A handout picture released by Iraq's Prime Minister's Media Office on June 10, 2020, shows Prime Minister Mustafa Kadhimi (3-R)…

"في 12 يونيو، عقد معهد واشنطن منتدى سياسي افتراضي مع منقذ الداغر وباربارا ليف وبلال وهاب. وداغر هو أحد المحللين السياسيين البارزين في العراق ومستشار لكبار المسؤولين الحكوميين والحزبيين. وليف هي "زميلة لابيدوس" في المعهد، وشغلت سابقا منصب نائبة لمساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون العراق، بالإضافة إلى العديد من المناصب الأخرى في المنطقة. ووهاب هو "زميل فاغنر" في المعهد حيث يركز على الحكم في "إقليم كردستان" وبغداد. وفيما يلي ملخص المقررة لملاحظاتهم".

منقذ الداغر

انطلق الحوار الاستراتيجي الثنائي في الوقت الذي تتعرض فيه الحكومة العراقية الجديدة لضغوط داخلية شديدة، وتواجه مطالب لإنهاء الوجود العسكري الأميركي وتشارك في مناظرات سياسية مختلفة أخرى. وعلى الرغم من عدم تمتع رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بميزة [ترؤس] كتلة برلمانية كبيرة لدعم أجندته، إلا أنه برز كمرشح وسط لقيادة العراق نحو نظام سياسي عملي على نحو أكبر.

وتوفر بيانات الاستطلاعات الجديدة من المنطقة معلومات حول مدى قدرة الكاظمي على الاستفادة من التأييد الشعبي خلال إجرائه محادثات وتفاوضه مع المسؤولين الأميركيين. ففي أحد الاستطلاعات، أعرب نحو 63 في المئة من المجيبين العراقيين عن تأييدهم [لطريقة إدارته للبلاد خلال] شهره الأول في منصبه. وتعارضت النتائج مع تلك التي حصل عليها سلفه عادل عبد المهدي، الذي حصل على دعم 36 في المئة فقط خلال شهره الأول في المنصب. ولا يزال من السابق لأوانه إجراء تقييم حقيقي لأداء الكاظمي، إلا أن الأرقام تعكس ثقة الشعب بقدرته على مواجهة التحديات التي تواجه العراق.

يتعيّن على العراقيين أن يساعدوا أنفسهم أولا من خلال إظهار ما يكفي من الإرادة السياسية لتنفيذ إصلاحات فعالة والحد في الوقت نفسه من النفوذ الإيراني

لقد تغيرت مواقف الشعب العراقي تجاه إيران والولايات المتحدة إلى حد كبير خلال السنوات الثلاث الماضية، مما يشير إلى ظاهرة جديدة في الساحة السياسية العراقية. فقد تراجعت وجهات النظر المواتية لإيران من 50 في المئة في عام 2017 إلى 15 في المئة حاليا، في حين بقي تأييد الولايات المتحدة ثابتا عند حوالي 30 في المئة. وبالمثل، في حين أدرج 74 في المئة من المستطلعين العراقيين إيران كشريك موثوق به في عام 2017، انخفضت تلك النسبة إلى 14 في المئة فقط هذا العام.

ولا شك في أن الحوار الأميركي ـ العراقي يركّز على السبل التي يمكن للحكومتين من خلالها خفض معدل الفساد في العراق، لأن الشعب عبّر عن استيائه الكبير من هذه القضية خلال مظاهرات حاشدة شهدتها البلاد قبل تولي الكاظمي رئاسة الوزراء. ولا يمكن تحقيق الإصلاحات الاقتصادية المصممة لضمان الشفافية والنمو المستدام إلا من خلال تعزيز الاستقرار، وبإمكان المسؤولين الأميركيين القيام بدور حيوي على هذا الصعيد أيضا. 

ومع ذلك، عليهم استخلاص العبر من الجهود العراقية السابقة لمكافحة الفساد؛ فتكرار الأخطاء التي ارتكبتها "سلطة الائتلاف المؤقتة" والحكومات العراقية السابقة لن يؤدي سوى إلى تقويض الدعم الذي يحظى به الكاظمي ويلحق الضرر باحتمالات الإصلاح الفعلي.

