Volunteers from FoodBlessed sort boxes with food for the needy, as the spread of the coronavirus disease (COVID-19) continues,…
تبرز بين الناشطين في الحركة الاحتجاجية مبادرات مساعدة المحتاجين من خلال المساهمات عبر وسائل التواصل، أو من خلال الأساليب التقليدية والتي لا تحتاج إلى تقنيات الاتصالات والمعلومات، بما يمنح المواطنين أدوات وثيقة للتصدي للوباء

اشتهر استعمال نسيم طالب لمصطلح "البجعة السوداء" للإشارة إلى المتغيرات غير المحسوبة والتي تناقض الاعتبارات القائمة والمقاربات المعتمدة. وفي غضون أشهر قليلة شهد لبنان توالي واقعتين تستحق كل منهما صفة "البجعة السوداء" وتأتي لتضيف المزيد من التعقيد إلى أوضاع اقتصادية وسياسية هي للتوّ دقيقة وصعبة. 

وقد يطيب للفريق السياسي المرتبط بإيران أن يطمئن إلى حسن إدارته للتحديات التي واجهها إذ يحكم قبضته على الدولة والمجتمع في لبنان. غير أن المجهول الذي يحيط بهذا الوطن، كما بالمنطقة والعالم، يضفي على هذا الاطمئنان الطابع المرحلي القصير.

ولا شك أن لبنان، والذي أطلق عليه فيما مضى لقب "الجمهورية الهشّة"، قد شهد تطبيع مستويات مرتفعة من تحمل الأوضاع الشاذة في الممارسة السياسية. فاللبنانيون قد تعاملوا مع بعض الوقائع الخارجة عن المألوف وكأنها القضاء والقدر، من الاستقالة القسرية لرئيس مجلس الوزراء خلال زيارة له إلى الخارج، في ظروف أشبه بالاعتقال، إلى التسليم بتواجد جيش محلي خاص، يقوم مقام احتلال خارجي، ويوفد وحداته من أبناء الوطن للقتال خارج الحدود في حروب المنطقة.

ولكن، حتى "حزب الله"، أي الجيش المحلي الخاص المعني، بدا عاجزا ومرتبكا إزاء "البجعة السوداء" الأولى التي شهدها لبنان العام الماضي، أي "الثورة" التي اندلعت بشكل تظاهرات ابتداءً من السابع عشر من أكتوبر 2019. وكان على الأمين العام لـ"حزب الله"، حسن نصر الله، أن يلجأ إلى كافة مقومات القوة والهيبة لديه في محاولة لتنفيس الانتفاضة واحتوائها، لا سيما مع استجابة أوساط في قاعدته الشعبية لها، فتراوحت مواقفه بين الإثناء على المتظاهرين واتهامهم بالعمالة للقوى الخارجية.

قد يكون من المبكر الاطمئنان إلى أن هذه "البجعة السوداء" الثانية تشكل انتصارا طويل الأمد للصف الموالي لإيران

ولا شك أن الصف الموالي لإيران قد استفاد من الأداء الضعيف وغير المتجانس لرئيس مجلس الوزراء سعد الحريري. ففي حين أن الحريري استقال استجابة لمطلب المتظاهرين، فإنه وتياره بدا عاجزا عن الاصطفاف الواضح مع دعوتهم إلى الإصلاح البنيوي، أو عن الاستفادة من حراكهم للعودة إلى منصب رئاسة الحكومة على أساس توزيع أكثر إنصافا للسلطة التنفيذية إزاء المواقع التي يمسك بها حلفاء "حزب الله".

وقد عاشت الطبقة السياسية في لبنان أسابيع ضبابية طويلة، سعى خلالها حسن نصر الله إلى إيجاد الصيغة الخطابية التي من شأنها المحافظة على نفوذه ضمن بيئته واستعادة ما تبدد منه، كما إلى إعادة تحصيل الهيبة التي تضررت على المستوى الوطني العام. 

أما سعد الحريري، فبدا وكأنه ينتظر أن تنتظم الأوضاع تلقائيا لصالحه. وقد أبدى حلفاء "حزب الله" في الحكم بدورهم الارتباك في التعاطي مع المستجدات. كان ذلك جلياً في حال الإنكار الذي أظهره جبران باسيل، صهر رئيس الجمهورية، والذي يرأس التيار الوطني الحر، المسيحي بغالب أعضائه، والمتآلف مع "حزب الله" بل التابع له، أمام انهيار صورته في خضم التظاهرات كزعيم قادر على تحقيق الامتيازات للمسيحيين، وتلاشي حظوظه بالرئاسة الأولى.

