سارة عصام (الصورة من حسابها على موقع انستغرام) | Source: Instagram

سارة عصام، صاحبة الحذاء الذهبي، اسم يتوقع أن يتردد صداه كثيرا في السنوات القادمة في الفضاء الإعلامي العالمي، كبطلة جديدة خطفت الإعجاب بخطوتها الملفتة، كأول لاعبة كرة قدم تصل إلى الاحتراف مع أحد نوادي الإنكليزية العريقة.

السيرة الذاتية المتداولة إعلاميا الخاصة بالمصرية سارة، تبدو كأنموذج مبشر لسيرة ذاتية نسوية عربية. فالشابة التي منحها الجمهور الإنكليزي لقب الملكة الفرعونية، تماهيا مع جداتها الفرعونيات ذوات الشخصيات القوية، تمكنت في زمن قصير من تحقيق منجز متكامل، أو ما يمكن توصيفه رمزيا، اختراق ركلاتها الناجحة لشباك حزمة من التابوهات والتحديات التي تقف في وجه الفتيات والنساء العربيات تقليديا.

نجاح تحقق عبر تمكنها بداية في نسج علاقة ندية مع شقيقها اللطيف مصطفى الذي ساعدها في تحقيق حلمها والمشاركة في لعبة تخصه، وتمكنها من إقناع أسرتها بهوايتها غير التقليدية، وصولا إلى اجتهادها وحصولها لاحقا على شهادة عليا في الهندسة المدنية من جامعة ديربي البريطانية، جنبا إلى جنب استمرارها بالتدرب ثم الاحتراف.

السيرة الذاتية المتداولة إعلاميا الخاصة بالمصرية سارة، تبدو كأنموذج مبشر لسيرة ذاتية نسوية عربية

من الطبيعي أن يبدو منجز سارة في عشقها لكرة القدم ثم احترافها منجزا استثنائيا، إذ أنيطت هذه اللعبة منذ نشأتها بالذكور من كل الأعمار، وحصرت متعة ارتياد مبارياتها بجمهور ذكوري، وإلى زمن ليس ببعيد، كانت متابعة المباريات المثيرة عبر شاشات التلفزيون في المنزل، طقس مزعج وثقيل الظل لإناث الأسرة، اللاتي يتنحين جانبا لتحضير التسالي من الطعام لذكور العائلة، الذين يثيرون الضجيج وهم يتابعون بحماس وقائع المباراة الصاخبة.

تبدل هذا المشهد منذ ما يقارب العقدين من الزمن، ولوحظ بوضوح التحول الحديث والاهتمام والمشاركة النسوية في متابعة المباريات، وبشكل خاص متابعتهن للمباريات المثيرة الخاصة بالنوادي العالمية الكبرى، وتشجيعهن لأحد الفرق بصخب وحماس، في الملاعب، أو عبر الشاشات العملاقة، والتفاخر بارتداء تي-شيرت طبعت عليها صورة نجم الفريق المفضل، ورفع علم البلد الذي ينتمي إليه فريقهن المفضل، ثم المشاركة لاحقا في حفلات السيارات الهوجاء التي تخرج للشوارع مبتهجة بانتصار هذا الفريق أو ذاك.

كمرادف لهذا التحول الحديث، سنشهد تحولا أكثر فعالية، وعدم اكتفاء الاناث بلعب دور المتفرج، بل اقتحام ملاعب الذكور كمشاركات للعبة كرة القدم أو غيرها، وهي لعبة تعتبر واحدة من الرياضات الخشنة، التي قد تتسبب ليس بكسور صعبة لأجزاء من الهيكل العظمي النسائي الأضعف بنيويا عن الذكر فقط، بل يحتمل أن تتسبب بأضرار جسيمة على مستقبل الفتاة الإنجابي، أو احتمالية أن تفقد عذريتها بسببها.

