President Donald Trump, center, with from left, Bahrain Foreign Minister Khalid bin Ahmed Al Khalifa, Israeli Prime Minister…
التوقيع على الاتفاقيات في البيت الأبيض

التوقيع على اتفاقي السلام وتطبيع العلاقات بين الإمارات العربية المتحدة والبحرين مع إسرائيل في واشنطن هذا الأسبوع هو نقطة مفصلية في الصورة الجيوسياسية الإقليمية سواء أيّد البعض الخطوة أم عارضها.

تغيرات جذرية في الشرق الأوسط أوصلت إلى اتفاق ابراهام وإلى منعطف تحولي في المنطقة بنفس المستوى الذي كانت عليه حرب تحرير الكويت، واتفاقات أوسلو وحرب العراق. هذه التغييرات رسخها اتفاق ابراهام ولم يبدأها، والتوصل إليه وتوقيعه وردود الفعل عليه تعبر عن معادلة جديدة في مقاربة الصراع العربي ـ الإسرائيلي، والتهديدات الإقليمية، والدور الأميركي ومستقبل التحالفات.

الخطاب الشعبي بين الإمارات وإسرائيل هو اليوم أكثر ودا من أي من دول الشرق الأوسط

في النزاع العربي ـ الإسرائيلي، اتفاق ابراهام ووثيقة البحرين يذهبان أبعد من اتفاق مصر ـ إسرائيل في كامب ديفيد بين مناحيم بيغن وأنور السادات في 1978، ومن معاهدة السلام الإسرائيلية ـ الأردنية في العام 1994. فالإمارات والبحرين وبحكم بعدهما الجغرافي عن إسرائيل وعدم خوضهما حروبا ضدها، يباشران اليوم بسلام أدفأ مع الدولة العبرية. فالعلاقات القنصلية والتعاون التجاري والاقتصادي ومبدأ "منع الأنشطة الارهابية والعدائية" ضد الآخر هي داخل اتفاق ابراهام وبنوده الـ 12. والخطاب الشعبي بين الإمارات وإسرائيل هو اليوم أكثر ودا من أي من دول الشرق الأوسط بحكم المسافة وغياب المواجهة العسكري وتلاقي عدة أولويات.

هناك أيضا تحول أساسي رافق اتفاق ابراهام وكان غائبا عن كامب ديفيد برد فعل الجامعة العربية. فبعد توقيع مصر الاتفاق تم نقل مقر الجامعة إلى تونس وتعليق عضوية القاهرة كعقاب لها في 1978. اليوم، الجامعة العربية بغض النظر عن فاعليتها منذ تأليفها في 1945، لم تدن الاتفاق.

هذه الصورة المختلفة إقليميا تضع السلطة الفلسطينية أمام واقع مغاير للسبعة عقود الفائتة. فأولوية الملف الفلسطيني لم تعد ورقة سياسية جامعة للدول العربية. ففيما كامب ديفيد شملها ملحق حول القضية الفلسطينية، فيما لا تأتي اتفاقات هذا الأسبوع على ذكر القضايا النهائية. وعليه فإن السلطة الفلسطينية تواجه اليوم تحديا إقليميا وضرورة لإعادة ترميم علاقاتها بالأخذ بعين الاعتبار المتغيرات والأولويات المتبدلة. فصعود الإسلام السياسي، ودور إيران وتركيا، التنمية الاقتصادية والتعاون العلمي هو محرك لاتفاق ابراهام. مرحلة الناصرية السياسية التي رافقت بزوغ السلطة الفلسطينية انتهت فعليا اليوم من دون أن يعني ذلك انتهاء القضية والسماح باستمرار الاحتلال الإسرائيلي والاستيلاء على الأراضي.

هناك حاجة قصوى اليوم لدى السلطة الفلسطينية لمراجعة سياستها. فعامل الوقت حتى لو خسر الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفاز المرشح الديمقراطي جو بايدن لم يعد لصالحها. خناق الاحتلال والحصار والوباء والأزمة الاقتصادي والتطرف يشتد على الفلسطينيين وعلى السلطة إعادة النظر بأولوياتها الداخلية، وقراءة الصورة الإقليمية الجديدة وتحديد خياراتها طبقا لذلك. الأرجح أن بايدن إذا ما فاز سيتسمر في بناء السلام المنفرد بين دول عربية وإسرائيل، فهذه أولوية تسبق ترامب ويتلاقى حولها الحزبان.

هناك حاجة قصوى اليوم لدى السلطة الفلسطينية لمراجعة سياستها

التبدل أيضا هو في النطاق الإقليمي الأوسع. فقول صانع السياسة الخارجية الأميركية سابقا هنري كسينجر إنه "لا يمكن الذهاب للحرب من دون مصر ولا يمكن صنع السلام من دون سوريا"، ولّى إلى غير رجعة. فالقوى الإقليمية تبدلت اليوم، وسوريا غارقة في حرب وغير قادرة على صنع السلام، أما مصر فتتفادى الحرب ورحبت على مستوى القيادة بالسلام. حتى إذا نظرنا إلى إيران، فهي موقع أضعف اقتصاديا وأكثر حذرا إقليميا ولا تريد مواجهة مفتوحة مباشرة أو عبر مجموعات موالية لها مع إسرائيل.

هذا المنعطف الذي رسخه اتفاق ابراهام يقوي أيضا الحضور الأميركي في المنطقة من باب بناء مصالحات تفيد الولايات المتحدة وهو خطوة هامة بالنسبة للإدارة الأميركية لتعاضد اقتصاديات ودفاعات الشرق الأوسط وعزل إيران. الوصول للهدف الثاني ما زال بعيدا إنما الركن الأساسي فيه تم تثبيته في اتفاقات 15 سبتمبر.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.