Actors Nanda Mohammad (L) and Mohammad Alrashi (R) perform during a dress rehearsal for 'While I was Waiting' as part of…
الممثلان السوريان ناندا محمد ومحمد آل رشي في عرض مسرحي في نيويورك

من المحرر: توفي الدكتور رياض عصمت بعد إصابته بفيروس كورونا في 14 مايو ٢٠٢٠. وبعد وفاته تبين لعائلته أن الدكتور سبق أن كتب عددا من المقالات التي لم تنشر بعد، لذلك قرر موقع الحرة نشر هذه المقالات تباعا.

الحنين إلى الوطن شعور لا يملك الإنسان إلا أن يحترمه. رغم المرارة التي تسبب هجرة المرء عن وطنه، ورغم بعض ذكريات النقمة المضطرمة تجاه أشخاص متنفذين جعل استغلالهم واستبدادهم المرء تواقا إلى الرحيل عن أرض الوطن والكفاح في الغربة، إلا أن الوطن يبقى كالوشم محفورا على الجلد. 

يمر جيل، وثانٍ، وربما ثالث، وصورة الوطن في خيال المغترب لا تذبل ولا تبهت من الذاكرة. تتوقف الحياة عند اللحظة التي غادر فيها ربوعه، ولا تحتفي المشاعر إلا بصدى الأغنيات القديمة، وصور البيت والأهل والأصدقاء في أيام خلت. ربما يزور المرء وطنه وهو يحمل جنسية أخرى، ويعيش حياة مختلفة في بلد بديل. ربما يطفئ لهيب الحنين المضطرم في داخله ولو إلى حين. لكنه، عادة، ما يخيب أمله، ولا يرتاح للتطور والتحديث الحاصلين فيه، ولا لطراز الحياة هناك مهما بدا متحسنا، لأن الجميل الوحيد في باله هو ما كان عليه الوطن في الطفولة واليفاعة والشباب.

هناك أفكار شائعة ومهينة على المغتربين عن أوطانهم، خاصة في الدول الغربية. ليس ذنبهم أن آباءهم أو أجدادهم اختاروا الهجرة من بلد الجذور. صحيح أن بعضهم استطاع بتوجيه الأهل تعلم اللغة العربية، وربما زار أرض الوطن مرة أو أكثر، ولكن الصلة بين آخرين ولغتهم، وبينهم وبين حضارتهم تلاشت تدريجيا إلى أن انقطعت، وبقيت معلوماتهم مقتصرة على الاطلاع باللغة الأجنبية من الإنترنت ويوتيوب. 

يستحق المغتربون عن الوطن أن تنشأ لهم وزارات تهتم ببناء جسور بينهم وبين أصولهم، تعزز الصلات الثقافية مع جذورهم

كثير من الغربيين يحمل صورة مشوهة عن بلدان العالم النامي، خاصة تلك التي تضطرم فيها اضطرابات سياسية، أو تُحكم من قبل أنظمة لا تتماهى ولا تنسجم مع الأنظمة الغربية. لذا، لا لوم على المغتربين الشباب في امتلاكهم فكرة ضبابية ومشوشة عن ماهية الوطن، كيفية عمل مؤسساته، قدرات أفراده المبدعين من علماء ومسؤولين، من أساتذة ومحترفين، ومن أدباء وفنانين.

أذكر قصة أخرى عن أستاذ فولبرايت زائر، قدم إلى دمشق مع زوجته، ولا أذكر من رشحني لأعرفه على الحياة الثقافية في سوريا في مطلع القرن الحادي والعشرين. المهم، أنني تواصلت معه ووعدته أن أمر بسيارتي مع عائلتي وأصطحبه مع زوجته من فندقهما المتواضع في وسط العاصمة إلى مطعم شعبي في أحياء دمشق القديمة. 

بالفعل، وجدته وزوجته بانتظاري، وتوجهنا بسيارتي نحو المطعم المنشود المشاد في أحد البيويات العتيقة. سرعان ما لاحظت اضطراب الضيفين الشابين، وما أن اطمئنا لي ولزوجتي، حتى تجرأ الأستاذ الزائر على السؤال عن سبب وجود أشخاص في ثياب مدنية في الشوارع يحملون رشاشات كلاشينكوف. 

كان الذعر مرتسما في عينيه وعيني زوجته لمنظر غير مألوف ولا مستحب أوحى لهما بوجود انقلاب عسكري أو أنذرهما بإمكانية تعرضهما لاختطاف أو لسطو مسلح. ضحكنا، زوجتي وأنا، وطمأنا الضيفين الأجنبيين بأن هؤلاء الذين يرتدون بزات غامقة ويحملون كلاشينكوفات في وضح النهار إنما هم عناصر أمن يحرسون مؤسسات أو بيوت ضباط كبار. 

تظاهر الضيفان بالارتياح لهذا التفسير، ولكنني شعرت أن قلقهما الخفي لم يتلاش كليا، إذ قال لي الشاب: "إذا كانت تلك مهمتهم، لماذا لا يرتدون زيا رسميا يميزهم ويطمئن عابري السبيل من مواطنين وأجانب؟" لم أحر بجواب، لأن كلامه كان منطقيا ومقنعا.

