Iraqi Prime Minister Mustafa al-Kadhimi speaks to the journalists at Iraq-Iran border crossing of Mandali in northern province…
عارضت "كتائب حزب الله" وميليشيات أخرى تدعمها إيران علنا تسمية الكاظمي لرئاسة الحكومة

"فيما يلي القسم الأول من المرصد السياسي المكون من جزئين حول دعم الإدارة الجديدة لرئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في مواجهة التحديات الملحة. وسيركز الجزء الثاني على الاتصالات الحكومية والقدرات الإعلامية".

تتعرّض الحكومة العراقية حاليا لهجماتٍ شبه يومية تقوم بها الميليشيات الإجرامية أمثال "كتائب حزب الله". ويشكل اغتيال الخبير هشام الهاشمي في 6 يوليو أحدث حلقة في سلسلة من الأحداث التي تظهر عجز الحكومة عن حماية نفسها في قلب بغداد ـ وهو وضع غير مستدام سيؤدي إلى تدهور سريع في قدرة الدولة إن لم يتم إيقافه. لكن لحسن الحظ، هناك بعض الإصلاحات التكتيكية السريعة وغير المكلفة [التي ما زالت] ضمن قدرات العراق وشركائه الدوليين [والتي يجب القيام بها للحفاظ على حكومة الكاظمي الحالية].

التعرض لترهيب الميليشيات

عارضت "كتائب حزب الله" وميليشيات أخرى تدعمها إيران علنا تسمية الكاظمي لرئاسة الحكومة، ولا تزال معارضتها الصريحة له مستمرة حتى اليوم. على سبيل المثال، بعد الإفراج مؤخرا عن عناصر من "كتائب حزب الله" مرتبطة بهجمات صاروخية مخطط لها، قامت تلك العناصر باستعراض أنفسها وهي تدوس على صور رئيس الوزراء ـ على الرغم من كونها عناصر رسمية وناشطة في القوات المسلحة العراقية، الأمر الذي يجعل الكاظمي قائدها العام. 

وفي 26 يونيو، وجّه المسؤول الأمني لـ "كتائب حزب الله"، أبو علي العسكري، تحذيرا علنيا إلى الكاظمي بالتوقف عن عرقلة الأنشطة الإرهابية [التي تقوم بها "الكتائب"] ضد الأهداف الأميركية، وهي نقطة رددها بعد ذلك قيس الخزعلي، قائد ميليشيا "عصائب أهل الحق" ذات التفكير المماثل. والأسوأ من ذلك، استُكملت هذه الميول بتهديدات أمنية ملموسة لن يتم قبولها في أي مجتمع متقدّم:

يجب على حكومة بغداد أن تفكر أيضا في جمع بعض المسؤولين والقضاة في أماكن سكنية أكثر أمانا

• الاغتيالات: لا يمكن فعليا اعتبار مقتل الهاشمي على يد مجموعة من عناصر "كتائب حزب الله" وحلفائها بالعمل الفريد من نوعه ـ فقد قُتل أيضا العديد من الأكاديميين الآخرين، ونشطاء المجتمع المدني، والشخصيات الاجتماعية المنتقدة للميليشيات. ولم يكن الهاشمي ضمن دائرة المستشارين الرسميين المقرّبين من الكاظمي ولكنه كان عند أطرافها، مما يؤكد التهديد الذي يواجهه أولئك الذين يقدمون المشورة أو الخدمة للحكومة.

• المضايقات والاعتقالات: اعتقلت الميليشيات مئات المتظاهرين بصورة غير قانونية بعد بدء المظاهرات الحاشدة في أكتوبر 2019. وحتى أن الميليشيات ترصّدت لأعلى القيادات في البلاد، بمن فيهم الكاظمي نفسه عندما كان رئيسا لـ "جهاز المخابرات الوطني" العراقي. وفي آخر استعراضات القوة التي قام بها تنظيم "كتائب حزب الله"، عمد موكب تابع له مؤلف من ثلاثين آلية مجهزة بمدافع رشاشة ثقيلة ومدافع مضادة للطائرات من عيار 23 ملم بالتطواف حول "المنطقة الدولية" في 26 يونيو، مرورا بمقر إقامة الكاظمي وأماكن مهمة أخرى.

• الاستبعاد عن المرافق الرئيسية: يتعذّر على المسؤولين العراقيين استخدام مقر رئيس الوزراء بأمان بسبب وجود عناصر من "كتائب حزب الله" في المباني والمجمّعات القريبة التي سيطرت عليها الميليشيات. حتى أن القصر الجمهوري، الذي يُفترض أن يستقبل فيه رئيس الوزراء الزوار الرسميين للبلاد، غير آمن للسبب نفسه. وإجمالا، تشغل "كتائب حزب الله" ومليشيات أخرى 22 عقارا رئيسيا داخل المركز الحكومي، ولديها ما بين 2000 إلى 5000 مسلح هناك. وبالمثل، أثبتت منشآت أخرى في "المنطقة الدولية" أنها لم تكن آمنة في الماضي ـ فقد نَهبت رموز تابعة لجماعة مقتدى الصدر مجلس النواب في مايو 2016، وكانت المليشيات حرة في إقامة معسكرات لها خارج السفارة الأميركية ومهاجمة محيطها الخارجي في ديسمبر الماضي.

