A demonstrator holds up his fist near a street sign that has been renamed 'Black Lives Matter Plaza' near the White House…
تظاهرة للعائلات والأطفال في نيويورك ضد الممارسات العنصرية

شهد العام 1619 وصول أول سفينة محملة بالمستعبدين الأفارقة إلى مستعمرة فرجينيا البريطانية في العالم الجديد. كانت حاجة المستوطنين ماسة لليد العاملة، والهجرة الوافدة من بريطانيا لم تكن تفي بالغرض، في حين كانت مقاومة السكان الأصليين للاستيلاء الممنهج على أراضيهم تشكل بدورها استنزافا لطاقات المستعمرة، المادية والبشرية. فاستقدام المستعبدين، بما كان متوقعا منهم من عمل قسري في المزارع، كان العامل الضامن لبقاء هذه المستعمرة وديمومتها الاقتصادية واستقرارها.

ورغم أن فرجينيا، وسائر المستعمرات البريطانية في الجزء الشمالي من الأميركيتين، لم تحصل إلا على قدر متواضع من مجموع المستعبدين المستقدمين من أفريقيا إلى العالم الجديد، أقل من الخمسة بالمئة، ذلك أن العدد الأعظم تلقته البرازيل ومستعمرات البحر الكاريبي، وإن جرى اقتناء عدد آخر من المستعبدين من الأسواق الثانوية في هذه الأماكن، فإن إدخال هذه اليد العاملة القسرية بدّل بالتأكيد المعادلة، والتي كانت حينها لغير صالح الوجود البريطاني في أميركا الشمالية، فأذن بالشروع بإنتاج زراعي ضخم في المقاطعات الجنوبية، وسمح بإطلاق دائرة تجارية بحرية بين الجنوبي والشمالي من هذه المستعمرات من جهة، وبين القارة الأوروبية لتسويق الناتج الزراعي والاستحصال على المواد المختلفة، من جهة ثانية، والسواحل الأفريقية، لجلب المزيد من المستعبدين، لمزيد من العمل القسري، من جهة ثالثة.

ثم أن أحد الدوافع الرئيسية في هذه المستعمرات للسعي إلى التفلّت من السلطة البريطانية، من منتصف القرن الثامن عشر وصاعدا، هو النجاح الذي حققته الجمعيات المناهضة للاستعباد في لندن في الدفع باتجاه حظر العبودية وإعتاق المستعبدين، بما يهدد مقومات الدورة الاقتصادية التي جعلت من المستعمرات الأميركية نجاحا يستقطب المزيد من المهاجرين الوافدين، ويسمح بالمزيد من التوسع غربا. ليس أن النشاط المناهض للعبودية كان غائبا في هذه المستعمرات، بل هي شهدت بدورها دعوات صريحة لجدولة السير باتجاه تحظيرها، إنما مع مراعاة الواقع الاقتصادي، والذي كانت سخرة المستعبدين تشكّل عمادها الأساسي.

طرح "مشروع 1619" يندرج في إطار الجدلية التي تدفع بهذا المجتمع قدما، وإن عرّضته في العديد من الأحيان للمخاطر والمحاذير

ومع اقتراب الاستقلال ثم تحققه، كان الإجماع قائما على أنه لا بد من الاستمرار بالعبودية. التوافق كان بين ولايات الجنوب، والتي كانت بحاجة ماسة للمستعبدين لاعتمادها الاقتصاد الزراعي، وبين ولايات الشمال، والتي كانت تزدهر بفعل التجارة، حيث أن ناتج الجنوب كان عنصرا هاما فيها. فهل كانت العبودية "شرّا ضروريا"، كما ارتأى العديد من الآباء المؤسسين، أم هل كانت واقعا طبيعيا، أو حتى أمرا إلهيا تقرّ به الأديان؟ 

التباعد بين الجنوب والشمال، بعد الاستقلال تعمّق مع تنويع الشمال لطابعه الاقتصادي باتجاه الصناعة، فيما اقتضى توسيع الإنتاج الزراعي في الجنوب، مع التضييق العالمي على الاتجار بالمستعبدين، إلى "استيراد" الرقيق المنزلي من الشمال، وتدويره لمضاعفة الإنتاج، بل أيضا إلى المزيد من التشدد إزاء الأفارقة لمنع انعتاقهم وخروجهم من سوق الإنتاج.