ومن هذا المنطلق، يتعيّن على العراقيين أن يساعدوا أنفسهم أولا من خلال إظهار ما يكفي من الإرادة السياسية لتنفيذ إصلاحات فعالة والحد في الوقت نفسه من النفوذ الإيراني. وسيتوقف الدعم الأميركي إلى حدّ كبير على قدرة حكومة الكاظمي على مواجهة هدف طهران المتمثل بتعزيز مناطق نفوذها المحلية.

باربارا ليف

يُعتبر "الحوار عبر تطبيق زوم" الذي أُطلق في 11 يونيو خطوة ناجحة وضرورية في المجال السياسي. وللتذكير، كان السياق السياسي العراقي محموما، على الأقل منذ يناير، بسبب الاغتيال المستهدف لكل من قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، والتصويت الرمزي في مجلس النواب العراقي على طرد القوات الأميركية، ومحاولات فاشلة عديدة لتشكيل حكومة جديدة في بغداد، وجائحة "كوفيد-19"، والانخفاض اللاحق في أسعار النفط. 

وفي واشنطن، سادت حالة من الغضب حول الاستهدافات المتواصلة التي تنفذها الميليشيات العراقية والتي أدّت إلى انسحاب موظفي حلف "الناتو" ودمج كبير للوجود العسكري الأميركي، ناهيك عن الانتخابات الرئاسية الأميركية الوشيكة والضغوط القائمة منذ فترة طويلة لإعادة القوات الأميركية إلى وطنها.

وعلى الرغم من كل هذه المشاكل، أرغمت الجائحة المسؤولين بشكل قابل للفهم على حصر الحوار ببعض المسائل الاقتصادية والأمنية الأساسية. فبالنسبة للعراقيين، ساعد هذا الحوار على نزع فتيل السياسة المشتعلة المحيطة بفكرة تنظيم حدث ثنائي. كما ركّز على الأولوية التي يوليها البلدان للدعم الاقتصادي للعراق. 

يجب أن يركز رئيس الوزراء على إضفاء الطابع المهني والرقمي على القطاع المصرفي وتحديثه بهدف خلق بيئة تمنع انتشار الممارسات الفاسدة

وبالنسبة للأميركيين، ساعد الحوار على تعزيز شرعية المهمة العسكرية الأميركية من خلال الاستشهاد باللغة الأصلية لـ "اتفاقية وضع القوات" الثنائية، ومؤخرا تبادل المذكرات الدبلوماسية لعام 2014 حول هذه القضية، مع التركيز على التأكيد على مسؤولية الحكومة العراقية في ضمان أمن هذه المهمة. كما وجّه هذا الحدث رسالة واضحة للشعب العراقي من خلال تكرار الدعم الأميركي للانتخابات ومساءلة الحكومة. ومن هذا المنطلق، يمكن للجانبَين أن يصفا جوهر الحوار بأنه "انتصار".

ومع ذلك، لا يزال المسؤولون من كلا الجانبين يحرصون على رؤية الكاظمي يزور واشنطن في أقرب وقت ممكن، ويُعزى ذلك جزئيا إلى احتمال أن تؤدي مثل هذه الرحلة إلى دفع كل حكومة إلى تنفيذ وعودها والمساعدة على استئناف المحادثات العسكرية للحقبة الجديدة. 

وسيكون دمج برنامج المساعدة الأمنية الأميركية في إطار جهد أكبر لحلف "الناتو" أكثر استساغة من الناحية السياسية، لكن أعضاء التحالف سيرغبون أولا في معرفة ما إذا كانت بعثة التدريب الأميركية مستدامة وتحت أي شروط. وبالمثل، سيكون رد فعل المجتمع الدولي سلبيا إذا استمرت هجمات الميليشيات وإذا أدّت السياسة الأميركية إلى التحفيز على سحب القوات.