والواقع أن الحراك الاحتجاجي قد جاء تحديدا للاعتراض على سلوك الطبقة السياسية، وإمعانها بالزبائنية والنهب الممنهج القصير النظر للمال العام، ما حرم لبنان فرصة الارتقاء إلى مستوى الدولة العصرية ذات النظام التمثيلي الصادق. بل إن سوء الإدارة السافر للشؤون الاقتصادية والمالية والنقدية قد حكم على لبنان بالإفلاس المؤكد في المستقبل القريب. ومطالب المحتجين كانت الإصرار على أن يعمد الحكم إلى ما يجنب سقوط الوطن في الهاوية. وإذ بالاحتجاج يوفّر فرصة مناسبة للسلطة لإلقاء المسؤولية على المحتجين أنفسهم بشأن الانهيار الاقتصادي الذي دعاهم إلى النزول إلى الشارع ابتداءً. وضمن هذا المنطق الدائري الغريب إذ يشتكي المتظاهرون من حرمانهم من أموالهم المودعة في المصارف، تقع المسؤولية عليهم إذ هم أقدموا على التظاهر.

The Sovran family stands outside their front door shining flashlights towards their nearest hospital during the first night of …
إعصار، زلزال، وباء: حبل الشماتة القصير
الوباء اليوم يؤذي الولايات المتحدة، وأهلها لا يطلبون مطلبا من أحد. وأمام أهل الخير من العرب والمسلمين أحد سبيلين، إما الشماتة والتشفي، أو التعاطف ورجاء الخير. لهم أن يفعلوا كما يطيب لهم. ومهما فعلوا اليوم، يوم تدور الأيام، وتقع الواقعة في ديارهم، لهم أن يتوقعوا بأن أهل الإحسان في الولايات المتحدة، كما فعلوا بأمسهم دون ضوضاء، سوف يمدون لهم يد الإخاء

وبدا كأن الشريحة الحاكمة في لبنان، لإمعانها في إنكار الواقع وإصرارها على الاستمرار بنهجها الفاسد، ترتكب ما من شأنه الإسراع بسقوطها. وفي خروج عن العرف الذي أرساه فريق "حزب الله" بنفسه، والقاضي بأن تكون كل الحكومات حكومات "وحدة وطنية: تتمثل فيها كافة التوجهات، فإن الاختيار رسا على رئيس حكومة "باهت"، مستقل نظريا وتابع فعليا في أقواله وأفعاله لأمر "حزب الله" والتيار الوطني الحر.

والنتيجة الصافية الفورية لحراك السابع عشر من أكتوبر كانت بالتالي تحسين وضع الصف الموالي لإيران في لبنان. على أن ذلك جاء مصحوبا بتاريخ انتهاء صلاحية، نتيجة للأزمات المتراكمة، ولا سيما التخلف الحاصل للتوّ والمرتقب عن تسديد الديون الحكومية. والنهج الذي سارت عليه الشريحة الحاكمة، بعد أن شذّبت ما كانت قد فرضته "التسوية"، هو تبديد الحركة الاحتجاجية، مع الاستمرار بالممارسات النهبية بمزيد من الجشع والفجور.

وقد كان المنتظر، بعد انتهاء موسم الشتاء البارد والذي شهد انحسارا طبيعيا للحركة الاحتجاجية، أن تؤدي تحضيرات الناشطين إلى عودة قوية للتظاهرات وإلى تفعيل حاسم للحراك. والواقع أن مستقبل الحراك كان محكوما باعتبارات متنافسة: تحسن التنسيق والتشبيك والتنظيم بين مجموعات الناشطين، بما من شأنه أن يؤسس لرؤية وطنية مشتركة تتجاوز الطائفية والطبقية، في مقابل خطط الاحتواء التي أعدتها القوى الأمنية لاعتراض النشاط الاحتجاجي، والمحاولات، الصافية النوايا وذات النوايا الأقل صفاءً، من جانب بعض المجموعات لتحويل الاحتجاجات بما يتوافق مع قناعاتها العقائدية.

ورجاء الطبقة الحاكمة كان أن تزول الاحتجاجات فجأة كما ابتدأت فجأة. غير أن الواقع هو أن الحراك الاحتجاجي، وإن جاء عفويا في تعبيره الأولي، قد انتشر على مدى الفضاء الوطني، وشكل حالة غير مسبوقة للبنان، في مئوية تأسيسه، لإظهار استعداد مجتمعه لتخطي الطائفية وبلوغ مقام الدولة العصرية القائمة على سيادة المواطن، دولة الوطن لمواطنيه.

