Amy Musa, 17-year-old from the Syriac minority in Syria, holds a client's head as she trims his hair while wearing a protective…
آيمي موسى، مصففة شعر في مدينة الحسكة

فيما لو نجحت المفاوضات التي تجري راهنا بين مختلف القوى السياسية الكردية السورية من تحقيق شيء ما من التوافق، فإنها ستكون خطوة أولى، لكن غير كافية، لتوطيد أسس "السلام الاجتماعي والسياسي" في منطقة شمال شرق سوريا (شرق الفرات)، ذلك الأساس الذي هو الجذر الجوهري لعدم عودة التنظيمات المتطرفة إلى تلك المنطقة.

ثمة ضغط أميركي معلن وواضح على طرفي الخصام السياسي الكردي هناك، حزب الاتحاد الديمقراطي "الكردي" وقوى المجلس الوطني الكردي السوري، ليتوصلا إلى اعتراف وتعاون مشترك في ظلال الإدارة الذاتية الموجودة في تلك المنطقة. إذ تبدو التوجهات الأميركية ذاهبة للاعتقاد بأن الجهود العسكرية والأمنية التي بُذلت في تلك المنطقة طوال قرابة عقد كامل، يُمكن لها أن تتبعثر، فيما لو بقيت القضايا الأكثر حيوية في تلك المنطقة دون اكتراث، خصوصا الاقتصاد والسياسة، ركيزتا الاستقرار والسلام الاجتماعي الراسختان.

ما ينقص ذلك الجهد ليكتمل، هو ثلاثة مستويات من الفاعلية: تحويل ذلك التوافق "الفردي" ليغدو عموميا، أي أن يتوسع ليكون توافقا مع كل القوى السياسية "الحقيقية" الممثلة لباقي المكونات، من عرب وسريان وأرمن تلك المنطقة. إلى جانب ذلك، لا بد من خلق مؤسسات حكم وإدارة وتشريع ذات مصداقية واستقلالية، تنتج عن التوافق السياسي العمومي بين مختلف قوى ومكونات تلك المنطقة. أخيرا، لا بد من تشييد أسس حامية هذا المشروع، إن عبر الحل السياسي السوري، أو عبر حمايتها من التطلعات/المطامع الإقليمية.

لن يكتمل ذلك الخيار دون مبادرات وأياد ممدودة من القوى السياسية السريانية والعربية في تلك المنطقة نحو شركائهم الأكراد

تنمو هذه الرؤية الأميركية، التي هي قوة الفصل والحكم الحقيقية في تلك المنطقة، في وقت تتعزز وتتبلور فيه المشاعر العامة للسكان المحليين في تلك المنطقة على مستويين اثنين.

تعتقد أغلبية واضحة من مختلف المكونات الأثنية في تلك المنطقة، من عرب وأكراد وسريان وأرمن، بأن السلام الاجتماعي والسياسي فيما بينها ليس مستحيلا، ويمكن له أن يحدث ويترسخ، بغض النظر عن مجريات الأحداث السورية. وتعتقد أن قانونا عاما يساوي بين جميع أبناء تلك التكوينات، ويمنحهم حرية الفعل السياسي والاقتصادي، مع الكثير من المجال في الحريات الاجتماعية والمدنية، يمكن له أن يوطد نموذجا من العلاقات الصحية بين المكونات في تلك المنطقة، تستطيع عبرها أن تتجاوز أية خطابات للكراهية أو نزعات للصراع.

يتنامى ذلك الشعور المحلي بناء على التجربة المحسوسة للحياة العامة في تلك المنطقة طوال السنوات الماضية. حيث بالرغم من كل ما جرى في سوريا، لم تحدث صراعات على أساس الهوية في تلك المنطقة بالذات، طوال هذه الفترة القلقة. إذ يعي السكان المحليون بأن ذلك حدث بفضل بقاء تلك المنطقة خارج أدوات النظام السوري، الذي استمر لعقود طويلة يتلاعب بالحساسيات والهواجس الهوياتية للسكان المحليين في تلك المنطقة على الدوام، سواء على الثنائية الإسلامية/المسيحية، أو العربية/الكردية.

