A healthcare worker sits on a bench near Central park in the Manhattan borough of New York City, U.S., March 30, 2020. REUTERS…
عاملة في المجال الصبي تجلس على أحد المقاعد في سنترال بارك في نيويورك

فيم يطلق الأطباء حول العالم تحذيراتهم الآمرة بالتباعد الاجتماعي التام والانعزال المنزلي، وفيم بدأت معظم حكومات العالم بمساندة هذه التحذيرات بإعلانات حظر تجول وبتفعيل عقوبات للمخالفين، تغلب الطبيعة البشرية كثير منا فتجدهم ينحون لافتعال أسباب للخروج، متواصلين بالشكاوى أو المزاح حول صعوبة العزل المنزلي وما يتسبب به ذلك لهم من تداعيات حقيقية أو افتعالية كوميدية. 

وفيم أنه لا بد من تقدير الطبيعة البشرية التي تعاني تحت أي صورة من صور العزلة والحبس بحكم تشكيلها التواق للاندماج والتواصل، وفيم أن الكثير من المعاناة تحت الحبس والعزلة هي حقيقية بل وقد تكون على درجة من الخطورة، ففي الغالب، أن التباعد والانعزال هما في الواقع انعكاسا لرفاهية لا تتوافر إلا للبعض منا في هذه المرحلة الوجودية المصيرية من تاريخنا البشري.

تحضرني قصة لشاب مصري يعيش وحيدا في ميلانو، في إيطاليا، وكيف أن الوحدة مصحوبة بمرور الساعات الثقيلة قد بدأت تزن ثقلا على روحه ونفسه خصوصا وهو بعيد ومعزول عن كل أهل أو صحبة، وخصوصا بعد أن خفت كثيرا، حد الانقطاع، العادة الإيطالية للغناء في البلكونات تواصلا وتحابا بين المعزولين، والتي كانت حسب شهادته تخفف عنه كثيرا، وهي عادة انقطعت مع ارتفاع أعداد الموتى بين الإيطاليين، حتى لا يكاد يخلو حي من نكبة فقد. 

هناك الأطباء والممرضون الذين يفرض عليهم شرف المهنة أن يستمروا في العمل

لا بد أن معاناة هذا الشاب في وحدته كبيرة جدا، مؤثرة جدا، بلا أحبة يتواصلون معه ويتواصل معهم، في أرض غريبة، وفي عزلة تامة. ورغم ذلك، رغم أن قلبي يذهب إليه ومن يحيون نمط حياته الموحشة، لا زلت أقول، بما أنهم يستطيعون اختيار العزلة، فهذه القدرة في حد ذاتها هي نمط حالي من الرفاهية المستوجب حمدها.

بالتأكيد، لا توجد رفاهية، بالمعنى الحقيقي للكلمة، تحت هذه الظروف لأي منا كبشر، حتى بالنسبة لأغنى الأغنياء الذين يحبسون في بيوتهم الأشبه بالمنتجعات، فالوحدة لها ذات الطعم أينما كنا، والانعزال والحبس لهما ذات القسوة على النفس، وإن كان هذا الطعم وتلك القسوة بدرجات متفاوتة. 

إلا أن المقصود أن هناك من البشر من هم محرومون من القدرة على اختيار العزلة، على تفعيل حبس أنفسهم ليحموا أرواحهم التي هي حاليا أثمن ما يمتلك أيا منا على سطح الأرض. 

Afghan Taliban militants and villagers attend a gathering as they celebrate the peace deal and their victory in the Afghan…
الجهاديون وأوهام النصر الإلهي
لطالما تعجبت من إيمان المجاهدين المطلق بأنهم "جند الله" ومن اعتقادهم الجازم بأن الله معهم وأنه لا محالة ناصرهم على أعدائهم ومتم نوره على أيديهم إن هم أخلصوا النية له والتزموا بأوامره واجتبوا نواهيه مهما قل عددهم وتواضعت خبراتهم الحربية وضعفت إمكانياتهم العسكرية.

هناك الذين لا يستطيعون الانقطاع عن أعمالهم تأمينا للقمة العيش يوما بيوم. هناك هؤلاء المشردين، الذين ينامون في الشوارع الذين لا سقف لهم ينحبسون أسفله لتتأثر نفسياتهم من كتمانه، لربما أقصى أمنياتهم اليوم هو شيء من هذا الكتمان. 

هناك الذين يحيون في مخيمات اللاجئين، تتلاصق خيمهم وتختلط أجسادهم وأجساد صغارهم بلا أي مقدرة على فصل آمن يحميهم من بعضهم البعض، يعيشون ليس فقط خوفا من فيروس قاتل، بل يؤنسون هذا الخوف بمعاناة الجوع والعطش والبرد وشظف الحياة. 