يمر المغتربون من أصول عربية، خاصة أولئك الذين يملكون إلماما طيبا باللغة والحضارات والثقافة والفنون، بتجارب مختلفة. معظمهم يخال الأمور من خلال تصوير الإعلام الغربي لها أكثر قتامة ومأساوية مما يفاجؤون بأنها عليه في الواقع القائم. 

بالتأكيد، فإنهم يواجهون بعض المظاهر غير المستحبة، بل المنفرة مثل خشية الأجنبيين الزائرين من تسكع أشخاص في ثياب مدنية وهم يلوحون بالبنادق الرشاشة، لكن الزوار من المغتربين يواجهون غالبا بعض المفاجآت السعيدة. 

أذكر أنني استقبلت في فترتين متقاربتين اثنين من المغتربين المتخصصين في إدارة المتاحف والمعارض، أحدهما أميركي، والآخر بريطاني. أحتفظ بذكرى طيبة جدا عن كل من هذين الخبيرين المغتربين، لأن كلا منهما جاء على حدة حاملا أفكارا مسبقة عن كيفية عمل الإدارات المحلية، وبصراحة تامة، عن مدى تخلفها. 

لكن كليهما فوجئ بأن تلك الصورة مبالغ بها في ميدان الثقافة، وأنه توجد أسس للحوار والتفاهم على سبل تطوير عمل المتاحف، وجعلها أدوات استقطاب للسياحة من أرجاء العالم كله. 

بالتالي، كان التقدير والتعاون متبادلين مع كلا الشخصيتين الوطنيتين رغم اغترابهما الطويل، مما ضاعف حماستهما لطرح مزيد من الاقتراحات والمشاريع البناءة بانسجام مع فريق العمل المحلي في المضمار ذاته.

يستحق المغتربون عن الوطن أن تنشأ لهم وزارات تهتم ببناء جسور بينهم وبين أصولهم، تعزز الصلات الثقافية مع جذورهم، تهتم بتعليم أبنائهم اللغة العربية، تجعلهم لا ينسون تاريخهم وثقافتهم رغم إقامتهم مدة طويلة في بلدان أخرى وحملهم لجنسياتها. 

لذا، أنشأت بعض البلدان وزارة المغتربين، وهي الوزارة المعنية بجالية كل بلدٍ من البلدان في شتى أرجاء العالم. نكصت بعض البلدان عن الاستمرار في وزارة تحمل هذا الاسم، وألحقت نشاط المغتربين بوزارة الخارجية. أميل إلى الاعتقاد أن وزارة الخارجية وزارة سياسية بالمقام الأول، ومهمات الوزير وبقية كبار المسؤولين فيها لا تعطيهم الوقت الكافي للتفكير في فعاليات والقيام بجولات تعزز صلة الجاليات بوطنهم الأم. 

هناك أفكار شائعة ومهينة على المغتربين عن أوطانهم، خاصة في الدول الغربية. ليس ذنبهم أن آباءهم أو أجدادهم اختاروا الهجرة من بلد الجذور

وزارة المغتربين هي وزارة واسعة الطيف، مرنة الممارسة، وتستطيع الإسهام بتشجيع إنشاء مشاريع اقتصادية واستثمار المغتربين في بلاد أجدادهم. ليس انطلاقا من "نوستالجيا" تحن إلى الماضي، بل من واقع كون كل بلد من بلدان العالم يملك إيجابيات وسلبيات، أقول: إن تعزيز العلاقة بين المغترب ووطنه الأم هام للغاية. 

ليس المطلوب إطلاقا أن يقتنع المغتربون بهجر أوطان الغربة والعودة إلى حضن الوطن، وليس المهم أن ينفروا من نمط حياتهم في بلدان أجنبية، بل أن يشعروا ببعض ميزات وطن الأجداد، ويحرصوا على عدم قطع علاقتهم معه، بل التردد عليه سياحة مع أبنائهم، وربما الاستثمار فيه لمن يملكون القدرة المادية على الاستثمار.

يحكى أن حكيما أرسل أبناءه إلى مدينة ليأتوه عنها بالخبر اليقين. غابوا شهرا، ثم عادوا. قال أولهم: إنها مدينة فساد ومجون، أهلها خبثاء شريرون، يسرقون الكحل من العين، ولا يأمنهم المرء حتى على حياته. قال الثاني، أنا وجدتها مدينة تقى وإيمان، أهلها دراويش ورعون، أخلاقهم حسنة، واستضافتهم كريمة، والإقامة بينهم آمنة. أما الثالث فقال: إنها مدينة علوم وفنون، فهي تسابق العصر، وتنافس مدن العالم المتقدمة. سكانها مبدعون وباحثون مجتهدون، وهم يتعلمون من الغريب ويعلمونه. ابتسم الأب الحكيم وقال: "كل منكم رأى في المدينة ما يعبر عن شخصيته".

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.