من جهة أخرى، يكتشف أناس تلك المنطقة راهنا تمايزا واضحا لأحوالهم المعيشية والحياتية عن حيوات سكان باقي المناطق السورية، بالذات منها تلك الواقعة تحت سلطة النظام السوري. تلك الفروقات في الحياة المعيشية تتأتى من تعاضد عاملين متكاملين: تمتع سكان تلك المنطقة بخيراتها العامة، والتي تُعتبر أغنى مناطق سوريا بثرواتها الباطنية والزراعية، تلك الخيرات التي كانت تذهب تقليديا لمؤسسات "مجهولة" من السلطة السورية، وخروجها من سلطة الحكم المركزي، التي كانت بمثابة قوة نهب عام لتلك المنطقة، التي بقيت لعقود مجرد "مستعمرة داخلية"، تذهب ثروتها لتنمية المناطق المركزية، بينما بقيت هي فقيرة وهامشية.

♦♦♦

بعد شهور قليلة من اندلاع الثورة السورية، اكتشف مختلف اللاعبون والمتدخلون في المسألة السورية، المحليون والإقليميون والدوليون على حد سواء، بما في ذلك النظام السوري نفسه، اكتشفوا بأن تلك البراري والسهوب السورية، الممتدة من الضفة الشرقية لنهر الفرات وحتى الحدود العراقية شرقا والتركية شمالا، هي أكثر تركيبا وتعقيدا من أية إمكانية لضبطها أمنيا وعسكريا، ومنع تفتتها سياسيا.

تأتى ذلك التعقيد/الخلل في تلك المنطقة من تناقض أولي، وجوهري: فمنطقة شاسعة للغاية، تبلغ مساحتها قرابة ثلث مساحة سوريا، وبها أكثر من نصف الثروة الحيوية للبلاد، وتحوي نسيجا سكانيا شديد التركيب، ومع كل ذلك؛ ليس لها أية ذات سياسية. 

فالحالة العامة في تلك المنطقة، كانت مجرد عُري خالص، كان الأفراد والمجتمعات فيها دون أي حضور في الذات السورية، سياسيا واقتصاديا وثقافيا، أناس كان نبذهم وهامشيتهم ونكرانهم مضاعفا عما عاشه باقي السوريين، الذين بالرغم من الشمولية السياسية الحاكمة، كانوا حاضرين في المتن والحياة العامة للبلاد، بشكل أو آخر.

ليس في الذاكرة الجمعية السورية، التاريخية والراهنة، أي حضور لأهل هذه المنطقة، للهجاتهم ونزعاتهم ورموزهم وطبخاتهم ونكاتهم وأزيائهم وجغرافيتهم وقيمهم، لا شيء قط، سوى بعض الصور النمطية، التي تجمع السخرية باللامبالاة بالكثير من أوهام "تفوق" باقي المكونات السورية عليهم. شيء كان يجب أن يدفع لـ"ثورة" داخلية من قِبل هؤلاء على السلطة المركزية، لولا الفاعلية الشديدة لهذه السلطة المركزية على تحطيم أي توافق بين سكان تلك المنطقة، وتعزيز الحساسيات فيما بينهم.

القوى السياسية الكردية يجب أن تتيقن بأن أي توافق سياسي فيما بينها سيبقى مبتورا، ما لم يستكمل بتوافق شامل بين مختلف الممثلين السياسيين الحقيقيين لجميع أبناء المنطقة، خصوصا العرب والسريان

طوال قرن كامل من تجربة الكيان السوري، لم يشارك سكان هذه المنطقة في أي من الأحداث العامة في هذه البلاد، سواء في تشكيل الحكومات وكتابة الدساتير، أو في الانقلابات العسكرية وصراع القوى السياسية، ولا في الحروب الأهلية وتعاقب أنظمة الحكم وتغيرات الحياة السياسية والأيديولوجية للبلاد. كانوا على الدوام بمثابة "جالية" أجنبية كبرى تعيش في براري تلك البلاد، ممنوع على ذويها المساهمة، أو حتى التطلع، ليكونوا جزء من هذه الفاعليات العامة.

