A handout picture provided by the Saudi Royal Palace shows  Saudi King Salman bin Abdulaziz (R) and Kuwaiti Emir Sheikh Sabah…
الملك السعودي وأمير الكويت خلال القمة الأربعين لمجلس التعاون الخليجي

في 22 أبريل، أجرى الرئيس الأميركي دونالد ترامب مكالمة هاتفية مع أمير قطر تميم بن حمد، الأمر الذي أثار تكهنات بشأن انفراج محتمل في الخلاف الدبلوماسي القائم منذ فترة طويلة بين قطر والدول الأعضاء في "مجلس التعاون الخليجي". 

ومع ذلك، على الرغم من مؤشرات التقارب هذه، فمن غير المرجح إلى حدّ كبير أن يعيد الطرفان العلاقات إلى ما كانت عليه قبل يونيو 2017، عندما قطعت البحرين والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ودول أخرى علاقاتها مع الدوحة وقدمت لها قائمة طويلة من المطالب الاقتصادية والسياسية والعسكرية. 

ولم تساهم السنوات التي تلت ذلك سوى في زيادة عدد النزاعات وحدتها بين دول "مجلس التعاون الخليجي"، بما في ذلك الطرفان المحايدان بشكل رسمي الكويت وسلطنة عُمان. 

وعلى هذا النحو، ليس من الحكمة الاستمرار في تعليق الآمال على أن تكون الضغوط الدولية أو التهديدات والمصالح المشتركة كافية لحل هذا الوضع أو توحيد دول "مجلس التعاون الخليجي" في أي وقت قريب ـ وفي الواقع، يبدو أن الخلاف يزداد سوءا. وإذا لم تقم الحكومات الأجنبية بإعادة تشكيل سياساتها لتناسب هذا الواقع، فقد تثبت جهودها بأنها غير مثمرة أو حتى تأتي بنتائج عكسية.

الانقسامات بين دول "مجلس التعاون الخليجي" موجودة لتبقى

إن أحد الأسباب التي تجعل الصدع الحالي يبدو غير قابل للإصلاح على المدى القريب هو انخراط الشعوب فيه بطرق غير مسبوقة. فبخلاف النزاعات السابقة في "مجلس التعاون الخليجي"، التي بقيت على مستوى القيادة، يتم تشجيع مواطني كل دولة بشكل ناشط على إلقاء الشتائم على خصومهم اليوم، حتى على الطبقة الحاكمة ـ وهو خط أحمر لم يتم تجاوزه من قبل. 

ويحظى قادة دول "مجلس التعاون الخليجي" بحماية دستورية من الانتقادات في بلادهم، ولكن يتم الآن تصويرهم على نطاق واسع بعبارات ازدراء من قبل المعلّقين في الدول المجاورة. على سبيل المثال، أصبح أحد مستخدمي تويتر الإماراتيين سيئ السمعة لنشره تعليقات مسيئة بشكل منتظم حول الأمير تميم ووالدته موزة، لدرجة أن بعض المعلقين السعوديين والإماراتيين نَصحوا بعدم اتباع هذا النهج.

أحد الأسباب التي تجعل الصدع الحالي يبدو غير قابل للإصلاح على المدى القريب هو انخراط الشعوب فيه بطرق غير مسبوقة

وفي الواقع، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ساحة المعركة الرئيسية للخلاف، حيث نشرت الحسابات (في هذه المواقع) أخبارا مزيّفة بينما تستخدم برامج الروبوت علامات تصنيف استفزازية لإنشاء مواضيع شائعة. 

ففي 4 مايو، على سبيل المثال، نشرت حسابات مرتبطة بالسعودية صورا ومقاطع فيديو تدّعي أن إطلاق نار مزعوم في قطر كان جزءا من انقلاب. وفي اليوم التالي، تكهنت حسابات مرتبطة بقطر بأن الملك السعودي قد توفّي. إن واقع تنظيم مثل هذه الحملات في كثير من الأحيان وعلى أعلى المستويات الحكومية يؤكد صعوبة حل الموقف.

