Warda Al-Jazayriah, one of the Arab world's most famous Divas, performs on the steps of the Bacchus Temple in the Roman…
وردة الجزائرية في حفل في بعلبك في العام 2008

من المحرر: توفي الدكتور رياض عصمت بعد إصابته بفيروس كورونا في 14 مايو ٢٠٢٠. وبعد وفاته تبين لعائلته أن الدكتور سبق أن كتب عددا من المقالات التي لم تنشر بعد، لذلك قرر موقع الحرة نشر هذه المقالات تباعا.

يفرح المرء في الغربة حين يصله كتاب باللغة العربية، لأنه يلقي حجرا في بحيرة الذاكرة الراكدة. فوجئت الصبية الأميركية التي حملت لي الكتاب هدية من قريبتها في القاهرة أنني صحت مبتهجا: "هذه سيرة بليغ حمدي وقصة حبه لوردة الجزائرية!".

ضمنت منى البكري، مؤلفة كتاب "رسالة على نوتة موسيقية" صورة الرسالة المرافقة لإحدى باقات الورد التي دأب بليغ على إرسالها لزوجته بانتظام، حتى أن وردة قالت له يوما مداعبة: "بفلوس الورد، يا بليغ، كان زمانَّا بقى عندنا عمارة!" لكن المأساة أن الطلاق كان مصير زواج فني دام قرابة سبع سنوات فقط، بدءا من 11 مارس 1973. 

لكن الحب الذي بدأ بالتوهج تحت الرماد قبل ذلك بعدة سنوات كان أبرز العوامل التي أكسبت ألحان بليغ حمدي سمتها العاطفية القوية منذ "حب إيه" لأم كلثوم، التي طلبت من الموسيقار محمد فوزي أن يلحنها لها لتخرج عن الطابع التقليدي، فرشح لها بليغ بديلا عنه، لتنال "حب إيه" في ديسمبر 1960 نجاحا كبيرا، ثم تنازل محمد فوزي لبليغ حمدي ثانية عن تلحين أغنية "أنساك" بنبل، قائلا لأم كلثوم إن بليغ لحن القصيدة أفضل منه وهو جالس في مكتبه. 

أخذ بليغ يبث عبر ألحانه لأم كلثوم عن بعد مشاعره تجاه وردة التي لم تكتب له الأقدار الاقتران بها، فلحن لها "سيرة الحب"، "ألف ليلة وليلة" و"فات الميعاد." علقت أم كلثوم بعد أن غنت من ألحانه "بعيد عنك" ممازحة: "أنت عاملني كوبري للبنت بتاعتك، يا بليغ؟".

اعترفت وردة بعد وفاة طليقها في إحدى المقابلات أنها لم تكن لتحقق النجاح الساحق في مصر والعالم العربي إلا بفضل موهبة بليغ حمدي الفذة

حين تقدم بليغ لطلب يد وردة، رفض والدها ومعظم أخوتها عرضه بشدة. سرعان ما غادرت وردة مصر مع عائلتها حين أمر الرئيس عبد الناصر بترحيلها إثر إشاعة زائفة عن علاقة تربط المشير عامر بها. 

في الجزائر، تزوجت مسؤولا كبيرا أرغمها على اعتزال الغناء لتصبح أما لطفلين. شاءت الأقدار أن يأمر الرئيس الجزائري هواري بومدين أن تغني وردة قصيدة في عيد الاستقلال في عام 1972. كان المفترض أن يلحن القصيدة الموسيقار رياض السنباطي، لكن مرضه جعله يدعو بليغ حمدي كي يتولى عنه التلحين وقيادة الفرقة الموسيقية في الاحتفال المذكور، خاصة أن بليغ نجح في منافسته ومحمد القصبجي في التلحين لأم كلثوم.

منذ ذلك اللقاء الذي رسمته الأقدار بين بليغ ووردة في الجزائر، صار الخيار أمام وردة إما أن تدفن طموح الفن إلى الأبد، أو تنفصل عن زوجها لتتابع حلمها الفني. اختارت وردة فنها، فحصلت على الطلاق وعادت إلى مصر لتصبح نجمة شهيرة غير متوقعة أن يحرمها زوجها من ولديها طويلا حتى استعادت بصعوبة سماحه لها برؤيتهما. 