وقد واجه الجنوب بالاستهجان الدعوات المتصاعدة الصادرة من الشمال لإعتاق المستعبدين، لا سيما وأن ما جرى في العقود الأولى منذ الاستقلال هو تبادل اقتصادي ضخم، حصلت الولايات الشمالية بموجبه على رأس مال كبير من الجنوب مقابل ما كان في الشمال من مستعبدين. وإذ بها بعد إتمام الصفقة، من وجهة نظر جنوبية، تخرج عليها وتطالب باستعادة مجانية للمستعبدين لسوق عملها المستجد، بشكل يد عاملة "حرّة"، تحت ستار الإعتاق.

وفيما النزاع كان مستعرّا بين صيغتين اقتصاديتين اعتمدهما الأميركيون من أصول أوروبية، كل منهما متسلحة بقراءة فكرية تناسبها، فإن ما تخفيه ضوضاء هذا التاريخ هو جهود الأفارقة المستعبدين أنفسهم، في المساهمة الفاعلة في كسر قيد العبودية، ثم بالدفع باتجاه تبديل المعادلات الإنتاجية، سواء بالتداخل مع التوجهات الصناعية والتجارية في الشمال، أو بالتمايز عنها من خلال مساعي تحقيق دورة اقتصادية يكون لهم فيها مقام يتعدّى الانتاج لصالح الغير، بل يؤسس لتراكم رأس مال يرتقي بأهاليهم ومجتمعهم.

بل إن تاريخ الولايات المتحدة منذ تحقيق الانعتاق هو أيضا تاريخ هذا المسعى، وخطوات اعتراضه الفجّة والخفية، من الترعيب المستمر للأفارقة، تحت مسميات وأطر مختلفة، وطردهم من منازلهم وبلداتهم ومزارعهم، ما حرمهم من استجماع رأس المال المتوارث، واعتراض سبل الإنجاز المتاحة لهم، وصولا إلى تدمير ما أنجزوه وحرق محالهم ومؤسساتهم.

هي مواجهة لم تنتهِ، وكفاح فصوله متتابعة إلى اليوم، وآخرها موجة الاحتجاجات المتواصلة اليوم منذ الاغتيال الفاجر لجورج فلويد، والمتصدية لتجييش الشرطة في قمع الأفارقة الأميركيين.

هذه هي القراءة التي تريد الخروج من مركزية "الرجل الأبيض"، القادم من أوروبا، صاحب الإنجاز في إقامة أقوى وأثرى دولة في تاريخ الإنسانية، واستبدالها بما يقرّ بالأوجه المظلمة والظالمة للتجربة الأميركية، مع إظهار ما طمس من دور فاعل ومؤسس ومنتج لمن ليس "أبيض". تريد هذه القراءة إسقاط المحرمات، بما في ذلك النظر إلى الآباء المؤسسين، رغم ما أشهروه من اعتناق لفكر الأنوار، بما هو عليه من تأكيد للحقوق، على أنهم قدوة ومثل أعلى، بل تسعى إلى التذكير ليس وحسب إلى اقتناء بعضهم المستعبدين، واغتصاب بعضهم للمستعبدات، واستباحتهم الاعتيادية لكرامتهم وحريتهم، بل إلى رسوهم الصريح على معادلة تصنّف إنسانية "الأسود" على أنها أقل من إنسانية "الأبيض" (ثلاثة أخماس بالتحديد). الأب المؤسس لهذه الولايات المتحدة، جورج واشنطن العظيم نفسه، كان يعاني من فساد أسنانه وتسوّسها. استبدل بعض منها بأسنان اقتلعت من مستعبدين. عظيم، بالتأكيد، إنما بشوائب.

هي قراءة تقول لا محظورات في مراجعة ما جرى. بل تقول أيضا إن تاريخ هذه البلاد، تاريخ الولايات المتحدة لم يبتدئ يوم إعلان استقلالها عام 1776، بل كانت بدايته يوم أفرغت سفينة الرق تلك حمولتها من المستعبدين، عام 1619.