وجنبا إلى جنب مع هذه التبادلات المريرة، ظهرت نوبات عارضة من النشاط الدبلوماسي الواعد بين الطرفين. ومع ذلك، فإن هذا التواصل الرسمي شيء روتيني ولا ينبغي تفسيره على أنه علامة على العلاقات الدافئة. 

على سبيل المثال، قبل بضعة أسابيع من اجتماع قمة "مجلس التعاون الخليجي" في الرياض في ديسمبر 2019، أفادت بعض التقارير أن وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني قام بزيارة سرية إلى السعودية، واستمرت المناقشات بين الحكومتين لمدة شهر. وبحلول موعد انعقاد مؤتمر القمة، كان من الواضح أنه لم يتم التوصل إلى اتفاق عندما رفض الأمير تميم المشاركة في المؤتمر وأرسل رئيس وزرائه عوضا عنه.

وفي الآونة الأخيرة، عقدت دول "مجلس التعاون الخليجي" سلسلة من المناقشات الافتراضية على مستوى أدنى فيما يتعلق بوباء كورونا: فقد اجتمع وزراء الصحة في 14 مارس، ووزراء العمل في 15 أبريل، بينما اجتمع وزراء المالية في 21 أبريل. 

وللوهلة الأولى، يبدو وكأن هذه الاجتماعات تشكل تقدما كبيرا بالنظر إلى أن وزير الصحة القطري مُنع من الحصول على تأشيرة لحضور اجتماع في السعودية بشأن الوباء في أواخر فبراير. ولكن على غرار المحادثات التي سبقت مؤتمر القمة، لا تبشّر هذه الاجتماعات على المستوى الأدنى إلا بقدر قليل من التقارب على نطاق أوسع.

الخلافات لا تقتصر على قطر

يميل الخلاف الرئيسي بين قطر والتحالف السعودي ـ الإماراتي ـ البحريني إلى الحصول على عناوين الأخبار، لكن دول "مجلس التعاون الخليجي" مليئة بالتصدّعات العميقة الأخرى. 

ففي سلطنة عُمان، يشعر القادة بالاستياء من الوجود العسكري السعودي المستمر في المهرة، المحافظة اليمنية التي تقع مباشرة على حدود السلطنة. علاوة على ذلك، في أبريل 2019، حكمت محكمة عُمانية على خمسة إماراتيين بالسجن بتهمة التجسس.

وفي الكويت، تبذل الحكومة قصارى جهدها للحفاظ على الحياد في النزاع، لكن الرياض وأبوظبي دفعاها مرارا وتكرارا لاتخاذ مواقف لصالحهما. والوضع صعب بشكل خاص على الكويت لأن البلاد تميل إلى إتاحة مساحة أكبر لحرية التعبير من الدول الأخرى في "مجلس التعاون الخليجي". وبالتالي، عندما يُعبّر المواطنون العاديون عن آراء تثير استياء أي من الجانبين، تواجه السلطات ضغوطا خارجية لإسكاتهم.

أما التصدّعات الأخرى بين دول "مجلس التعاون الخليجي" فهي إما حديثة أو مرتبطة بالديناميكيات الإقليمية التي تبدو حتمية. على سبيل المثال، في حين لا تزال السعودية والإمارات تبدوان حليفتين، إلا أنه برزت خلافات ملحوظة بينهما حول كيفية التعامل مع المشاكل المتزايدة في جنوب اليمن. 

