب الله" و"عصائب أهل الحق" وجماعات أخرى بتصعيد حملة المضايقة ضد وجود التحالف بقيادة الولايات المتحدة باستخدامها مجموعة من التكتيكات:

هجمات على مواكب لوجستية. وفقا لجهات الاتصال العسكرية الأميركية، شنت الميليشيات 51 هجوما هذا العام على شاحنات تنقل إمدادات إلى القوات الأميركية وقوات التحالف والمواقع الدبلوماسية في العراق. وتم تنفيذ جميع تلك الهجمات تقريبا بواسطة قنابل يدوية أو قنابل "مولوتوف"، على الرغم من أن بعضها شمل إطلاق المدافع أو الأجهزة المتفجّرة المرتجلة المزروعة على جوانب الطرق. وألحقت الهجمات أضرارا بالشاحنات والأعتدة الأميركية، لكنها لم تشكل تهديدا على حياة الأميركيين هناك لأن الشاحنات يقودها مقاولون عراقيون ترافقهم شركات أمنية عراقية. ومن غير المستغرب أن يصبح العراقيون أقل رغبة في العمل على مثل هذه المواكب.

• هجمات بالصواريخ. شنت الميليشيات ما لا يقل عن 27 هجوما صاروخيا على مواقع أميركية في العراق هذا العام، وأطلقت ما يزيد قليلا على 80 صاروخا وقذيفة هاون. وقُتل جنديان أميركيان وجندية بريطانية في هجوم شُنّ في 11 مارس على التاجي. وفي الهجوم الذي شنّ في 27 يوليو، دمرت الصواريخ مروحية عراقية في القاعدة وألحقت أضرارا بموقع تصنيع عسكري عراقي.

تطرح هذه الهجمات خطرا أكبر حتى على حياة العراقيين، والمعدات، والبنية التحتية في البلاد

• تهديدات بالطائرات بدون طيار. في 22 يوليو، اكتشفت قوات الأمن طائرة بدون طيار رباعية الدوارات تحمل قنبلة صغيرة على سطح مبنى في الجادرية، عبر نهر دجلة مباشرة [على الجانب الثاني] من السفارة الأميركية ومركز الحكومة العراقية. وكانت طائرات الميليشيات بدون طيار قد حلقت سابقا فوق السفارة والقواعد الأميركية في عدد من المناسبات.

التهديدات للأسلحة الجوية. أطلقت الميليشيات النار على مروحيات أميركية تتنقل بين القواعد على غرار قاعدة "كي وان" (K-1) في كركوك. كما نشرت صورا تدعي أنها تُظهر عملية (فاشلة) لإطلاق "نظام دفاع جوي محمول" على مروحية أميركية من طراز "شينوك" بالقرب من قاعدة التدريب في بسماية. وفي حالات أخرى، عرض قادة الميليشيات خرائط ادعوا أنها تظهر تتبع الرادار لطرق النقل الجوية [لقوات] التحالف.

أخذ الرهائن. تُعتبر حادثة الاختطاف الأخيرة للناشطة الثقافية الألمانية الفنانة هيلا مويس التي دامت ثلاثة أيام في بغداد بمثابة تذكير على أن الميليشيات المدعومة من إيران قد تحاول الضغط على الولايات المتحدة من خلال اختطاف مواطنين أميركيين، بمن فيهم مواطنون عراقيون يحملون الجنسيتين.

تحدي سلطة الحكومة. أظهرت بعض الميليشيات تحديها من خلال نشرها المستمر لرسائل عبر وسائل الإعلام والإنترنت. وينتقد المسؤول الأمني لـ "كتائب حزب الله" أبو علي العسكري ويهدّد بانتظام رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي و"أعداء" آخرين. وفي وقت سابق من هذا الشهر، تمّ تصوير مقاتلي "كتائب حزب الله"، الذين تستخدمهم "قوات الحشد الشعبي"، وهي جهاز حكومي رسمي، وهم يدوسون على صور قائدهم العام مصطفى الكاظمي. وفي الوقت نفسه، تتمتع مواكب الميليشيات الكبيرة بحرية التجول في مركز الحكومة وتهدّد مسؤولين عراقيين.

