(FILES) In this file photo civilians evacuated from the Islamic State (IS) group's embattled holdout of Baghouz wait at a…
عائلات مقاتلي "داعش" خلال إخلائهم من الباغوز

"في 26 مايو، خاطب هارون زيلين ومايكل نايتس منتدى سياسي افتراضي في معهد واشنطن. وزيلين هو زميل "ريتشارد بورو" في المعهد، وباحث زائر في "جامعة برانديز"، ومؤلف كتاب "أبناؤكم في خدمتكم: مبشرو الجهاد في تونس". ونايتس هو زميل أقدم في المعهد، وكان قد أجرى أبحاثا مكثفة على الأرض في العراق إلى جانب قوات الأمن والوزارات الحكومية. وفيما يلي ملخص المقرر لملاحظاتهما".

هارون زيلين

حدثت أمور كثيرة مع تنظيم "الدولة الإسلامية" ("داعش") منذ مارس 2019، عندما خسر آخر معاقله في بلدة باغوز السورية. واليوم يواصل التنظيم نشاطه كجماعة متمردة في مناطق متعددة من البلاد، ويتعامل في الوقت نفسه مع عملية انتقالية في قيادته. وشهدت عدة محافظات هجمات عديدة لتنظيم "داعش" على مدى الأربعة عشر شهرا الماضية: 638 في دير الزور، و 168 في الرقة، و 153 في الحسكة، و 52 في حمص، و 51 في درعا، و 17 في حلب، و 4 في دمشق، وواحدة في القنيطرة.

ووقعت معظم هذه الهجمات ـ وخاصة في عام 2020 ـ في دير الزور، لذلك من المهم أن نفهم سبب القوة الكبيرة للتنظيم هناك. وأحد الأسباب الرئيسية لذلك هو أن المنطقة الحيوية لـ "قوات سوريا الديمقراطية" ـ الكيان الذي يقوده الأكراد والذي أثبت أنه خصم قوي لـ تنظيم "الدولة الإسلامية" على مر السنين ـ تكمن في الحسكة، على مسافة بعيدة إلى شمال البقعة التي تشهد هجمات أكثر من سواها. 

وبالتالي تخوض "قوات سوريا الديمقراطية" اللعبة بصفة "الفريق الزائر" في دير الزور، حيث تفتقر إلى درجة التحكم والدعم المحليين اللذين استغلّهما تنظيم "داعش" هناك. 

بدأت الجماعة الإرهابية في وضع خططها الخاصة بالتمرد منذ فترة طويلة، حتى قبل خسارة الباغوز

وأدى التوغل العسكري التركي في أجزاء من شمال سوريا في أكتوبر الماضي إلى تفاقم هذه المشكلة، مما وفر مساحة أكبر لتنظيم "الدولة الإسلامية" لممارسة نشاطه، بينما حوّلت "قوات سوريا الديمقراطية" قواتها لحماية مجتمعاتها في المناطق الأقرب إلى الحدود. وكان للانسحاب الأميركي الجزئي من سوريا تداعياته أيضا.

وتستغل قوات تنظيم "الدولة الإسلامية" الفرص الناجمة عن ذلك لشن هجمات انتقامية ضد القيادات المحلية، ومهاجمة خطوط إمداد النفط / الغاز، والهجوم على المواكب، واختطاف الناس للحصول على فدية. وقد مكّن التكتيك الأخير قيام التنظيم بالمطالبة بتبادل الأسرى وجمع المعلومات الاستخبارية عبر استجواب الرهائن.

كما تواجه مناطق جنوب غرب سوريا عمليات تمرد متجددة. ومع تجدد العنف بين فصائل المعارضة المحلية والجيش، استغل تنظيم "داعش" هذه الاضطرابات في محاولة لتجنيد عناصر جدد ربما يكنّون الضغينة لنظام الأسد أو الميليشيات المدعومة من إيران أو الجيش الروسي. 

وأفادت بعض التقارير عن وقوع عدة هجمات جنوب القنيطرة، وشمال شرق درعا، وشمال غرب السويداء. وكانت هذه المناطق موطنا للخلايا الناشطة لتنظيم "الدولة الإسلامية" في الماضي، وقد حافظ التنظيم على قدرته على العمل فيها حتى بعد هزيمته على ما يبدو في كل بلدة منها. وفي هذا الإطار، تستدعي درعا الانتباه بشكل خاص لأنها عانت من ارتفاع كبير في عدد الهجمات على مدار الشهرين الماضيين.