كان الزواج بين بليغ ووردة سعيدا في بداياته، لكن تناقض السلوك بين بليغ الفوضوي وبين وردة المنظمة جعل الخلاف يدب بينهما تدريجيا، وأسهم في تعميقه ما أشيع عن علاقات بليغ الغرامية في الإمارات، ورحلاته إلى سوريا، رغم إنكار المؤلفة منى البكري ذلك، داعمة رأيها بحماسة عبر إثباتات وشواهد، وإن كانت واهية.

اتسم طبع بليغ حمدي بالإخلاص لأصدقائه، والتسامح مع من أساء إليه، حتى أنه غفر ذات مرة للملحن محمود الشريف انتقاده الحاد، وذهب إليه بنفسه عندما داهمه المرض ليكلفه بتلحين ثلاث أغنيات لوردة ويسدد له ثمنها سلفا. 

لم يقصر بليغ يوما في زيارة والدته وطلب رضاها، كما احتفظ بعلاقة طيبة مع أشقائه وأبنائهم وبناتهم. ظل بليغ حتى آخر لحظات حياته محتفظا بصورة ابنة وردة التي أحبها كابنته تماما، في حين ظل ابن وردة رافضا له وناقما عليه لأنه اعتبره المسؤول عن حرمانه من أمه. كان الجرح العميق في نفس بليغ أنه لم يرزق بطفل من وردة، التي حملت منه وملأت نفسه بالأمل في أن يصبح أباً.

عرف عن بليغ حمدي حسه الوطني العالي. عقب نكسة 1967 اشتهرت أغنية للمطربة شادية بعنوان "قولوا لعين الشمس ما تحماشٍ" من تلحينه. أما عقب اندلاع حرب 1973 مباشرة، فهرع إلى الإذاعة المصرية بدافع الحماسة ليجمع عددا من الموسيقيين وينتج على حسابه الخاص أغنية لمصر. 

علقت أم كلثوم بعد أن غنت من ألحانه "بعيد عنك" ممازحة: "أنت عاملني كوبري للبنت بتاعتك، يا بليغ؟"

بين أهم نجاحات بليغ وعبد الحليم عدد من الأغاني الوطنية، منها "المسيح" و"عدى النهار"، اللتين شدا بهما "العندليب" على مسرح "ألبرت هول" في لندن. تذكر مؤلفة الكتاب منى البكري نقلا عن باحثة أجنبية أن الرقم الحقيقي لألحان بليغ حمدي يناهز 3000 لحنا. لحّن بليغ موسيقى عدد كبير من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية والإذاعية وكان حلمه أن يطور فن الأوبريت.

اتسم طبع بليغ حمدي بالعفوية والكرم الناجمين عن نشأته في الصعيد، لكن ذلك انعكس على سلوكه الفوضوي، حتى أنه نسي موعد زفافه من وردة وهو بصحبة عبد الحليم في لبنان، ونسي مرة أخرى محمد رشدي في بيروت وعاد وحده إلى مصر. 

في إحدى الحفلات، دأب بليغ على التنقل بين زاويتين مختلفتين منهمكا في الكتابة، فسألته وردة معاتبة عما يفعل. أجاب إنه يلحن أغنيتين مختلفتين، واحدة لشادية والأخرى لنجاة! في حفلة أخرى، لم يتردد في كتابة نوتة خطرت بذهنه على كم قميصه الأبيض. 

إذا عدنا بالذاكرة إلى قيام الموسيقار محمد عبد الوهاب تلبية لرغبة الرئيس عبد الناصر بالتلحين لأم كلثوم أغنيتها الناجحة "أنت عمري" في عام 1964، لأدركنا صعوبة التحدي أمام بليغ في مواجهة "موسيقار الأجيال"، الذي جاراه في التلحين لعبد الحليم حافظ. لحن بليغ لحليم ثلاثين أغنية وربطته معه علاقة صداقة قوية، بالرغم من كون حليم صديقا لملحنين موهوبين آخرين هما محمد الموجي وكمال الطويل، وشريكا لعبد الوهاب في شركة "صوت الفن". لم تكن المنافسة سهلة، إذ كان هناك أيضا منير مراد ومحمد سلطان ومحمود الشريف والسيد مكاوي وعمار الشريعي، إضافة لصلاح الشرنوبي الذي لحن لوردة فيما بعد عددا من أجمل أغانيها.