حماية المسؤولين العراقيين

يعيش العديد من المسؤولين والمستشارين العراقيين في أماكن غير آمنة ويفتقرون إلى أدنى مقومات ومعدات الحماية الشخصية. ومن المؤسف أنه كان من الممكن أن يبقى الهاشمي على قيد الحياة في الهجوم الذي تعرّض له يوم 6 يوليو، لو كان وضعه الأمني مختلفا بعض الشيء ـ لو كان يتمتع بمهارات القيادة الدفاعية أو كان بإمكانه الاعتماد على شخص يتمتع بتلك المهارات، أو إذا كانت نافذة سيارته وبابها مقاومَين للرصاص، أو إذا كان المستجيب الطبي الأول متواجدا في موقع الحادثة، وما إلى ذلك.

والواقع أنه من السهل على قدرات "مكتب الأمن الدبلوماسي الأميركي" أن تساعد بغداد على حماية المسؤولين العراقيين، لا سيما أولئك الذين ليس لديهم بالفعل مفرزة أمنية شخصية. وتستطيع الحكومة الأميركية، بناءً على طلب العراق، أن تقدّم له على الفور وبتكلفة قليلة وبالتشارك مع المخابرات العراقية وقوات مكافحة الإرهاب بعضا من أدوات الدعم التالية:

  • التدريب على الوعي الأمني، بما في ذلك المراقبة المضادة
  • تدريب السائقين العاملين لدى الحكومة
  • التدريب الأساسي المنقذ للحياة لمساعدة السائقين والمسؤولين في الحفاظ على أنفسهم أو الآخرين على قيد الحياة إلى حين وصولهم إلى المستشفى
  • السترات الواقية من الرصاص
  • توفير معدات تحصين السيارات الشخصية بأدوات بسيطة كالملحقات المصفّحة للأبواب، والزجاج المسطّح الصفائحي المقاوم للرصاص عند النوافذ، والإطارات التي يمكنها السير مفرغة من الهواء
  • أنظمة الكاميرات اللاسلكية للوحة القيادة في السيارات والمداخل/الأبواب
  • إقامة مناطق آمنة

على الرغم من وجود الميليشيات بشكل كبير داخل المركز الحكومي، إلا أنها ليست في كل مكان. وقد يكون أحد الخيارات هو إقامة "مناطق خضراء صغيرة" عن طريق إغلاق الشوارع، ولكن ذلك قد يتعارض مع الاتجاه الحالي المتمثل في فتح الطرق وتجنب الحواجز الدائمة أمام حركة المرور.

وبناءً على ذلك، يجب على الحكومة الأميركية مساعدة بغداد على تركيب نظام حواجز هيدروليكية ذات آلية تحكّم مركزية في "المنطقة الدولية" (أي أعمدة خرسانية ترتفع من تجاويف في الأرض)، ولطالما استُخدمت مقاربة "الطوق الفولاذي" في عواصم العالم كوسيلة سريعة لمنع دخول المركبات الآلية في الحالات الطارئة. وطالما يتم تشغيلها عن بُعد، فستشكل تحديا تكتيكيا كبيرا أمام تحركات الميليشيات داخل المركز الحكومي وستقلّص الخطر على حرّاس الحواجز الضعيفة. كما أن تركيب هذه الحواجز الهيدروليكية سريع وقليل الكلفة، طالما لا تُمعن الحكومتان الأميركية والعراقية في تعقيد الأمور.

يجب على [حكومة] بغداد أن تفكر أيضا في جمع بعض المسؤولين والقضاة في أماكن سكنية أكثر أمانا. وأحد الخيارات المتاحة في هذا الشأن هو "بيت ضيافة" رئيس الوزراء، وهو عبارة عن فندق حكومي قليل الاستعمال يحتوي على ثمانية وخمسين غرفة، من بينها أربعة عشر جناحا وجناحان رئاسيّان. وتُستخدم هذه المنشأة بالفعل لإيواء بعض المسؤولين الذين لا يملكون أماكن إقامة شخصية في العاصمة، على الرغم من ضرورة تشديد شروط الدخول إليها إذا تم إيواء المزيد من المسؤولين فيها (بإمكان الجهات الفاعلة في الميليشيات الدخول إليها بسهولة تامة في الوقت الحالي). وثمة أماكن أخرى يمكن استعمالها بكل سهولة بدلا من الفندق أو بالإضافة إليه.

استرداد المركز الحكومي

في الوقت الحالي، يتم حماية المركز الحكومي من قبل فرقة "القوات الخاصة للمنطقة الدولية" (اللواءين 56 و57)، وهي وحدة في الجيش العراقي تعمل تحت قيادة "مركز العمليات الوطني" التابع لرئيس الوزراء. ولكن هذه الوحدة لا تشكل "قوات خاصة" إلا بالاسم، على الرغم من اقتصار مهمتها الرئيسية في السنوات الأخيرة على تجهيز حواجز التفتيش بالعناصر، ولذلك هناك دافع قوي لاستبدالها بوحدات قتالية متمرّسة بحاجة إلى الراحة من قتالها على الجبهات الأمامية ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" ("داعش"). 