هذه الثورة بتجلياتها المتواصلة هي التعبير، وإن لم يصل بعد إلى كامل نضوجه، عن رغبة مجتمع يرفض أن يستمر بالخضوع إلى ما يستنزفه

أي أنه كان لا بد من وقوع مواجهة بين الطبقة الحاكمة، والتي اشتد عزمها بعد نجاحها في تحويل التحدي الذي شكلته الاحتجاجات إلى المزيد من الاستيلاء الفاجر على مقومات الوطن، وبين الحركة الاحتجاجية، والمتواسية بقدرتها على البقاء بل على تحسين حضورها، رغم الظروف المعاكسة لها. إلا أن هذه المواجهة قد ألغيت بفعل بروز "البجعة السوداء" الثانية، أي وباء كورونا.

لا يمكن الجزم بالمدى الفعلي لتفشي وباء كورونا في لبنان. رسميا، أعداد الإصابات هي بضع مئات، والوفيات قليلة جدا، غير أن هذه الأرقام، والتي يظهر أنها تقديرات منخفضة جدا، قد تكون وحسب وليدة غياب الفحوص المخبرية الكافية، ضمن منظومة صحية منهكة وضعيفة للتوّ. الأكيد هو أن العديد من الأوساط الاجتماعية، بما فيها مخيمات اللاجئين والأحياء الشعبية المرتفعة الكثافة، مهددة بالوباء بشكل خاص، ومفتقدة للمقومات التي تسمح لها بالتجاوب الفعال مع وسائل الحد من التفشي، ولا سيما منها التباعد الاجتماعي. وفيما يطفح الإعلام بالوعود وتغطية التحضيرات المفترضة للمزيد من المرافق القادرة على مواجهة الجائحة، فإن مستشفى واحد في لبنان هو بالفعل على جهوزية فعلية لاستقبال مرضى الوباء.

وبعد أن كان التعاطي مع احتمالات التفشي في المراحل الأولى ينضوي على أقدار من الاستخفاف والتهوين، فإن الشعور بالخطر قد ارتفع، ولا سيما مع الوضع كارثي في إيطاليا، والتي تستقبل عددا من اللبنانيين للدراسة والعمل. 

وسرعان ما اندلع سجال إعلامي مبطّن في البحث عن "بلد المنشأ" لهذا الوباء "المستورد" بين الحليفين "حزب الله" والتيار الوطني الحر. فبعد أن تعالت الأصوات لتتهم "حزب الله" بأنه وراء التلكؤ في إعلان حظر سفر مع إيران، حفاظا على صورة الجمهورية الإسلامية وعلى خطوط الإمداد منها، انتشر في الإعلام الموالي للحزب زعم أن الوباء قد دخل لبنان قادما من إيطاليا مع عودة رجال دين كاثوليك منها. 

A memorial exhibition featuring Iranian political prisoners and organised by opposition group the  People's Mujahedin…
السجناء الأحوازيون يواجهون الموت في سجون النظام الإيران
كانت الأوضاع في السجون الإيرانية سيئة حتى قبل فيروس كورونا، لكن قلق الناشطين الأحوازيين ازداد بشكل كبير في ظل التهديد الذي يمثّله الاكتظاظ في أوساط مئات السجناء السياسيين. كما شكّلت الظروف المعيشية التي أبلغت عنها سجينات سياسيات من الأحواز معتقلات في القسم النسائي المكتظ في سجن سبيدار سيء السمعة التابع للنظام مبعث قلق آخر

والواقع أن تعرّض لبنان للوباء هو أكثر تعقيدا، وقد تم تعقب بعض حالات الإصابة إلى وافدين من مصر وسوريا، بالإضافة إلى إيران وإيطاليا. على أن زعم الانتشار الطائفي قد أتاح المجال أمام استدعاء العصبيات الفئوية، وهو ما استحق الإدانة في العلن، وإن خدم فعليا مصلحة الحشد والتعبئة في البيئة الطائفية لكل من "حزب الله" والتيار الوطني الحر، بما يعزّز الانقسامات العمودية والتي كانت حركة الاحتجاجات قد أضعفتها.