اعترفت وردة بعد وفاة طليقها في إحدى المقابلات أنها لم تكن لتحقق النجاح الساحق في مصر والعالم العربي إلا بفضل موهبة بليغ حمدي الفذة. لا تقتصر إنجازات بليغ حمدي على 72 أغنية لحنها لوردة ذات العينين السوداوين، منها أغاني بعض أفلامها ومسلسلاتها التلفزيونية، فقد لحن أيضا لمطربات كثيرات، نذكر منهن شادية، فايدة كامل، نجاة الصغيرة، فايزة أحمد، سميرة سعيد، أصالة نصري وميادة الحناوي، (التي كتب ولحن لها أجمل أغانيها "كان يا مكان"، التي حمَّلها رسالة حزنه لفراق وردة). لحن بليغ أيضا لمطربين كثر، منهم محمد رشدي، محرم فؤاد، وديع الصافي، أحمد عدوية، محمد منير، علي الحجار، هاني شاكر، فهد بلان وسواهم. 

اتسم طبع بليغ حمدي بالإخلاص لأصدقائه، والتسامح مع من أساء إليه

تذكر مؤلفة الكتاب أن بليغ هو من أول من أدخل آلة الغيتار الكهربائي إلى الفرقة الموسيقية الشرقية بأداء عمر خورشيد. تعاون بليغ مع عديد من الشعراء، نذكر منهم صديقه محمد حمزة، عبد الرحمن الأبنودي، عبد الرحيم منصور، عبد الوهاب محمد، مأمون الشناوي، مرسي جميل عزيز، أحمد شفيق كامل، سيد مرسي، فضلا عن تأليفه بنفسه كلمات بعض الأغاني. ربطت بين بليغ والصحفيين وجدي الحكيم ومحمود عوض صداقة متينة، فكتب الأخير أبلغ رثاء له.

شن المحافظون في الصحافة حملة ضارية على بليغ بسبب سقوط مطربة مغربية من شرفة منزله، رغم أنه لم يكن متواجدا مع ضيوف حفلته بسبب الإرهاق. خلال وجوده في غرفة نومه، ركضت المطربة إلى الشرفة إثر مشاحنة مع صديقها مهددة بالانتحار، فاختل توازنها وسقطت. صدر حكم قضائي بسجن بليغ عاما، ولم يفلح محاميه في كسب الاستئناف، فاضطر بليغ للعيش في باريس بعيدا عن معشوقته مصر، حزينا ويائسا أمام حملة إعلامية رهيبة شوهت سمعته، إلى أن بدأت صحته بالاعتلال. بعد سنوات من جهود وردة وصديقاتها، وافقت السلطات أن يقضي بليغ ليلته الأولى لدى عودته إلى مصر في منزله ريثما يصدر حكم محكمة النقض. 

لحسن الحظ، صدر الحكم بالبراءة، إنما بعد فوات الأوان. لم يطل الزمان بالفنان مرهف الإحساس ـ الذي قورن بسيد درويش واعتبر أمل الموسيقى العربية ـ فدفع ثمن معاناته باعتلال صحته. أصاب السرطان كبده، ولم يفلح علاجه في باريس، ففارق الحياة في عام 1993 عن عمر ناهز 62 عاما. نقل جثمان بليغ ليشيع في مصر، وودعه في جنازة مهيبة مشاهير الفنانين والإعلاميين وعديد ممن ندموا لإساءتهم إليه. عانت وردة بعد رحيل بليغ من مرض القلب، وظلت مخلصة لذكراه، مشيدة بفضله كفنان وزوج، إلى أن وافتها المنية في باريس في عام 2012. كان ذلك ختام قصة حب بدأت في 11 مارس 1973.