وكثيرا ما تُستخدم العديد من هذه التدابير بالتضافر مع تصوير جهود المضايقة بشكل زائف على أنها مقاومة عسكرية فعالة. على سبيل المثال، غالبا ما تعلم الميليشيات عن عملية إعادة انتشار وشيكة [لقوات] التحالف من قاعدة إلى أخرى، لكي تقوم بعد ذلك باستخدام مختلف منصاتها الإعلامية للتنبؤ علنا بانسحاب القوات، ثم قيامها بإطلاق صواريخ على القاعدة، وبعد ذلك تسجيلها عملية إعادة النشر المقررة كدليل مصور مزعوم على تكتيكات مقاومة ناجحة. وهذا ما حصل عندما تعرضت بسماية للقصف بصواريخ في 24 يوليو ـ قبل يوم واحد من انتقال القاعدة إلى قيادة عراقية بشكل كامل في حفل أُعلن عنه منذ فترة طويلة.

الرد الصحيح على التحرش غير الفتاك

إذا قُتل أي جندي أميركي أو رصدت السلطات جهود جديدة أو متقدمة بشكل خاص من قبل الميليشيات لقتل الأميركيين، فمن المؤكد أن يكون للرد الناشط والقوي ما يبرره. وكلما تصدر مثل هذه الردود، يجب أن تكون أقوى من الانتقام الضعيف الذي حصل في 13 مارس عندما ضربت القوات الأميركية مبان خالية مرتبطة بـ "كتائب حزب الله" بعد مقتل أميركييْن اثنين في التاجي.

ومع ذلك، فإن الخيارات الأميركية أقل وضوحا في ظروف أخرى، لذلك من المهم تقييم أنشطة المضايقة التي تقوم بها الميليشيات وترتيبها بشكل صحيح، والتمييز بين تلك التي تتطلب تحركا أميركيا طارئا وتلك الأقل أهمية. ويبدو النمط الحالي لهجمات المضايقة التي تقوم بها الميليشيات ضد الجنود الأميركيين غير مميت عن قصد، لدرجة أن الهجمات الصاروخية للميليشيات على المجمّعات العسكرية الكبيرة والتي "تهدف إلى تجنب" الإصابة بأهدافها، لها أمل ضئيل بأن تؤدي إلى قتل أميركيين أو إصابتهم بجروح خطيرة، [علما بأنه] لا يوجد جنود أميركيين في المواكب اللوجستية. ويمكن القول إن جعل هذا الشكل الواضح للخيارات العملياتية للميليشيات محصورا بهجمات غير فتاكة وأقرب إلى هجمات ترويجية دعائية ذات أثر محدود أو مزيفة، يُعتبر نجاحا للردع.

ومع ذلك، لا تزال هناك تكاليف تتعلق بعدم الردّ على مثل هذه الهجمات. أولا، هناك مخاطر متبقية للبعض منها تتمثل بإلحاق الضرر بالأميركيين، الأمر الذي قد يجر الولايات المتحدة والحكومة العراقية إلى أزمات غير مرغوب فيها. ثانيا، تُعتبر هجمات المضايقة منحدرا زلقا ـ فهي تعزز ثقة الميليشيات وتشجع على سلوك المخاطرة الذي يمكن أن تكون نتائجه مميتة (على سبيل المثال، إذا أسفرت العمليات التي تقوم بها الجماعات التي تطلق القذائف على الطائرات الأميركية عن إسقاط إحدى هذه الطائرات). 

ثالثا، تطرح هذه الهجمات خطرا أكبر حتى على حياة العراقيين، والمعدات، والبنية التحتية في البلاد. رابعا، حتى الهجمات غير الفتاكة تلحق الضرر بشرعية الحكومة العراقية في نظر المواطنين والشركاء الدوليين، الأمر الذي يحتمل أن يقوّض قدرة بغداد [على القيام بما تراه مناسبا] في الوقت الذي تحاول فيه كبح نفوذ الميليشيات في المطارات، ومراكز الحدود، والوكالات الحكومية العراقية عبر إصلاحات متميزة.

توصيات في مجال السياسة العامة

من أجل إحياء الدعوات لانسحاب عسكري أميركي كامل من العراق، قد تسعى الميليشيات على غرار "كتائب حزب الله" وشركاؤها في "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني إلى جرّ الولايات المتحدة إلى دورة انتقامية. وبالتالي، بينما لا يمكن لواشنطن أن تتجاهل حملة المضايقات الحالية، يجب ألا تبالغ في الوقت نفسه في ردّ فعلها.
 