العديد من الأطفال هناك أمضوا حياتهم بالكامل إما تحت سيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية" أو عاشوا في ظروف خاصة بالمخيمات، مما يزيد من احتمال التطرف

وهناك قضية عالقة أخرى وهي ما يجب فعله بعناصر تنظيم "داعش" المعتقلين في سجون "قوات سوريا الديمقراطية"، ناهيك عن الآلاف من النساء والأطفال النازحين الذين لا يزالون في المخيمات الواقعة تحت سيطرة "قوات سوريا الديمقراطية".

فالكثير من الدول الأجنبية لم تسترجع بعد مواطنيها من تلك السجون، مما يوجِد احتمالا بتكرار ما حدث في العراق بين عامَي 2012 و2014: أي فرار جماعي لسجناء تنظيم "الدولة الإسلامية". يشار إلى أن عمليات الفرار السابقة في العراق التي حدثت في التاجي وأبو غريب جاءت بعد عدة محاولات فاشلة، لذلك لا يجدر بالسلطات أن تطْمئِن خطأ بعدم حدوث محاولات ناجحة في سوريا حتى الآن.

أما بالنسبة للمخيمات، فقد انخفض عدد سكانها إلى حد ما ولكن ليس بالقدر الكافي ـ على سبيل المثال، لا يزال مخيم "الهول" موطنا لحوالي 65,000 شخص. فالعديد من الأطفال هناك أمضوا حياتهم بالكامل إما تحت سيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية" أو عاشوا في ظروف خاصة بالمخيمات، مما يزيد من احتمال التطرف.

ونظرا إلى تأثيرات مرض "كوفيد-19"، من غير الواضح ما إذا كان هذا الوباء العالمي يفاقم عودة ظهور تنظيم "الدولة الإسلامية" أم لا، لا سيما أنه يصعب الحصول على إحصاءات دقيقة للعدوى في سوريا. 

وحتى الآن، فإن عدد الحالات المحلية المبلغ عنها ليس مرتفعا كما هو الحال في دول المنطقة الأخرى، ويرجع ذلك جزئيا إلى أن "قوات سوريا الديمقراطية" أغلقت معظم أراضيها ونفذت حظر التجول. ولا يبدو أن تحويل الموارد لدواعي الرد على الوباء يعيق عمليات "قوات سوريا الديمقراطية" ضد تنظيم "داعش"؛ وعلى أي حال، بدأت الجماعة الإرهابية في وضع خططها الخاصة بالتمرد منذ فترة طويلة، حتى قبل خسارة الباغوز.

مايكل نايتس

من المحتمل أن يرى تنظيم "الدولة الإسلامية" العراق على أنه جائزة أكبر من سوريا بسبب اقتصاده الأكبر ولأنه يضم ظاهريا مجموعة أوسع نطاقا من المقاتلين المحتملين. 

وحتى الآن، لم يصل التنظيم إلى نفس مستويات القوة في العراق التي تفاخر بها في عام 2014، عندما سيطر على مساحات شاسعة من الأراضي، ولا في عام 2013 حين كان يستعد لانتشاره الكبير (على سبيل المثال، نفذ التنظيم 6,216 هجوما في العراق عام 2013، مقارنة بـ 1,669 فقط في 2019). 

وتشير دراسة جديدة متعمقة للحوادث خلال العام الماضي إلى أن قوة التنظيم كانت أقل بقليل من تلك التي شوهدت في عام 2012، عندما كان يحاول بناء الزخم في المراحل المبكرة من التعافي النهائي من هزيمة التنظيم الذي سبقه قبل سنوات من ذلك التاريخ.

ولا تعطي هذه المقارنة سببا كبيرا للاطمئنان. فقد كانت الزيادة في هجمات تنظيم "داعش" ثابتة منذ الربع الثاني من عام 2019، حيث ارتفعت إلى 566 في الربع الأول من عام 2020 وحده. ويعود ذلك إلى حد كبير إلى تدابير التخطيط والتنفيذ التي يتّبعها التنظيم، والتي وضع إطار عملها منذ وقت طويل. 

ما يزيد الوضع تعقيدا هو مواصلة الميليشيات الشيعية عرقلة الدعم الذي يقدّمه التحالف للجيش النظامي

أولا، أنشأ التنظيم البنية التحتية المادية للتمرد، باستخدامه الكهوف لتخزين المئات ـ إن لم يكن الآلاف ـ من المخابئ التي تحتوي على أسلحة وذخائر ومتفجرات ومعدات أخرى. كما أعاد تنظيم "الدولة الإسلامية" بعض الكوادر الرئيسية من سوريا إلى العراق، علما بأن إعادة إلحاق هؤلاء العناصر (العراقيون بشكل رئيسي) تؤثر على القيادة التكتيكية على المستوى المحلي ـ بما في ذلك تصنيع القنابل على جانب الطريق واستخدامها.