ثمة طيف من الأسباب التي خلقت هذا النبذ، يبدأ من الشكل الجغرافي القصي لتلك المنطقة عن سلسلة المدن الداخلية المركزية السورية، ويمر عبر التكوين التاريخي لحواضر ومجتمعات تلك المنطقة، ولا ينتهي بشكل الاقتصاد وبنية التعليم وسياسات الانتداب الفرنسي التأسيسية للدولة السورية المركزية، وشكل تبلور العلاقة العربية/الكردية هناك، والهواجس التي تبادلها الطرفان. 

إلى جانب كل تلك العوامل، وفوقها، أضافة الشمولية البعثية/الأسدية نكهة خاصة، لكونها طاقة نبذ وتهميش قصوى، حتى للمركزيين الأقربين، فكيف بالمقصيين أساسا.

خلال عقد الثلاثينيات من القرن المنصرم، حيث طرأت تغيرات هائلة على شكل الدولة السورية، إلى أن تبلورت "نهائيا" بما صارت عليه راهنا، فإن سكان هذه المنطقة، التي كانت تُسمى وقتئذ "الجزيرة السورية"، قد خسروا أول وآخر محاولة لهم لخلق نمط من التعاقدية السياسية/الدستورية مع الدولة السورية، التي "ابتلعتهم"، مع منطقتهم، وأخفتهما تماما.

خلال السنوات الممتدة بين عامي 1932 ـ 1936، شهدت منطقة الجزيرة شرخا شاقوليا، بين القوى السياسية والاجتماعية والعشائرية الساعية لتعاقد لامركزي بأقصى حدٍ ممكن مع الدولة/السلطة السورية، وتلك التي كانت ترفض ذلك، وتطالب باندماج تام وتبعية مطلقة لهذه المنطقة للسلطة المركزية.

ربما ينقذون السوريين أنفسهم، حينما يقولون بمعنى ما: "ثمة سوريا ما أخرى ممكنة، أكثر رحابة وأقل عنفا"

المثير للإعجاب، بأن كلاً من التيارين المتصارعين/المتناقضين كان يضمن قادة وأعضاء وفاعلين من كامل طيف التكوينات القومية والدينية لتلك المنطقة، من أكراد وعرب وسريان وأرمن ويهود، حيث كان ثمة يهود بعشرات الآلاف الجزيرة السورية وقتئذ، وكانوا فاعلين سياسيا. 

لكن الأكثر إثارة للجدل، هو "الندم" الهائل والشعور بالخسران، الذي شعر به قادة ونخب التيار الاندماجي في الجزيرة السورية فيما بعد، حينما رأوا وذاقوا مرارة تحطيم الدولة المركزية لهم، ولو في أكثر مجالات حيواتهم وسلطاتهم المحلية ضيقا.

لأسباب تتعلق بصعود النازية وتنامي إمكانية حدوث حرب عالمية ثانية وقتئذ، فإن السياسة الخارجية لفرنسا الانتدابية اختارت بلورة سوريا على أوسع طاقة من المركزية، محطمة بذلك أي تطلع لسكان الجزيرة لخلق تعاقد سياسي مع الدولة/السلطة المركزية السورية، وبذلك تحطيم أية قدرة لسكان المنطقة لأن يبلوروا أية رؤية وتكوين لشخصيتهم الجمعية وذواتهم السياسية، فيما بينهم وفي وجه السلطة المركزية على حد سواء.

بقي ذلك العامل الأولي يُنتج مفاعيل متراكمة، في شتى المستويات، بالذات في السياسة والاقتصاد والعالم الاجتماعي، تلك المستويات التي أفرزت وشيدت هذه البنية الهشة في منطقة الجزيرة السورية.

♦♦♦

راهنا، تتعاضد الكثير من العوامل الموضوعية التي تمنح فرصة استثنائية لإعادة إحياء ذلك النمط من التعاقد الدستوري لجغرافيا وسكان تلك المنطقة مع السلطة والدولة السورية. ذلك التعاقد الذي يجمع فضلتين متناغمتين، تذهب الأولى لخلق فضاء وحياة وديناميكيات سياسية شديدة الحيوية لقرابة ربع سكان سوريا في مجالهم المحلي. وتساهم الثانية في تمتين الفاعلية والحياة الاقتصادية والتعليمية والتنمية في تلك المنطقة، وبالتالي خلق مناعة ذاتية تجاه أية نزعات متطرفة قد تطيح بالحياة العامة لسكان المنطقة تكون خطرا على الدولة والمجتمع السوري، وغالبا على الأمن والاستقرار العالمي، كما شهدت تجربة "داعش" التي ما تزال ماثلة أمام الأعين.

