FILE PHOTO: FILE PHOTO: The logo of Facebook is seen in Davos, Switzerland Januar 20, 2020. Picture taken January 20, 2020…
أخطاء زوكربيرغ أعقبها استقالات داخل فيسبوك واعتصام شكلي لموظفي الشركة، وحملة المقاطعة تزيد من هذه الضغوط خصوصا في حال الفشل في الوصول إلى تسوية حول قضايا العنصرية والتمييز

حملة مقاطعة اقتصادية انطلقت في الولايات المتحدة ضد موقع التواصل الاجتماعي الأضخم "فيسبوك" ومؤسسه مارك زوكربيرغ وهي تهدد، حتى قبل سحب الإعلانات، أسهم الشركة ومستويات ربحها في العام الحالي.

المقاطعة التي أطلقتها ست مجموعات حقوقية ومناهضة للتمييز في الولايات المتحدة هذا الشهر، استقطبت حتى الساعة أكثر من 60 شركة احتجاجا على طريقة تعاطي فيسبوك مع قضايا العنصرية، ومنشورات الكراهية والتضليل على الموقع. 

المنظمات التي أطلقت الحملة تشمل تحالفا واسعا يضم "أي. دي. أل" التي تحارب التمييز ومعاداة السامية، و"أن. أي. أي. سي. بي" ضد التمييز العرقي والعنصري وغيرهما. هذه المنظمات تحاول منذ خمسة أعوام، كما قالت في بيانها، التفاوض مع فيسبوك لتحسين إجراءات منع الكراهية وكبح التضليل، من دون جدوى.

وهي اختارت البناء على زخم موجة مكافحة العنصرية في أميركا بعد مقتل جورج فلويد، وأخطاء زوكربيرغ في التعاطي مع الموجة، للمضي بحملة تهدف لمقاطعة "فيسبوك" في شهر يوليو وسحب الإعلانات إلى حين تعديل الشركة لسياسات النشر ومكافحة التضليل على فيسبوك وانستغرام.

المطلوب اليوم من شركات المقاطعة ليس إغراق فيسبوك بل إصلاح مضمونه وإيجاد آليات لحماية المعلومات وإعطاء الأولوية للمصداقية على الربح

حجم الدعم الذي لاقته الحملة تاريخي ويقلق فيسبوك. فبين عملاقة الاتصالات الأميركية "فيريزون" وشركة إعلانات "غودباي سيلفرستين" التي تمثل "بي. أم. دبليو" و"بيبسي" وشركات أخرى، وشركات استهلاكية ضخمة مثل "بن أند جيريز" و"باتاغونيا" و"نورث فايس"، يواجه زوكربيرغ اليوم أزمة في الشارع الأميركي تضعه في وسط الانقسام السياسي وترفع الكلفة الاقتصادية. فأسهم فيسبوك انخفضت اليوم بنسبة 2 في المئة، فيما الربح من الإعلانات متوقع أن ينخفض بنسبة ملحوظة هذا العام عن العام الفائت بحسب شبكة "أن. بي. سي".

فما هي خلفيات المقاطعة ولماذا النقمة على فيسبوك؟

الأزمة اليوم تصور فيسبوك وزكوربيرغ وكأنه أقرب للرئيس الجمهوري دونالد ترامب ومعسكر اليمين في الولايات المتحدة، إنما حقيقة بدايتها كانت قبل وصول ترامب الحكم وشتى أخطاء للشركة في مضمون الموقع. فالسماح بالإعلانات السياسية من الخارج، وعدم وجود ـ في البداية ـ أي نوع من الإشراف والمراقبة على منشورات نازية ومليئة بالكراهية، أسقط فيسبوك في شباك فضائح خارجية وشركات تسرق المعلومات الشخصية مثل "كامبريدج أناليتيكا". هذه الفضائح لم تردع "فيسبوك" الذي استمر في التوسع وامتلك "واتساب" في العام 2014 بعد شراء "انستغرام" في العام 2012.

انتهز زوكربيرغ صعود ترامب في العام 2016 ليسجل نقاطا مع اليمين الأميركي وليرد على انتقادات اليسار، وهو بذلك انزلق مع "فيسبوك" إلى عمق الانقسام السياسي الأميركي وفي فخ أراده له خصومه. فبحسب "نيويورك تايمز" معظم مستخدمي فيسبوك في الولايات المتحدة هم من الأكبر سنا، والمنشورات الأكثر شيوعا هي للمحافظين واليمين. هذا جعل "فيسبوك" طريدة سهلة مع نشوب التظاهرات ضد العنصرية وتردد زوكربيرغ في حذف أو الإشارة إلى منشورات مضللة وأخرى تحمل شعارات النازية.

قد تستمر حملة المقاطعة أبعد من يوليو في حال عدم الوصول إلى توافق حول بنود تحصن مضمون فيسبوك تضع آلية واضحة لمكافحة الكراهية

ففيما قرأ جاك دورسي، مدير موقع "تويتر"، نبض الشارع وأعلن 19 يونيو يوم إنهاء العبودية عطلة للشركة، وتصادم مع الرئيس ترامب بوضع إشارة تحضير على بعض تغريداته، لم يتحرك "فيسبوك". لا بل ارتأى زوكربيرغ الظهور على شبكة "فوكس نيوز" لمهاجمة "تويتر" والدفاع عن حرية الرأي وفي شكل سرع تصويره في معسكر اليمين.

أخطاء زوكربيرغ أعقبها استقالات داخل فيسبوك واعتصام شكلي لموظفي الشركة، وحملة المقاطعة تزيد من هذه الضغوط خصوصا في حال الفشل في الوصول إلى تسوية حول قضايا العنصرية والتمييز.

المطلوب اليوم من شركات المقاطعة ليس إغراق فيسبوك بل إصلاح مضمونه وإيجاد آليات لحماية المعلومات وإعطاء الأولوية للمصداقية على الربح. ففيما منع تويتر جميع الإعلانات السياسية، تردد فيسبوك في ذلك. أما رهان زوكربيرغ على المعسكر المحافظ لتخطي الأزمة فهو الأخطر كونه قصير النظر، ويتضارب داخليا مع موظفي فيسبوك.

قد تستمر حملة المقاطعة أبعد من يوليو في حال عدم الوصول إلى توافق حول بنود تحصن مضمون فيسبوك تضع آلية واضحة لمكافحة الكراهية. وهي، في حال فاز ترامب أو لم يفز، تفتح صفحة جديدة في العلاقة والتصادم بين عمالقة التواصل الاجتماعي والرأي العام.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.