وأصبحت التغيرات المثيرة للاهتمام في نشاط تنظيم "الدولة الإسلامية" واضحة في كل المحافظات العراقية. وتُعتبر محافظة ديالى المصدر الأكثر انتظاما للهجمات منذ عام 2003 ـ وليس ذلك مستغربا نظرا لتضاريسها الطبيعية المعقدة، والوجود المكثف فيها للميليشيات المدعومة من إيران، وحقيقة أن قوات التحالف لا تستطيع الاندماج مع القوات المحلية هناك. 

وشهدت المحافظات التي تتعاون فيها قوات التحالف والقوات المحلية انخفاضا في العنف، وخاصة كركوك. ومع ذلك، بدأت ديالى وجنوب صلاح الدين وبعض أجزاء حزام بغداد تشهد المزيد من الهجمات. من هنا، سيتعيّن على القائد العام الجديد للقوات المسلحة في العراق إيجاد طريقة لمعالجة هذا الترابط بين تزايد عدد الهجمات وغياب دخول التحالف/الحكومة إلى المنطقة.

وبالفعل، يستخدم تنظيم "داعش" "استراتيجية التغلب الريفية" في عدة مناطق من البلاد، محاولا إنشاء معاقل ومناطق محظورة في المناطق الريفية يصعب كثيرا على الحكومة المركزية الوصول إليها. 

ويتوجّه التنظيم إلى المناطق التي تضم أقل عدد من السكان في البلاد، ويعمل على إخلائها أكثر من سكانها، فيتحّدى أساسا القوات العراقية وقوات التحالف على التحرك إلى داخلها. 

وما يزيد الوضع تعقيدا هو مواصلة الميليشيات الشيعية عرقلة الدعم الذي يقدّمه التحالف للجيش النظامي. ويكمن التحدي في المرحلة المقبلة في قدرة تنظيم "الدولة الإسلامية" على انتظار ظهور ظروف أفضل قبل أن يحاول الانبعاث بشكل كامل ـ وفي غضون ذلك يعلم تماما أين بإمكانه الاختباء.

من المرجح أن تؤثر جائحة فيروس كورونا على قوات الأمن العراقية أكثر مما تؤثر على تنظيم "الدولة الإسلامية"

ومن ناحية إعادة الإعمار والاستقرار، لم يتم عمل الكثير في المعاقل السابقة لتنظيم "الدولة الإسلامية" مثل الموصل والرمادي. ويقينا أنه لم يلاحَظ سوى القليل جدا من نشاط مقاتلي تنظيم "داعش" في هذه المدن ـ مما يجعل احتمال تجدد الوجود الجهادي فيها غير مرجحا على المدى القريب. 

ومع ذلك، فإن عدم إحراز تقدم يمكن أن يؤدي إلى زيادة وتيرة التجنيد في المدن المتضررة بشدة على المدى الطويل. وهناك حاجة ماسة لإعادة الإعمار في المناطق الريفية بالنظر إلى الضرورات المزدوجة لإعادة توطين النازحين وحرمان تنظيم "الدولة الإسلامية" من بيئته العملياتية المفضلة. فالتنظيم يفضّل الأماكن الخالية التي يوجد فيها عدد قليل من الغرباء أو المُخْبرين أو قوات الأمن، وهذا وصف ينطبق إلى حدٍّ كبير على الكثير من المناطق المهجورة في العراق في الوقت الحالي.

وبالنظر إلى هذا التفضيل للأرياف وعوامل أخرى، من المرجح أن تؤثر جائحة فيروس كورونا على قوات الأمن العراقية أكثر مما تؤثر على تنظيم "الدولة الإسلامية". وللأسف، قد يضعف هذا السيناريو تصميم المجتمع الدولي على المساعدة في إضفاء الطابع الاحترافي على القوات المسلحة. وإذا لم تتم إعادة إرساء علاقات التدريب بسرعة خلال فترة الوباء العالمي أو بعدها، فسيكون العراق في وضع أسوأ بكثير، وسوف تُقوَّض جهوده لمكافحة التمرد إلى حدٍّ كبير.

أعد هذا الملخص كيفن ماتيسون. أمكن تنفيذ سلسلة برامج منتدى السياسات بفضل سخاء "عائلة فلورنس وروبرت كوفمان".

المصدر: منتدى فكرة

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.