هناك الذين ينامون في المقابر، تحت الجسور، في مقالب الزبالة، يتمنون لو ينعزلون فلا يستطيعون، يترجون وحدة بين أربعة حوائط فلا يجدون. هناك عمالة فقيرة، تعيش بالعشرات محشورة في غرف صغيرة بلا تهوئة، بلا حماية، بلا أقل درجات النظافة الصحية. 

وهناك الأطباء والممرضون والكوادر التمريضية الذين يفرض عليهم شرف المهنة، وتضغطهم أوامر الحكومة أن يستمروا في العمل، مثلهم في ذلك مثل بقية المهن الحساسة التي يخرج أصحابها لتأدية واجباتهم تسييرا للحياة في أقل متطلباتها رغم ما يعرضهم إليه خروجهم من مخاطر وضغوطات نفسية وجسدية. 

بكل تأكيد، ليس هناك ضغوط ومخاطر مثل تلك التي يتعرض لها الأطباء والممرضون والكوادر الطبية والإدارية للمستشفيات والمراكز الصحية. هؤلاء يضعون أياديهم في عش الدبابير، يعملون في منطقة الصفر، يذهبون إلى حيث الموقع الذي نهرب منه جميعا، يواجهون عمدا ما نسعى نحن لتفاديه بكل قوانا، يلمسون ما ينصحوننا بأن لا نقرب، يتنفسون الهواء الذي يؤمروننا أن نتلافى، هؤلاء، ليس لديهم رفاهية الملل وحظوة قسوة الانعزال، أراهم يتمنون هذين ولا يحظون بهما.

يحضرني هذا المقطع التصويري الذي انتشر قبل فترة لطبيب يصل إلى بيته بعد يوم عمل فيركض طفله الذي لربما يبلغ الخمس سنوات باتجاهه، إلا أن الأب يتراجع خطوات للخلف هاتفا: لا، لا. يتراجع الصغير بتوجس ويركع الأب على ركبتيه باكيا. لربما هذا الطبيب الأب يتمنى هذه العزلة التي نتململ منها، لربما يترجى أن يحظر ويحبس مع أسرته، فيستطيع أن يحتضنهم إلى صدره، أن يقبلهم، أن يلمسهم، أن يأتي هذه الأشياء الإنسانية البسيطة التي نأخذها نحن كتحصيل حاصل، والتي هي اليوم عزيزة على الكثيرين منا.

هناك من البشر من هم محرومون من القدرة على اختيار العزلة

لا أقلل طبعا من حجم المعاناة الإنسانية، والبشرية كلها واقعة تحت الحظر والحبس والانعزال الإجباريين. الضغط النفسي كبير، المعاناة شاسعة ومتنوعة، فتعاملنا وردود أفعالنا تجاه عزلنا تختلف جميعها، قوانا على التعامل مع الظروف ومع الوحدة ومع الحبس متفاوتة، وظروفنا الأسرية والبيتية والاقتصادية والاجتماعية كلها مختلفة بما يباين من ردود أفعالنا النفسية والانفعالية. 

فالحبس والانعزال سيكونان مؤذيان جدا لمن يعانون من العنف الأسري، من الاضطرابات النفسية، من الوساوس القهرية وغيرها من الظروف التي تجعل هذا العزل مهمة صعبة جدا. 

لكن يبقى علينا جميعا أن نتذكر أن الحقيقة الراسخة في خضم كل هذا، ومع بعض الاستثناءات الموضحة أعلاه، هي أن قدرتنا على أن نختار وننفذ العزلة والتباعد هي قدرة مرفهة، حمتنا بها ظروفنا الاجتماعية والاقتصادية وحظنا في الحياة من خطر الفيروس المحدق. 

في القادم من الأيام حين تضيق بنا أنفسنا، وتظلم الدنيا في أعيننا، وتتطير أرواحنا توقا للخروج ولقاء الأهل والأحباب، لربما نتذكر هذا النائم في عراء الشارع، هذه المكلومة في خيمة لاجئين، هذا المحشور بين عشرات العمال في غرفة ضيقة، هذا الطبيب الذي يدفع صغيره بعيدا، لا يستطيع أن يأخذه إلى حضنه، نتذكرهم، نصلي لهم، ونحمد أقدارنا التي جعلتنا قادرين على رفاهية العزل. دمتم بأمن وأمان.