عند هذه النقطة تحديدا التي يحتمل أن يتعرض فيها غشاء البكارة لتلف جزئي أو كامل، تكمن كل الأسباب التاريخية التقليدية لمنع الفتيات من اللعب برياضات مختلفة، مثل كرة القدم، وبعض الرياضات الكروية الخشنة الأخرى، والسباحة والغطس، والجمباز وبعض ألعاب القوى، ورفع الأثقال، والمصارعة والملاكمة، ورياضات الدفاع عن النفس، والقفز بالحبل، وتعلم الفروسية، وركوب المرجوحة أو الدراجة الهوائية.

كل هذه الألعاب من الرياضات كانت تعني من وجهة نظر المجتمع "صبينة" الفتاة، أو اختلاطها اللاأخلاقي بالصبيان، أو احتمال تعرضها لضربة غير مقصودة أو سقوطها، واحتمال حدوث الكارثة المتمثلة بفقدان العذرية، بما تعنيه من حساسية اجتماعية في معظم دول العالم لارتباطها بمعنى الشرف الذي تقطع لأجله الرؤوس وتسفك الدماء.

لتجنب خطر ما تقدم، انحصرت تاريخيا ألعاب البنات بالدمية التي تتدرب معها على طقوس الأمومة القادمة، وتعليم حياكة ثياب الدمية استعدادا لحياكة ملابس الزوج وأطفال المستقبل. مع إجبار الطفلة على الوقوف إلى يمين أمها عند المجلى، وتعلم أسرار المطبخ وكافة شؤون التنظيف، استعدادا لخدمة ذكور العائلة ومن ثم زوجها وسلسلة من الأطفال والأحفاد.

وفي بعض الاستثناءات الرحيمة، سمح للفتاة بعض التسلية واللعب مع إناث الأسرة، وتعلم ألعاب تشبه مبدأ لعبة الشطرنج، أو لعبة النرد، مثل ألعاب البرجيس والداما، دون أن ينتبه أحد أن هذه الألعاب هي ألعاب ذكاء، نمّت مع الوقت الفطنة النسوية، وقوّت في غفلة عن الجميع، مقدرتهن على التخطيط والتكتيك. وفيما كان الصبيان ينمون عضلاتهم ويلهون ويلعبون ما طاب لهم، كانت الإناث يقوين مقدراتهن العقلية وذكائهن، الذي قادهن لاحقا إلى مكتسبات وحقوق التعلم ثم العمل، وصولا إلى مراكز القيادة في مجالات العصر الحديث.

لتجنب خطر ما تقدم، انحصرت تاريخيا ألعاب البنات بالدمية التي تتدرب معها على طقوس الأمومة القادمة

جميع الألعاب الخاصة بالرياضات الناعمة أو الخشنة المعروفة، اقتحمتها نسبة جيدة من فتيات ونساء العصر بشجاعة ملفتة اليوم كنتيجة متممة لحقوقهن التي ناضلن لأجلها، وباتت معظم الإناث العصريات هاويات لواحدة من أنواع الرياضة كتوجه صحي للمحافظة على الرشاقة، أو كهواية تقود للاحتراف لاحقا، بعد أن فرضت الرياضة في المدراس كحصة إلزامية للجنسين، وبات مشهد الفتيات فوق الدراجات الهوائية، بما فيهن المحافظات، مشهدا اعتياديا في شوارع المدن.

فهل زالت أو تبدلت المخاوف التقليدية الخاصة بالعفّة؟

بالتأكيد لم ولن تتبدل هذه الحساسية الاجتماعية الراسخة، ما تبدل هو ازدياد الوعي العام وارتفاع نسبة مبشرة من الأهالي المتعلمين، والثقة التي تمنح للبنت بضرورة احتراسها الذاتي واحترامها وتقديرها لما يعنيه الشرف اجتماعيا، حيث يحتمل أن تفقد الفتاة عذريتها نتيجة حوادث وأسباب مختلفة أخرى، مثل سقوطها من أعلى السلم وهي تنظف جدران وسقف المنزل، أو تزحلقها من أعلى الدرج وهي تشطف، أو جراء عنف جسدي يمارسه ضدها أحد ذكور العائلة، ممن ما زالوا يتعاملون مع الأنثى بصفتها كرة تُركل متى شاءت الذكورة وغضبت الفحولة.