وعلى نطاق أوسع، تتشعب نزاعات دول "مجلس التعاون الخليجي" وتتضاعف بحيث تتخطى قضايا الإسلام السياسي (التي اشتدت مع الانتفاضات العربية عام 2011) والأضرار الناتجة عن الأزمات السابقة (على سبيل المثال، تورط سعودي وإماراتي مزعوم في محاولة الانقلاب المضاد في قطر عام 1996). وقد أدّى صعود جيل جديد من القادة الخليجيين إلى تمكين الأمراء الشباب الذي يرغبون في التعبير عن استقلاليتهم عن بعضهم البعض، وسيقومون بذلك في ظل ظروف مختلفة عن تلك التي كانت سائدة عندما تم تشكيل "مجلس التعاون الخليجي" في عام 1981 ـ بما في ذلك التهديدات الوجودية الجديدة داخل دول "مجلس التعاون" التي لا يمكن تجاهلها.

التداعيات السياسية

حتى إذا أسفرت المناقشات الوزارية الخليجية الأخيرة والتواصل مع الولايات المتحدة عن عقد اجتماع افتراضي على مستوى عالٍ أو حل دبلوماسي أوسع نطاقا للصدع بين دول "مجلس التعاون الخليجي"، إلا أن أي اتفاق مماثل سيكون سطحيا ـ فقد تبقى جذور الصراع على ما هي عليه، مما يزيد من احتمال تجدد النزاعات في المستقبل. 

ففي النهاية، وقّعت السعودية وقطر اتفاقين دائمين على ما يبدو بعد المواجهات الدبلوماسية في 2013 و2014، ولكنهما انهارا، وزادت الخلافات التي سعيا إلى حلها. ولعل الأهم من ذلك أنه من غير المرجح أن تزول العداوة الشخصية المتزايدة بين أبرز قادة دول "مجلس التعاون الخليجي".

ومن هذا المنطلق، يمكن أن يوفّر أحد السيناريوهات حلا أشمل للنزاع، وهو: خلافة غير متوقعة للقيادة، وهي ما سعى كلّ خصم إلى التحريض عليها في البلدان المنافسة على مر السنين. 

ستحظى السياسة الأميركية في الخليج بفرصة أفضل بكثير لتحقيق ثمارها إذا تخلت عن مساعيها لرأب الصدع بين دول "مجلس التعاون الخليجي" وركزّت بشكل أكبر على العلاقات الثنائية مع كل دولة عضوة بصورة فردية

ومع ذلك، فإن هذه الخطوة بعيدة الاحتمال إلى حدّ كبير في الوقت الحاضر لأن القادة الشباب قد أحكموا قبضتهم على السلطة في أهم ثلاث عواصم: الأمير تميم في الدوحة، وولي العهد محمد بن سلمان في الرياض، وولي العهد محمد بن زايد في أبو ظبي. 

ويقينا، يعتقد السعوديون والإماراتيون أن شخصيتين أكبر سنا لا تزالان تتحكمان بشؤون الدولة في قطر، ويجب إلقاء اللوم عليهما حول العديد من المشاكل المستمرة: والد تميم، الشيخ حمد بن خليفة، ورئيس الوزراء السابق حمد بن جاسم. ومن وجهة نظر الرياض وأبوظبي، فإن وفاة أحد الرجلين يمكن أن تغيّر ديناميكيات النزاع ـ على الرغم من أن احتمال حدوث تغيير ملحوظ سيكون منخفضا للغاية.

وفي ضوء هذه الوقائع، ستحظى السياسة الأميركية في الخليج بفرصة أفضل بكثير لتحقيق ثمارها إذا تخلت عن مساعيها لرأب الصدع بين دول "مجلس التعاون الخليجي" وركزّت بشكل أكبر على العلاقات الثنائية مع كل دولة عضوة بصورة فردية. 

وبغض النظر عن كيفية تطوّر الأحداث في المنطقة أو ضعف عمل "مجلس التعاون الخليجي" كمؤسسة، تحرص الدول الأعضاء الست على الحفاظ على علاقات قوية مع الولايات المتحدة. وتعني هذه المقاربة صياغة السياسات أو تعديلها بطريقة تعتبر "مجلس التعاون الخليجي" المنقسم من المسلّمات ـ بما في ذلك الجهود المبذولة لإطلاق "التحالف الاستراتيجي للشرق الأوسط"، وهو إطار عمل اقترحته السعودية وتدعمه الولايات المتحدة ويتطلب تعاونا على مستوى دول "مجلس التعاون الخليجي" ككل من أجل العمل بالطريقة التي كانت متصورة أساسا في عام 2017. 