صورة من كتاب "Tom Waits by Matt Mahurin" Copyright: Matt Mahurin

"ما هذا الهراء!؟"

السؤال الاعتراضي الذي باغتني به أحد أساتذتي في جامعة الفنون في برلين، أثناء تواجده الأسبوعي في استديو العمل الخاص بي والمشترك مع أربع طلاب آخرين. للوهلة الأولى اعتقدت أنّه يتحدّث عن لوحتي المعلقة على الحائط.

في تلك اللحظة، كان الوصف ليكون أكثر تقبّلاً من قبلي على أن يكون تجاه الموسيقى التي تدور في فضاء الاستديو. مشيراً بإصرار مع ابتسامة فوقيّة تجاه هذا النوع من الموسيقى على أنّها تمثّل الهبوط والقاع في أحسن أحوالها. دون أن يستفيض لماذا، وعلى ماذا استند يقينه بأن ما يُسمع في تلك اللحظات من موسيقى تصدح من مكبّر الصوت هو "هراء"!

لماذا يتفق الجميع على أشياء تبدو عاديّة دون أي ذبذبات مثيرة للاهتمام من قبلها، لكن الإجماع على علوّ قيمتها بصريّاً أو سمعيّاً يحوّلها أتوماتيكيّاً إلى موضوع جيّد متفق عليه؟ غريب! وأي اعتراض عليها يحمّل صاحبها بصفة "الذائقة السيئة"، أو توجيه تهمة "الرغبة في التميّز عن السائد لمجرّد الاختلاف" التمييز بمعناه المفرغ من محتواه.

مثلاً قول أشياء من قبيل: "لا أحب موسيقى بيتهوفن" أو "صوت فيروز يدفعني للوقوف على جرف جبل ورمي نفسي عند لحظة تأوهها بكلمات الحب والوله للحبيب المجهول!" التفوّه بهذه الأشياء يشبه المساس بالمقدّسات، يحتاج إلى القليل من المخاطرة في الإفصاح عنه. لا أعني المخاطرة بما تحمل الكلمة من مفاهيم أسطوريّة، أعني الدخول في سجالات لا جدوى منها.

"أوكي، نزيف في الأذنين في أسوأ الأحوال!" أجبته ورفعت صوت الموسيقى أكثر وأكملت الرسم الأوّلي لـ باطن قدمي الأيمن بقلم الفحم العريض، بخطوط سريعة عشوائيّة يُكمِل سرعتها صوت "توم وايتس" مردّداً عبارات متتالية مع انقطاع ملحوظ في الشهيق والزفير "الله غائب، الله غائب، الله غائب في عمل" (God's Away On Business)

 الكتاب المصوّر "وايتس/كوربيجن 77-11"

كانت الصورة الأولى الملتقطة من قبل المصوّر والمخرج السينمائي الهولندي أنطون كوربيجين لتوم وايتس، والتي تعود لعام 1977 في هولندا نقطة البداية التي ساهمت فيما بعد بتعاون فنّي دام سنوات طويلة.

التعاون الذي بدأ بالتقاط صورة باللون الأحادي، الطابع الذي تم اعتماده فيما بعد ليكوّن أغلبية المشاهد المتدرّجة بتكثيف لوني بين مختلف درجات السواد والرمادي والبياض الخارج عن نقائه المعتاد. التدرّج الذي كان له دور في خدمة سياق المشاهد وعبثية تشكيلها. جُمعت المشاهد في أرشيف موثّق ليتم إطلاق مجموعة مصوّرة بكتاب واحد تحت عنوان:  "وايتس/كوربيجن77-11" الكتاب الصوري المصنوع غلافه من الكتّان.