وبشكل عام، يعني ذلك أنه يتعين على الولايات المتحدة الردّ مباشرة وبقوة على الهجمات المميتة، والطلب في الموازاة من الحكومة العراقية مواجهة هجمات المضايقة الأدنى مستوى. يجب أن تكون بغداد في الصدارة بصورة حازمة في هذه القضية الأخيرة، مع دعم واشنطن السري لها من خلال اتخاذ الإجراءات التالية:

• التعاون لضمان أمن المواكب. تتمتع الولايات المتحدة بخبرة لا مثيل لها في إدارة أنظمة المواكب على الطرق العراقية، لذا يمكنها بسرعة وسهولة توفير التخطيط لدعم مشغلي المواكب العراقيين وتدريبهم. فمنذ عام 2003 ولغاية 2011، عملت على تشغيل نظام يُسمّى "نسيج" (Tapestry) بالإضافة إلى مركز تنسيق باسم "مركز عمليات إعادة الإعمار"، الذي سمح بتعقب شامل وآمن للمواكب ومكّن قدرات قوة الرد السريع. ومن الممكن إحياء هذا النموذج على نطاق أضيق وينبغي القيام بذلك.

تُعتبر حادثة الاختطاف الأخيرة للناشطة الثقافية الألمانية الفنانة هيلا مويس  بمثابة تذكير على أن الميليشيات المدعومة من إيران قد تحاول الضغط على الولايات المتحدة من خلال اختطاف مواطنين أميركيين

استخبارات الأسلحة. على السلطات العراقية معالجة مسارح الجريمة، ومعدات العدو التي تمّ الاستيلاء عليها بأقل درجة من التدخل الأجنبي، والطريقة الأفضل للقيام بذلك هي عبر تدريب دولي مكثف للأخصائيين العراقيين في مجال استخبارات الأسلحة. فكل صاروخ وطائرة بدون طيار وفيديو وجهاز إلكتروني وموقع هجوم يتضمن بيانات متعلقة بتحليل الأدلة الجنائية يمكن إدخالها إلى نظام تحليل المقاييس الحيوية والأنماط، مما يوفر في النهاية أدلة صالحة لتقديمها في المحاكم، أو على الأقل محتوى لحملات علنية تفضح قادة الميليشيات المجرمين. كما يشكّل اللجوء إلى الاستشارات الجنائية الدولية وسيلة أخرى غير مكلفة لمساعدة الدولة على الإفصاح علنا عن مصدر الأسلحة المستخدمة في العراق.

البيانات التحذيرية. تتخذ الحكومة العراقية حاليا إجراءات وقائية لوقف الهجمات والتحقيق في الخلايا الإرهابية المعروفة. وبناء على ذلك، يتعين على الولايات المتحدة مشاركة البيانات التحذيرية بشأن الهجمات المحتملة من خلال خلية عمليات استخباراتية مشتركة تركز بشكل خاص على جماعات الميليشيات. وحتى إن لم يسفر مثل هذا التعاون دائما عن اعتقالات، فإن منع الهجمات قبل وقوعها أفضل بكثير من اعتراض صواريخ في الجو أو التفاوض حول إعادة الرهائن.

عمليات استخباراتية. في كل مرة تطلق فيها الميليشيات صاروخا أو تهاجم موكبا، يبرز احتمال أكبر بكثير بأنها ستلحق الضرر بمواطنين عراقيين أو ممتلكات عراقية وليس بالجنود أو الممتلكات الأميركية. وكان هذا هو الحال في التاجي هذا الأسبوع. وقد صنّفت الحكومة العراقية الهجوم بشكل صحيح على أنه اعتداء على ثلاثة أهداف عراقية: "السرب الخامس" لـ "فيلق طيران الجيش العراقي"؛ ومصنع للمدفعية والأسلحة تابع للجيش؛ و"السرب 201" التابع لـ "القوة الجوية العراقية". كما أشار المسؤولون إلى تدمير ممتلكات حكومية قيّمة وضرورية. 

وبالتالي، على الحكومة الأميركية تعزيز هذه الرسالة العراقية، واستنكار هجمات الميليشيات ضد الدولة ومواطنيها. يجب على واشنطن أيضا الاستعداد لاحتمال أن يحاول "الحرس الثوري" الإيراني مساعدة الميليشيات على تجنّب الأضرار الجانبية العراقية من خلال تزويدها بأسلحة أكثر دقة، على غرار مزيج الطائرات بدون طيار/المتفجرات التي تم اكتشافها في 22 يوليو.

المصدر: منتدى فكرة

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.