ومثل هذه التعديلات ستجعل الجهد العام لمواجهة إيران أكثر صعوبة، ولكن حتى التعاون منخفض المستوى بين دول "مجلس التعاون الخليجي" في هذا الصدد قد يكون مفيدا من خلال مشاركة أميركية حكيمة وواقعية.

An Iranian Sunni Kurd walks along a mountain in Ouraman Takht village in Kurdistan province, about 620 km (385 miles) west of…

لا يكاد أن يمر يوم واحد، دون أن تأتي المنظمات الحقوقية الكردية على خبر قنص قوات الأمن التركية أو أعضاء حرس الحدود الإيرانيين لواحد أو مجموعة من الكولبار الأكراد، على محاور الحدود بين البلدان الثلاثة، إيران تركيا والعراق. 

الكولبار هم الشبان الأكراد المنحدرون من القرى والبلدات الجبلية الوعرة، على أطراف المثلث الحدودي بين تلك الدول، من الذين يمتهنون حمل البضائع المهربة على ظهورهم، يعبرون بها الجغرافيات الوعرة على أطراف الحدود، من بلد إلى آخر، لصالح شبكات التجار والمهربين، المستقرين غالبا في واحدة من عواصم تلك الدول، والمرتبطين عضويا بمراكز القوة وأصحاب النفوذ داخل الأنظمة السياسية الحاكمة لهذه الدول.

المعطيات القليلة حول حياة الكولبار، تقول بأن أعدادهم تتجاوز عشرات الآلاف من الممتهنين، الموزعين على مئات المجموعات والفرق. حيث يتجمعون عادة في نقطة حدودية بعينها، يُحمل كل واحد منهم بقرابة مئة كيلوغرام من البضاعة المنوي نقلها إلى الطرف الآخر من الحدود. لكن، ولتجاوز نقاط المراقبة ومراكز حرس الحدود، فإنهم يسيرون في دروب وعرة للغاية، ولعدة أيام، حتى يوصلوا البضاعة إلى النقطة المتفق عليها، في الطرف الآخر من الحدود.

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء

يتقضى الكولبار أجورا زهيدة للغاية، لا تزيد عن عشرة دولارات ليوم العمل الواحد، والذي يعني السير لمدة أربعة وعشرين ساعة متواصلة في تلك المناطق الجبلية، التي تُعتبر من أكثر جغرافيات العالم وعورة. طوال تلك الرحلة يحمل الكولبار على ظهورهم قرابة مئة كيلوغرام من المهربات، يتحملون المسؤولية كاملة في حال تلفها أو سقوطها، وفوق ذلك مراقبة وملاحقة عشرات الآلاف من أعضاء الأجهزة الأمنية وحرس الحدود المتعاونين فيما بينهم تماما، المزودين بأحدث الأسلحة وأجهزة المراقبة، في ظلال أقسى الظروف الجوية، حيث تبقى تلك المنطقة مثلجة طوال تسعة أشهر من السنة.

تقول الأرقام الإحصائية القليلة حول الكولبار، والتي هي كلمة كردية تعني "حامل كل شيء"، تقول بأن قرابة 50 منهم يُغتالون سنويا على يد أجهزة الأمن وحرس الحدود الإيرانيين، وأقل منهم بقليل على يد نظرائهم الأتراك، فيما تتولى الطبيعية القاسية الفتك سنويا بقرابة عدد قريب منذ ذلك، فالمئات منهم ما يزالون في عِداد المفقودين، بالرغم من مرور سنوات على فقدان أثرهم في أعالي الجبال.