لكن هذه العوامل الموضوعية غير كافية لأن تبلور أية فاعلية سياسية دون بعض الخيارات التي على النخب والقوى السياسي الفاعلة في هذه المنطقة أن تتخذها.

فالقوى السياسية الكردية يجب أن تتيقن بأن أي توافق سياسي فيما بينها سيبقى مبتورا، ما لم يستكمل بتوافق شامل بين مختلف الممثلين السياسيين الحقيقيين لجميع أبناء المنطقة، خصوصا العرب والسريان. فكي تكون هذه المنطقة/التجربة ذات شرعية ومصداقية، عليها أن تقدم ما هو مباين ونقيض للتجربة الشمولية الأسدية، أي أن تقوم على شركة حقيقية بين مختلف المكونات. وهو شرط يدفع القوى الكردية لأن تبلور خطابها وفاعليتها السياسية بناء على الظروف الموضوعية لسوريا الراهنة وموقع الجزيرة السورية منها، دون أية "أوهام" أيديولوجية وقومية غير مفيدة.

لن يكتمل ذلك الخيار دون مبادرات وأياد ممدودة من القوى السياسية السريانية والعربية في تلك المنطقة نحو شركائهم الأكراد. فالقوى العربية والسريانية التي ليس لها أن تصدق أو تنجر وراء خطابات الكراهية التي ينشرها النظام السوري حول الأكراد "الانفصاليين"، أو استراتيجية المحق التركية. فكلا النزعتين هما لصالح هذان النظمان الشموليان من الحكم، وليس لعرب وسريان الجزيرة أية مصلحة للانجرار خلفهما، وهما لن تكونا إلا على حساب حاضر ومستقبل سكان المنطقة.

لأن سكان هذه المنطقة كانوا أقل السوريين نشاطا ومساهمة في الحياة العامة السورية طوال قرن كامل، فإنهم أقل السوريين "تلوثا" بآلام الذاكرة السورية الدموية والمريرة

أخيرا، فإن اجتراح الجزيرة السورية، أي تحويل منطقة الحكم العسكري والسياسي الراهنة في شرق الفرات إلى فضاء عمومي سياسي وثقافي ورمزي، ذات هوية وحقوق تعاقدية مع الدولة والسلطة السورية مستقبلا، يستلزمه اجتراح الكثير من المؤسسات والفاعليات الغائبة راهنا: من مؤسسات تشريع حقيقية، منبثقة عن انتخابات تمثيلية عادلة وشفافة، مرورا بسلطات حكم إدارية وبيروقراطية تفرزها تلك المؤسسة التشريعية، إلى جانب أجهزة للقضاء المستقل وحرية التكتل النقابي والعمل المدني والحريات العامة والسياسية.

كامل تلك الخطوات لن تحصل، من دون ضغط وتطمينات واضحة من قِبل الولايات المتحدة الأميركية، التي لها مصلحة استراتيجية خالصة في تحقق كل ذلك. فهو يحول واحدة من أكثر مناطق العالم مسا بأمنها القومي، إلى مركز استقرار وتنمية وصلابة حيوية.

ولأن سكان هذه المنطقة كانوا أقل السوريين نشاطا ومساهمة في الحياة العامة السورية طوال قرن كامل، فإنهم أقل السوريين "تلوثا" بآلام الذاكرة السورية الدموية والمريرة، وحينما يقدمون نموذجا للتعايش والقابلية لبلورة مشروع سياسي واقتصادي وثقافي ذو مضمون ومعنى، فإنهم لا ينقذون أنفسهم فحسب، بل ربما ينقذون السوريين أنفسهم، حينما يقولون بمعنى ما: "ثمة سوريا ما أخرى ممكنة، أكثر رحابة وأقل عنفا". 

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.