Syrians demonstrate on October 25, 2019 in the rebel-held city of Idlib in northwestern Syria in support of Lebanon's massive…
تظاهرة في إدلب تطالب لدعم مطالب اللبنانيين والعراقيين بدولة مدنية

لم تعد جائحة كورونا (كوفيد-19) مجرد فيروس يهدد حياتنا ويختبر الأنظمة الصحيّة في دول العالم، وإنما بات فرصة لإعادة تقييم النظريات والأفكار التي تحكم عالمنا. ويختصر الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس الموضوع بقوله: "إن هذا الوباء يفرض على الجميع تحديا فكريا".

السجالات الآن تبحث تقييم الطروحات الفكرية التي كنا نعتقد بأننا قد تجاوزنا النقاش بشأنها مع نهاية القرن الماضي. وتحاول الصحافة استطلاع آراء كبار الفلاسفة والمفكرين بشأن مستقبل العالم والأفكار التي تحكمه، إذ نشرت مجلة الدوحة القطرية حوارات مع ثلاثة أهم مفكرين معاصرين، هم كل من فرنسيس فوكوياما، وألان تورين، وإدغار موران. فيما اهتمَّ مدونون في صفحات التواصل الاجتماعي بطروحات هابرماس، ونعوم تشومسكي، وسلافوي جيجيك، وقد نشر آرائهم وطروحاتهم الكاتب والصحفي العراقي علي حسين في صفحته على فيسبوك.

جميع الآراء والنقاشات تدور حول مستقبل الليبرالية والديمقراطية والرأسمالية والعولمة والفاعلين في النظام العالمي، ويبدو أن المفكرين العرب غير معنيين بهذه النقاشات، فهم منشغلون بتركيب وتفسير نظريات المؤامرة. وبدلا من التفكير بمستقبلهم فضَّلوا الرجوع إلى ما يُجِدونه فعليا، ألا وهو الترويج للنموذج النظام السلطوي والشمولي في تعاملهِ مع جائحة كورونا، والشماتة بالأنظمة الديمقراطية واعتبار الجائحة عقوبة ربانية.

الأولوية يجب أن تكون لقضايا العدالة الاجتماعية، وليس للشعارات والأيديولوجيا. وهنا تحديدا ستكون نقطة الافتراق عن حركات الإسلام السياسي التقليدية

وبما أن المنطقة العربية لا تريد مغادرة السجال بشأن مستقل الإسلام السياسي، فيبدو أن استحضار أطروحة ما بعد الإسلاموية، التي طُرحَت للنقاش بعد أحداث "الربيع العربي"، ربما هي الوحيدة التي تستحق التفكير بها، والعودة إلى مناقشة مستقبلها في العالم العربي بعد الانتهاء من وباء كورونا، الذي ستكون نتيجة الحرب معه لصالح التطور العلمي.

يعد أهم من طرح مفهوم "ما بعد الإسلاموية" الباحث الفرنسي أولفييه روا، والباحث الأميركي ذو الأصول الإيرانية آصف بيات. وحاول الأخير تأصيل هذا المفهوم بيان أسسه وركائزه. وتشير ما بعد الإسلاموية عند بيات إلى عملية مركّبة تسعى للانقطاع عن الحزمة الأيديولوجية الإسلاموية التي تختزل المشروع السياسي الإسلامي في إقامة دولة دينية تطبق حكم الشريعة، فهي تدعو إلى قطيعة خطابية أو ذرائعية من هذا النموذج الإسلاموي. وتطرح بديلا عنه يتبنى الالتزام بمشروع ديني مغاير وأكثر استيعابا يستمر فيه الإسلام كدين وكمكوّن للمجال العام.

تؤكّد "ما بعد الإسلاموية" على دمج التدين بالحقوق، والإيمان والحريّة، والإسلام والتحرر. إنها محاولة لتجاوز الإسلامية من خلال بناء مجتمع تقي صالح في إطار دولة مدنية غير دينية. وحسب بيات، فإن أبرز تمثلاتها هو القدرة على "صهر الدين بالحريات الشخصية، وتحقيق التوافق بين الإسلام والحداثة وقيم الديمقراطية".

وتُعبّر "ما بعد الإسلاموية" عن الحالة السياسية والاجتماعية التي أعقبت مرحلة التجريب واستنزفت فيها جاذبية وطاقة ومصادر شرعية الإسلاموية، حتى بين من كانوا مؤيديها المتحمسين، مشروعا واعيا لتأطير مفاهيم، ولوضع استراتيجية لبناء منطق ونماذج، متجاوزة المجالات التي أخفقت فيها الإسلاموية فكريا وسياسيا واجتماعيا.