يضم الكتاب أكثر من 275 صفحة لمشاهد تمّ التقاطها على مدار ما يقارب 35 سنة. توثيق لحياة وايتس بين عمر الـ 27 لـ 61 تقريباً. المفارقة أن تسلسل المشاهد يختلف زمانياً ويبدو الأمر جليّاً في ملامحه، التجاعيد، بعض الانحناءات والاكتناز في بعض مناطق جسده، ثقل الحركات البلهوانيّة التي أصبحت أكثر انضباطاً من مشهد لمشهد، لكن اللعب واللهو والسحر في حركاته لم يخفت نهائيّاً، إن قلّ ارتفاعه وجنونه في المشاهد المصوّرة في عمرٍ أصغر. يتسلّق أغصان الأشجار، يعتدي على البرك المائيّة الراكدة بقدمين حافيتين، وعلى وجهه تعابير تسخيف طفوليّة لكل ما هو موجود، وكأنما جسده يؤدي دور المقاوم أمام التقدّم في العمر. مقاومة جسديّة ساخرة أمام تدفّق الزمن المتسارع الجدي. التحرّر من سلطة الوقت والنضج بروح الدعابة المحارب أحياناً في عدد من المنصات الثقافيّة والفنيّة على أنها تقليل من قيمة ومعنى كل من يتورّط في هذه المجالات.

تتنوّع المشاهد بين عناصر مختلفة من نسور وأشجار عارية مائلة متدليّة نحو ظلّها، تكاد تبدو ميّتة.

غربان وشوارع فارغة وحصان ثابت كأنه دمية أو زينة موضوعة كتجهيز فنّي إلى جانب سيارة مركونة، تستدعي للتساؤل عما إذا كانت مصادفة أم عن قصد وجود عنصرين يشكلان مفارقة زمانيّة وتاريخيّة.

بقع متفشية مجهولة التكوين. ظلال بشريّة والكثير من العناصر المجتزأة من سياقها. ولكن المشترك بين هذه الأشياء؛ ثباتها ضمن فضاء يحتضن عنصرا أساسيا مفعما بالحركة، جسد توم وايتس المتسم بالخفّة، المتحرّر من كادر الصورة. وجهه وحركاته البهلوانيّة الهائمة في الهواء. إن لم يكن جسده فظلّه. إن لم يكن ظلّه، تتفاجأ بأن الصورة ملتقطة عن طريقه متعدّياً على صديقه المصوّر لكي يضعه خارجاً، مبعداً إياه عن أي صلة بالنتيجة البصريّة المحتملة أو النهائيّة.

تتضّمن بعض الصور اقتباسات من بعض أغاني وايتس، سطور نثريّة أو عناوين طويلة تبدو كأنها نصوص قصيرة جدّاً لوصف الصورة أو لإكمال كادرها لغويّاً. غالبية الصورة غير مجهزة، لكن حتى المشاهد المجهزة تبدو ساحرة غير مفتعلة أو بالغة في التركيب كالمشهد المصوّر في أحد شواطئ أوروبا معلّقاً كرسيّا خشبيّا حول رقبته، وممسكاً بآلة موسيقية نفخيّة أقرب إلى رأسه موازية لكتفه في يد، وآلة الكمان في اليد الأخرى الأقرب إلى القسم الأسفل من جسده باتجاه الأرض.

أكثر من 50 صفحة موزعة تضم صور التقطها وايتس بنفسه، تكمن الدهشة في هذه الصور بأنها ليست احترافيّة، مشاهد أكثر استرخاء، خارجة عن نطاق قواعد الصورة، أنصاف كوارد، مائلة قليلاً. تماماً كما يبدو وايتس في مقابلاته ومقاطع الفيديو المرافقة لموسيقاه المغناة.

جسد منتشٍ، مترنّح من تأثير الكحول. مسترخٍ على كرسي في مقابلة تلفزيونيّة، غير مهتم لقواعد المقابلات المعتادة بأن يكون ثابتا، لمّاحا، حاضر للإجابة. لا على الإطلاق، لا يهتم بالفضاء المحيط به وأنه محط أنظار، يبحث عن عود ثقاب ليشعل سيجارته بينما المقدّم والجمهور الحاضر ينتظر إجابته.

يأتي الكتاب مكمّلاً وليس منفصلاً عن موسيقى وايتس، تلك الموسيقى التي تستدعي وجود وقت يجري بانسيابيّة وتدفّق، دون معرفة زمانه المحدّد. موسيقى مختلطة يقطعها صوت صارم كمنشار منمّق، صعوداً وهبوطاً كأنه منبّه للابتعاد عن نمطيات الموسيقى المعتادة مع صوت المؤدّي الذي يكون عادةّ مدروسا ومضبوطا مع قواعد الموسيقى.