بعض الدراسات البحثية حولهم، أكدت بأن أغلبية واضحة منهم ذات تحصيل علمي عالي، من خريجي الجامعات والمعاهد العليا، ومن أبناء الطبقة الوسطى. لكن انتشار الفقر والبطالة وانعدام فرص العمل في مناطقهم ذات الأغلبية الكردية، يدفعهم إلى الاختيار بين واحد من خيارين قاسيين: أما النزوح نحو المدن الرئيسية، وبالتالي العيش في الهوامش والعشوائيات وامتهان العمالة الرخيصة وفقدان الروابط الاجتماعية والثقافية والوجدانية مع مناطقهم وثقافتهم ولغتهم الكردية. أو امتهان حرفة الكولبار، بكل فظاعاتها.

♦♦♦

الكولبار استعارة كُبرى ومعبرة عن أحوال الأكراد وشقاء عيشهم في هذه البلدان، التي تختلف أنظمتها السياسية والاقتصادية والثقافية على كل شيء، لكنها تتفق على "عدو" وظيفي واحد فحسب، يتمثل في قمع الأكراد وتطلعاتهم القومية. 

هذه الديناميكية التي كانت، وما تزال، تجري بيُسر بالغ منذ قرابة قرن وحتى والآن. أي منذ أن خسرت الإمبراطوريتان الفارسية والعثمانية "أمجادها" العتيدة، بعد الحرب العالمية الأولى، وصارتا محصورتين في حقائق الدولة "الحديثة"، المتواضعة في قدرتها وهيبتها؛ لكن المتطلعة والمنتمية لخيالات الإمبراطورية التي كانت. الخيالات المكبوتة في الذاكرة والأنا الجمعية الجريحة.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا

طوال هذا التاريخ المديد، وجدت الدولتان/الإمبراطوريتان في حكم الكرد كتعويض رمزي لذلك الجرح النرجسي، يمارسون ويفرغون في الكرد آلامهم تلك، يثبتون لأنفسهم يوما بعد الآخر، عبر حُكم وكبح الأكراد، بأنهم ما يزالون يحتفظون بشيء تاريخ الهيمنة الإمبراطورية الذي كانوا عليه.

حراس الحدود وأعضاء الأجهزة الأمنية على طرفي الحدود في تلك المنطقة، الذين يلاحقون ويستهدفون ويقنصون يوميا أفراد الكولبار، المساكين العُزل، والذين يتحملون كل تلك القسوة، فقط في سبيل تأمين الحد الأدنى من رمق الحياة لهم ولعائلاتهم، حرس الحدود هؤلاء، يمثلون صورة مُصغرة لنمط العلاقة الرهيبة بين الأكراد وتلك الدول. إذ ثمة طرف مسلح بكل أشكال القوة، بما في ذلك أوهام حماية القانون والسلطة الشرعية وحرمة الحدود الوطنية، يواجهون بشراسة مطلقة مجموعة من الأناس المتخمين بكل أشكال الهوان والضعف والهشاشة، من الذين يقبلون مواجهة مصائر بالغة القسوة والبؤس، فقط لتأمين أبسط أشكال الحياة، وعدم الاضطرار للهجرة والترك الجماعي لمناطقهم ولغتهم وهويتهم القومية.

♦♦♦

كما الشقاء الكردي في هاتين الدولتين، لا يملك الكولبار أية حقوق أو قوة أو سلطة قط، هم عُزل من كل شيء. ليس لهم تنظيم مهني أو نقابي يستطيع أن يؤطر مهنتهم ويشرعنها ويدافع عن حقوق أفرادها. وطبعا ليس من جهة سياسية تتجرأ على الدفاع عنهم، فهم في أعين وأعراف السلطات المركزية الحاكمة لتلك البلدان مجرد خارجين عن القانون، يمكن فعل أي شيء بحقهم، دون أي رادع قط. 

إذ لا يحق لذوي الضحايا منهم حتى مقاضاة الفاعلين، حتى لو أثبت لهم بأن عمليات الاغتيال جرت بدافع ممارسة السادية العسكرية أو الفاشية القومية، كما يحدث في مرات لا تُحصى. 