وانسجاما مع التوصيات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، اعتمدت الحكومة اللبنانية رزمة من الإجراءات لمواجهة وباء كورونا وسعت إلى تطبيقها. والواقع أنه من الصعب تصوّر مجموعة خطوات أكثر توافقا وتطابقا مع مصلحة الطبقة السياسية لتحقيق أهداف كانت إلى أمس قريب صعبة المنال، ولا سيما منها الانتهاء الكامل من التظاهرات. فلا حاجة بعد هذه التوصيات الصحية لمنع تجوّل يفرّغ الساحات وينهي الاحتجاجات انطلاقا من اعتبارات سياسية، ذلك أن الحجر المنزلي للاعتبارات الصحية يؤدي الغرض. وبما أن التباعد الاجتماعي هو ما يقتضيه التصدي للوباء، فلا حرج لدى السلطات من أن تتهم عند بتفريق المتظاهرين بالتعدي على حرية التعبير أو الحق بالتجمع السلمي.

وما جرى بالتالي هو أن خطة الصف الموالي لإيران القصيرة المدى لمواجهة ثورة السابع عشر من أكتوبر قد تحولت إلى نجاح طويل الأمد، بعد أن أعاد الوباء خلط الأوراق. وقد يندرج إعلان "حزب الله" الحرب على الوباء، وتجييش المسعفين والممرضين والأطباء لهذه الحرب، في إطار الخطوات الساعية إلى تثبيت مكاسب لم تكن محسوبة. وكذلك حال الحكومة، والتي يسيطر عليها "حزب الله"، إذ عمدت إلى الإفراط في تفكيك الخيم والمنشآت المؤقتة والتي أقامها الناشطون في العديد من الساحات العامة. بل يجري استدعاء الوباء كحجة من جانب "حزب الله" وشركائه لتبرير المسعى إلى استبدال قائد الجيش وحاكم مصرف لبنان بآخرين أكثر طواعية، وفق ما جرى في حالة رئيس الحكومة.

قدرة التأقلم لدى الحركة الاحتجاجية تشهد للطاقة الكامنة في انتفاضة السابع عشر من أكتوبر

على أنه قد يكون من المبكر الاطمئنان إلى أن هذه "البجعة السوداء" الثانية تشكل انتصارا طويل الأمد للصف الموالي لإيران. ذلك أن قدرة هذا الفريق على تقديم الخطوات الكفيلة بإنقاذ لبنان من الكارثة محدودة جدا نتيجة لتعاظم المشاكل الاقتصادية، والتي تسببت بها الطبقة الحاكمة أو تجاهلتها أو امتنعت عن معالجتها، ونتيجة كذلك للأولويات التي يعتمدها "حزب الله" والتي توجهها المصلحة الإيرانية، ثم نتيجة لعجز الطبقة الحاكمة عن الامتناع عن الانغماس بالمزيد من النهب الفاجر والفساد وتلبية المصالح الضيقة. أي أن هذا النصر غير المحسوب قد لا يتعدى الطابع الترويجي الإعلامي والذي من شأنه وحسب تأجيل ما هو قادم لا محالة.

وبدورها، فإن الحركة الاحتجاجية، والتي امتدت إلى مستوى الوطن، رغم ما أصابها من ضربات، تبدي قدرا هاما من التأقلم مع الواقع المستجد للوباء، بما يفرضه من قيود وما يتيحه من فرص. إذ يجري اليوم في صفوف الناشطين تغليب الدعوات إلى التعاضد الاجتماعي على مطالب الإصلاح البنيوي. وتبرز مبادرات مساعدة المحتاجين من خلال المساهمات عبر وسائل التواصل، أو من خلال الأساليب التقليدية والتي لا تحتاج إلى تقنيات الاتصالات والمعلومات، بما يمنح المواطنين أدوات وثيقة للتصدي للوباء. وقد وفرت الحركة الاحتجاجية كذلك خطابا بديلا في مواجهة مزاعم الشخصيات السياسية في هذا الشأن، حيث أنهم بعد الإمعان على مدى العقود بالنهب الممنهج للثورة الوطنية، يتبجح بعضهم بالتبرع بالفتات.

وقدرة التأقلم لدى الحركة الاحتجاجية، وإن قابلها استغلال مشهود للوباء من جانب الطبقة السياسية ومسعى مستمر لكبح الحراك، تشهد للطاقة الكامنة في انتفاضة السابع عشر من أكتوبر. فهذه الانتفاضة لم تكن شطحة آنية إزاء الواقع اللبناني المرهق بالطائفية وبالنهب المشرعن، والمكبل بالإقطاعية الجديدة، والخاضع للسطوة الإيرانية. بل إن هذه الثورة بتجلياتها المتواصلة هي التعبير، وإن لم يصل بعد إلى كامل نضوجه، عن رغبة مجتمع يرفض أن يستمر بالخضوع إلى ما يستنزفه.

المصدر: منتدى فكرة

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.