"مشروع 1619" والذي تبنته صحيفة "نيويورك تايمز" العام الماضي، تزامنا مع الذكرى الأربعمئة لانطلاق التجربة الأميركية، وفق القراءة المتحررة من الصيغة الموروثة للتاريخ، هو دعوة للتأمل والنظر والاعتبار، وللإقرار والعمل على استكمال المسار نحو المساواة والعدالة.

ليس الأمر كذلك، من وجهة نظر محافظة. بل هو تقويض للهوية الوطنية الأميركية القائمة على الاعتزاز بالإنجاز، وعلى الإقرار بأن المواقف والتصورات والسلوكيات تقاس و "تحاكم" في سياقها الذاتي، لا انطلاقا من قناعات لاحقة. وهي هنا، على أي حال، مبنية على مغالطات، وهادفة إلى التقويض والتفرقة، لا إلى الجمع والبناء.

هي قراءة تقول إن تاريخ الولايات المتحدة لم يبتدئ يوم إعلان استقلالها عام 1776، بل كانت بدايته يوم أفرغت سفينة الرق تلك حمولتها من المستعبدين، عام 1619

توم كوتون، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية أركنساو، لا يرى كفاية معارضة القراءة المراجعة هذه بالنقد والنقض، لا سيما وأن أصحاب "مشروع 1619" يسعون إلى إدراج موادهم في المناهج الدراسية في المقاطعات المختلفة. هو تسميم لعقول الناشئة وتبديد للهوية الجامعة. كوتون طرح بالتالي مشروع قانون يحرم المقاطعات التي تعتمد هذا المشروع من الدعم المالي من الحكومة الاتحادية.

كل هذا فصل آخر من حروب الثقافة في الولايات المتحدة. رغم الانفصام الفكري والاجتماعي والسياسي الحاصل منذ عقود والمتفاقم في ظل الإدارة الحالية، فإن الولايات المتحدة قادرة على معالجة هذا التحدي الجاد والهام لصورتها الذاتية.

سواء لاقى "مشروع 1619" القبول في الأوساط الاجتماعية المختلفة في الولايات المتحدة، أو، كما هو الراجح، جرى تقييمه في جلّ هذه الأوساط على أنه مبالغة تفرّط بما في التاريخ الأميركي من مواطن اعتزاز، ومن رجال ونساء يستحقون التقدير والتبجيل، فإن طرح هذا المشروع يندرج في إطار الجدلية التي تدفع بهذا المجتمع قدما، وإن عرّضته في العديد من الأحيان للمخاطر والمحاذير.

فهذه المراجعة، والتي تصل إلى حدّ الطعن بمسلمات التاريخ، بأساس الهوية والصورة الذاتية، ليست وليدة العدم، بل هي إعادة صياغة وتشكيل لقناعات جاورت هذه المسلمات، وإن بقيت مطموسة بفعل القوة أو العجز.

هي لحظة اعتبار تعيشها الولايات المتحدة اليوم. من شأنها، إن جرى استغلالها للتسعير أن تدفع بالبلاد إلى عواقب سيئة. ولكن من شأنها كذلك، إن أتيح لها فتح الحوار الصادق النوايا، أن تحقق وعد الولايات المتحدة باتحاد أفضل.

في المقال التالي نظرة إلى ما قد يستفيد منه المحيط العربي من مراجعات موازية.

جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي
جندي أوكراني مصاب يسير قرب موقع مخصص لإحباء ذكرى جنود كييف المقتولين في الغزو الروسي

يصادف يوم الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسمّاها عملية عسكرية خاصة، كان إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها، كييف، ومدنها الكبرى وإسقاط حكومتها وتنصيب أخرى موالية لموسكو ونزع سلاح الجيش الأوكراني واعتقال المئات، وربما الآلاف، من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم.

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل، أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير.

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو وهما فنلندا والسويد والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا.

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعياتها.

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية "إن المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أمانا" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي سوف تظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة.

ولذلك لم تكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب.

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك بوتين أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى.

في حين قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول إن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي، وفي الوقت ذاته فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي سوف تنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.