فالكولبار مشابهون لعشرات الآلاف من الشبان الآخرين من أبناء جلدتهم، من المتمردين السياسيين والعسكريين على سياسات تلك الدول، المُعتبرون في عرف وقوانين الدولتين مجرد "إرهابيين"، تطالهم أحكام الإعدام أو السجن المؤبد. حيث أجهزة القضاء في ذلك البلدين، إنما هي الشكل "المثقف" و"الأملس" لنفس أفعال ونتائج أعضاء حرس الحدود.

صحيح أن جزءا وفيرا من محنة الكولبار متأتية من طبيعة الأنظمة السياسية والاقتصادية في ذلك البلدين، كدولتين شموليتين سياسيا وذات أنظمة مركزية تمتهن الفساد والنهب العام اقتصاديا؛ لكن أحوالهم، وبالإضافة لتلك الأسباب، هي النتيجة الطبيعية لتراكم سياسيات أمنية واقتصادية طويلة الأمد، طالت المناطق الكردية لعقود، من فرض لحالات الطوارئ الخاصة وشبه الدائمة في تلك المناطق، وحرمانها من أية استثمارات أو تنمية اقتصادية، بالذات في التعليم والبنية التحتية وحق أبنائها في الشعور الدائم بالأمان والمشاركة الفعالة الحياة العامة. أي أن تعاسة الكولبار وعائلاتهم وأبناء مناطقهم متأتية من كونهم أكرادا، عانوا من تراكم أشكال التمييز والنبذ والحرمان من الحقوق الطبيعية، منذ قرن وحتى الآن.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين

ليس الكولبار قضية لأحد، وأيضا كما الأكراد في ذلك البلدين. إذ ليس للكولبار من دول أو أحزاب أو جيوش أو منظمات تدافع عنهم، تراكم أدوات الدفاع السياسي والأيديولوجي والخطابي عنهم، لتصبح تفاصيل حيواتهم البائسة بالتقادم قضية عامة ومسألة سياسية.

لا يحدث ذلك حتى في المؤسسات والمتن العام لتلك البلدان. فالكولبار مثل ذويهم الكرد تماما، متروكون لمواجهة مصائرهم وحيدين، مصائرهم التي تكاد أن تكون قصة قتل معلنة، دائمة ورتيبة. وكأنها، بالرغم من كل غرائبيتها وعنفها وقسوتها، وكأنها الشكل البديهي والمطلق للعلاقة بينهم وبين الحاكمين. حتى بعض المواد الفنية والثقافية التي تنتجها مؤسسات أجنبية ما حول حيواتهم التعيسة، فإنها تنتمي لذلك العالم من المنتجات الاستشراقية، التي يقودها حس دفين باستكشاف حديقة العالم الأنثروبولوجيا، لمنطقة ومجتمعات قصية ومعذبة، لم تصلها أدوات ومنتجات الحداثة، بما في ذلك الحق البديهي في الحياة الكريمة.

الأكثر ألما ودلالة، أن كامل الأرباح المادية المتأتية من نشاط شبكات الكولبار الكثيرة، إنما تصل في المحصلة لجيوب مئات النافذين، من كبار التجار/المهربين، المرتبطين بمراكز القوى السياسية والأمنية والسلطوية في تلك البلدان. أي أن محصلة مجهود وعذبات أبناء الكولبار، إنما تذهب للجهة التي تؤسس وتعزز من عذاباتهم.

لا يملك الكولبار أية ميزة أو قيمة مضافة، كما أكراد بلادهم بالضبط، خلا أنهم يعرفون دروب بلادهم جيدا، أكثر من الآخرين بكثير، يعرفون بلادهم بكل وعورتها وقسوتها، وفوق ذلك يرفضون هجرتها وتركها للآخرين، وربما لأجل ذلك بالضبط يُعاقبون، بكل تلك القسوة، وكل تلك الرتابة، منذ قرن وحتى الآن.