وقد يتم أيضا تعزيز هذه الوحدة المتجددة بوحدة للرد السريع مفروزة من "جهاز مكافحة الإرهاب"؛ ويمكن لهذا "الجهاز" أن يقوم بعد ذلك بإجراء تمارين منتظمة يتم فيها نشر تعزيزات إضافية من قاعدته في "مطار بغداد الدولي" إلى المركز الحكومي، وبذلك يوجّه رسالة قوية إلى الميليشيات ويقلّل حساسيتها تجاه هذه التحركات.

في هذا السياق، يستطيع الجيش الأميركي تزويد وحدة الرد السريع التابعة لـ "جهاز مكافحة الإرهاب" بعددٍ صغير من المركبات القتالية المدرّعة الخفيفة والمجهّزة بالمدافع أو بأنظمة مماثلة، يتم توفيرها دون أي تكلفة باعتبارها أصنافا دفاعية إضافية. وسوف يكون لهذه المركبات قيمة رمزية وتكتيكية كبيرة لأنها تتفوق على أي مركبة من مركبات الميليشيات. كما سيكون من الأسهل صيانتها واستخدامها من المركبات المجنزرة (الدبابات وناقلات الأفراد) الموجودة حاليا في المركز الحكومي، والتي نادرا ما تتحرك ولم تعد لها قوة رادعة.

يتعذّر على المسؤولين العراقيين استخدام مقر رئيس الوزراء بأمان بسبب وجود عناصر من "كتائب حزب الله" في المباني والمجمّعات القريبة التي سيطرت عليها الميليشيات

وعلى المدى الطويل، يجب تطهير المركز الحكومي من جميع القوات المسلحة التي لا تقع تحت السيطرة العملياتية المباشرة لـ مركز العمليات الوطني"، علما بأنه سبق وأن اتخذت الحكومة هذه الخطوة في الماضي (وإن كان ذلك بنوايا أقل نبيلة) خلال عهد رئيس الوزراء نوري المالكي. 

وتتمثل إحدى المقاربات التي يمكن اتباعها هنا في تعيين "«قيصر» للمركز الحكومي" يتولى جرد كافة الممتلكات والأسلحة المتواجدة داخل "المنطقة الدولية"، ثم العمل تدريجيا على تقليص عدد الميليشيات التي تقبع بشكل غير قانوني في المساكن الحكومية، بالإضافة إلى عدد الأسلحة الموجودة هناك وأنواعها. ويمكن وضع قواعد جديدة لبطاقات وشروط الدخول. وليست هذه المهمة صعبة ـ فقد سبق اتخاذها في الماضي، أما الابتكارات، مثل الحواجز الهيدروليكية، فستجعل العملية اليوم أكثر ذكاءً.

مبادئ للسياسة الأميركية

يجب على واشنطن أن تستبق الأمور بتذكير حكومة الكاظمي بأن "اتفاقية الإطار الاستراتيجي" بين الولايات المتحدة والعراق تهدف إلى مساعدة البلاد على الدفاع عن نفسها ضد جميع التهديدات وليس فقط ضد تنظيم "الدولة الإسلامية". وعلى الرغم من أن "مجموعة المستشارين العسكريين" ـ التي تشارك فيها ثلاث عشرة دولة ـ متواجدة في العراق لأغراض الحملة ضد تنظيم "الدولة الإسلامية"، إلا أن لدى السفارة الأميركية مهمةً أوسع تشمل مكافحة الإرهاب، والتعاون الاستخباراتي، وإصلاح القطاع الأمني، وتقديم المعدات العسكرية الأميركية من خلال مبيعات [الأسلحة] الدفاعية والتحويلات بدون كلفة. 

وفي هذا الإطار، تشكل أجهزة الاستخبارات في كلا البلدين قناةً أخرى للتعاون كما هو محدّد في الفصل 50 من القانون الأميركي. وستوفّر أي من هذه القنوات المقتصرة على الولايات المتحدة وغير التابعة لـ "مجموعة المستشارين العسكريين" آليات كافية لدعم جهود الحكومة العراقية لحماية نفسها بصمت (أو بشكل صارخ).

لدى الولايات المتحدة لائحة طويلة من الخطوات وهي تحض بغداد باستمرار على القيام بها، ولكن كما تظهر الأحداث الأخيرة، فإن العراقيين هم عادةً من يدفعون الثمن ـ وغالبا ما يكون ذلك حياتهم. يجب أن تكون واشنطن أكثر استباقية في طرح أفكار لتعزيز الحماية، إلى جانب المساعدة الملموسة مثل الاستخبارات التحذيرية والتدريب والعتاد. إن أيّ عملٍ لا يرقى إلى هذا المستوى سيدعو حكومة الكاظمي إلى التخلي عن الأمل في كبح الميليشيات، والانهيار ببطء ـ مسؤول واحد بعد الآخر ـ في ظل الإرهاب القاتل.

المصدر: منتدى فكرة

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.