مشاهد كوربيجن تتسم بأسلوب اللعب واللهو. تنمو تباعاً وفقاً لجاهزيّة جسد وايتس في تطويع العناصر المحيطة به. هنا يظهر أسلوب كوربيجن في قدرته  والمهمة الشاقة قليلاً في الرغبة على إظهار أسلوبه الخاص بالتوازي مع موضوع متحرّك غير قابل للسيطرة كوايتس، سواء سيطرة جسديّة أو على أفكاره التي من الواضح أنه يبتكر معظمها دون استشارة أو الرجوع لمن خلف عدسة الكاميرا.

يبني كوربيجن نظريته الخاصة في اختيار وايتس ليكون محورا لمشاهده على مدار ثلاثة عقود من عمريهما معاً، مبتعداً عن الجانب الشخصي الوثيق بينهما ليكون سببا هامشيا وليس أساسيا رغم التطوّر المرافق للسنوات التي تمت أرشفتها فيما بعد لتجمع بكتاب مصّور. آخذاً عدّة تشعبات وأبعاد متفاوتة الأشكال. العلاقة الثنائيّة الفنيّة المرتبطة بأداة ثالثة خارجيّة جامدة بينهما وهي آلة التصوير. إنّ تموضع وايتس أمام العدسة والتصرّف بتحرّر وكأنه لوحده وبذات الوقت قدرته على تطويع نفسه بما تحمل من مزاجيات مختلفة لـ للمصوّر وأداته أحد الأسباب، ولعله الجوهري، في استمرارية ديمومة عملهما معاً لسنوات متتالية.

"من الصعب التقاط أو توثيق حياة شخص من خلال الصور لمدة تتجاوز الثلاثين سنة، هو فعل موجود في الأوساط الفنيّة أو الثقافيّة، لكن ليس شائعاً. عملنا معاً تطوّر كما تتطور الأشياء بمسارها الطبيعي، أي المسار غير المثالي، وهذا الأمر الجميل بذاته، الشوائب والأخطاء وسوء التفاهم. كلٌ منّا كان جديّاً تجاه عمله، لكن عندما يأتي الأمر للعمل سويّا، يختلف الأمر قليلاً ونصبح كالأطفال، متحرّرين من القوانين التي تسود عالم الناضجين" (كوربيجن معلّقاً عن الكتاب.)

 

Photo from the illustrated book "Tom Waits by Matt Mahurin". Copyright: Matt Mahurin

 

يتركنا الكتاب بما يحتوي من مشاهد للتساؤل عن طبيعة الفعل الأدائي لوايتس بوجهة نظر بصريّة مختلفة. مصورون/ات، أو فنانون/ات آخرون. لتأتي صور ورسومات غرائبيّة متداخلة بعوالم مختلفة شكّلها خيال مات ماهورين. أنصاف بشريّة بأطراف آلية، شخصيّات تحرّرت من سلطة الشكل الاعتيادي للأجسام البشريّة التي من السهل توقع حركاتها ومعرفة فعلها وردة فعلها على السواء. مات ماهورين مصوّر، رسام ومخرج أفلام، وأغاني مصوّرة لفرق موسيقيّة كفرقة "ميتاليكا".

يبدو وايتس بأسلوب ماهورين مختلفاً تماماً عن أسلوب كوربيجن. وايتس بصوره جزء من كُل، هذا الكل يأتي في سياقات مختلفة لكن مكمّلة لبعضها في المشهد الواحد، بخاصيّة زمنيّة كأنها قصة تجري أحداثها أو مسرحيّة بشخوص تمارس أفعالها اليوميّة. سواء أكان رسماً أم تصويراً. حيث كل تفصيل له دلالة ورمزية ومبرّر دراميّ يفسّر تموضعه في اللوحة أو الصورة. بعكس الأجواء الموجودة في صور كوربيجن، التي تبدو كأنّها التقطت خصيصاً لإظهار وايتس وتوثيق حركات جسده ووجه كعنصر أساسي يَصعُب التخلّي عنه، أما بقيّة الكادر مهمّش، أقرب إلى الديكور من السهل اجتزاؤه، تبديله أو التخلّص منه على حساب وايتس.