وفيما يتعلق بقضية الفساد، يجب أن يركز رئيس الوزراء على إضفاء الطابع المهني والرقمي على القطاع المصرفي وتحديثه بهدف خلق بيئة تمنع انتشار الممارسات الفاسدة. ولم يعد السؤال المطروح ما إذا كانت الحكومة مستعدة للإقرار بالمشكلة، بل ما إذا كان بإمكانها حشد إرادة سياسية كافية لجعل السيطرة على الفساد على رأس أولوياتها.

بلال وهاب

في الوقت الذي يركّز فيه العراق بشكل متزايد على الشؤون الداخلية لحل الخلافات المحلية، يُعتبر الكاظمي في موقف جيّد يخوّله رأب الصدع العميق مع "إقليم كردستان" بشأن إدارة النفط والغاز الطبيعي. وسيشكّل قيامه بذلك خطوة كبيرة نحو وضع قطاع الطاقة العراقي على أساس أكثر إقناعا من الناحية القانونية. 

بإمكان الولايات المتحدة أن تساعد من خلال إبقاء تركيزها منصبّا على توطيد العلاقات بين أربيل وبغداد. وقد يتسبب المزيد من التدهور في إلحاق الضرر بمهمة الولايات المتحدة لهزيمة تنظيم "الدولة الإسلامية" وقد يثير عدائية أكبر داخل العراق، مما يؤدي إلى تفاقم الاستخدام الضار للسياسة القائمة على الهوية لتحقيق مكاسب سياسية.

تشكّل مزادات الدولار مرتعا آخر للفساد المحلي بعد أن أصبحت ساحة لتبييض الأموال ودعم المصالح الإيرانية

ومن النقاط الأخرى البارزة ضمن البيان الرسمي للحوار الاستراتيجي هي إقرار العراق بالحاجة إلى الإصلاحات وعرض الولايات المتحدة تقديم مساعدة فنية في هذا المجال. ومع ذلك، على الحكومة الجديدة أن تُظهر إرادة سياسية أكثر مما أظهرته في الماضي. ويُعزى السبب الذي جعل الحكومات المتعاقبة غير قادرة على سن مثل هذه الإصلاحات إلى كَوْن نظام المحسوبية الراسخ في البلاد يحدّ من قدرتها على حشد العمل الجماعي المطلوب. ولحسن الحظ، بدأت ثقافة سياسة المحسوبية تتلاشى بعد أن ازداد استياء الجيل الأصغر سنا من تداعياتها ـ أي الفساد وعدم الكفاءة. فهذا النظام "ينجح" فقط عندما تكون أسعار النفط مرتفعة، وحتى في ذلك الحين، لا يمكن للأحزاب السياسية سوى توظيف العديد من الأشخاص في بيروقراطية منتفخة أساسا.

وفي المرحلة القادمة، سيتعيّن على الكاظمي استخدام التأييد الشعبي الذي يحظى به واستمداد الزخم من الحوار لإرساء الأساس لإصلاحات عميقة. وتتمثل أولويته الأولى في تنظيم انتخابات ذات مصداقية للعام المقبل. 

وعلى نطاق أوسع، يجب أن يكون التصدي للفساد أكثر من مجرد شعار ـ بل يجب التفكير فيه بجدية، وأن يكون مخططا عن تصوّر وتصميم، ومراقبا بأمانة. ويعني ذلك إعطاء الأولوية لإصلاح القطاع المصرفي، حيث لا يزال اقتصاد العراق قائما على النقد بصورة كاملة تقريبا. هذا وتشكّل مزادات الدولار مرتعا آخر للفساد المحلي بعد أن أصبحت ساحة لتبييض الأموال ودعم المصالح الإيرانية. 

وأخيرا، على الحكومة إصلاح قطاع الخدمات من خلال إخضاع مالية الأحزاب للانكشاف والمساءلة. وبمساعدة الولايات المتحدة، يمكن لهذه الخطوة وحدها أن تقطع شوطا طويلا نحو الحدّ من نفوذ إيران.

أعدت هذا الملخص شاينا كاتكس. أمكن تنفيذ سلسلة برامج منتدى السياسات بفضل سخاء "عائلة فلورنس وروبرت كوفمان".

المصدر: منتدى فكرة

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.