"ما بعد الإسلاموية" هي محاولة لتجاوز الإسلامية من خلال بناء مجتمع تقي صالح في إطار دولة مدنية غير دينية

وبهذا المعنى فهي ـ أي ما بعد الإسلاموية ـ ليست علمانية أو معادية للإسلام أو غير إسلامية. وإنما تمثل سعيا نحو دمج التدين بالحقوق، والإيمان بالحرية، والإسلام بالتحرر. "إنها محاولة لقلب المبادئ المؤسّسة للإسلامويّة رأسا على عقب من خلال التأكيد على الحقوق بدلا من الواجبات، ووضع التعدُّدية محل سلطوية الصوت الواحد، والتاريخية بدلا عن النصوص، والمستقبل بدلا عن التاريخ".

ويمكن اختزال أطروحة ما بعد الإسلاموية بتجاوز مواقف وطروحات الإسلام السياسي التي تتعارض مع منطق الدولة الحديثة، وترفض التصالح مع واقعها المعاصر. وكذلك تجاوز التعاطي الانتقائي مع الديمقراطية واعتبارها أداة للوصول إلى سدة الحكم والبقاء فيه. والأهم من ذلك، مغادرة طروحات التيار الإسلاموي الإحيائي المنشغل بأزمة الهوية والدعوة إلى أسلمة الدولة والمجتمع.

إذن، التفكير ومقاربة ما بعد الإسلاموية يجب أن يكون من منظور تصارع نموذجَين في التعامل مع واقع المجتمعات الإسلامية؛ الأول يفكر ويدعو إلى استعادة الخلافة الإسلامية بنموذجها المعاصر الذي قدمه تنظيم "داعش" الإرهابي. أما الثاني فهو يحاول التأسيس والدعوة لنظرة واقعية مع الدولة الحديثة والديمقراطية بمبانيها الفكرية والمؤسساتية.

إذا كان الغرب منشغلا بعالم ما بعد كورونا، ويناقش فلاسفته ومفكريه السياسات الناجعة في مواجهة هذا الوباء والعودة إلى تقييم هيمنة الاقتصاد الرأسمالي، فإننا كعرب لا نزال متأثرين لا فاعلين في نظام العولمة. وأنظمتنا تتعامل بطريقة (الوصاية الأبوية) على مجتمع تفترض بأنه غير مدرك لمصلحته. فإذن علينا الانشغال والتفكير العملي بمستقبل حركات الإسلام السياسي، لأنها إما تحاول أن تفرض نموذجها على المجتمع والدولة، أو تحاول الأنظمة الحاكمة التي تتنافس معها على الحكم تسويقها على أنها خطر يهدد الاستقرار والتنمية!

تؤكّد "ما بعد الإسلاموية" على دمج التدين بالحقوق، والإيمان والحريّة، والإسلام والتحرر

ما بعد الإسلاموية هي تعبير عن الحركات الإسلامية التي تعبّر عن جيل جديد يؤمن بالاعتدال ويتمسك به طريقا لممارسة العمل السياسي. ويعتقد الأولوية يجب أن تكون لقضايا العدالة الاجتماعية، وليس للشعارات والأيديولوجيا. وهنا تحديدا ستكون نقطة الافتراق عن حركات الإسلام السياسي التقليدية. ولعلَّ هذا النقاش والاختبار الحقيقي لأطروحة "ما بعد الإسلامية" قد يتصدّر سجالاتنا الفكرية في مرحلة ما بعد جائحة كورونا.

إذ تشكل أطروحة ما بعد الإسلاموية تمهيدا يحدد الخارطة الفكرية للحركات السياسية الإسلامية في تعاطيها مع مفاهيم الدولة والنظام الديمقراطي، وقد تشكل المحور الرئيس في نقاشات الفكر السياسي الإسلامي من خلال تأسيس نظري يرتكز على حسم إشكاليات التداخل بين المسألة السياسية والدينية، بعيدا عن المباني العقائدية التي باتت تتحول إلى أيديولوجيات جامدة لا تتلاءم مع الواقع. وهنا يقول أولفييه روا "ليست المسألة بمعرفة ما يمكن تعلمه من الماضي، بقدر ما هي معرفة كيف يعاد بناء الإسلام على أيدي المسلمين".

ختاما، الغرب لم يناقش أفكار ونظريات لم يكن لها تطبيق على أرض الواقع، فالفيروسات قد تتشابه مع الأفكار والنظريات السياسية، فكلاهما لا يمكنهما العيش والاستمرار في الفضاء العام إلا من خلال التماهي مع كائن حي، فإذا كان الفيروس طفيليا لا يمكنه العيش إلا باقترانه بجسم حي، كذلك الأفكار لا يمكن تقييمها وبيان معيارية صوابها من خطائها إلا بتفاعلها مع حياة المجتمعات والشعوب.