Members of Iraq's Kurdish Jewish community Members of Iraq's Kurdish Jewish community light a menorah on the last night of the…

يثير الحديث عن يهود الخليج، وقد كثر في الآونة الأخيرة بصورة ملحوظة، مشاعر متضاربة لدى الكثيرين. فمن جهة هناك النزاع العربي/الفلسطيني/الإسرائيلي الممتد لأكثر من سبعين عاما، ومن جهة أخرى هناك توجهات خليجية متزايدة للتقارب مع إسرائيل، وهناك من جهة ثالثة اليهود الخليجيون أنفسهم الذين ليس لهم بالضرورة علاقة بكل ذلك، فهم مثل غيرهم من البشر الذين عاشوا في هذه المناطق عبر التاريخ واندمجوا مع سكانها، ثقافة ولغة وفنا واقتصادا وعلاقات اجتماعية. هذا المقال يركز على الجزئية الثالثة بالتحديد.

سوق المنامة

لقد ولدت ونشأت في البحرين، ومثل كثيرين غيري من البحرينيين لم نكن نعرف أو نسمع عن وجود اليهود في البلاد، وبالطبع لم نكن نعرف شيئا عن تاريخهم أو ثقافتهم. بالنسبة لي حدث ذلك بالصدفة المحضة. 

فقد كنت في أواخر التسعينيات أكتب مقالا أسبوعيا في جريدة الراية القطرية، إلى جانب صحف أخرى. وكانت الجريدة ترسل لي في نهاية كل شهر شيكا بالمبلغ. وكنت أحتار في كيفية صرفه، لأن البنوك وشركات الصرافة العادية ترفض التعامل مع الشيكات. إلى أن أشار علي صديق بأن أجرب شركة البحرين للخدمات المالية. بالفعل توجهت إلى فرعها الكائن في الشارع الرئيسي من سوق المنامة القديم، وهو مكتب صغير. وقد قبلوا صرف الشيك لي بكل سهولة. وأنا في المكتب لفت نظري وجود رجل كبير السن يجلس هناك لوحده بكل هدوء بعيدا عن الموظفين، بثوبه البحريني المميز وغترته، ولم يكن يبدو عليه أي اختلاف عن أي بحريني، ربما باستثناء بشرته التي كانت تميل أكثر إلى البياض. عرفت فيما بعد أن هذا الرجل هو صاحب المكتب داوود إبراهيم نونو، أحد اليهود البحرينيين، رحمه الله، (توفي عام 2018).

صالح وداود الكويتي 

كان ذلك بالطبع مدعاة للفضول للتعرف أكثر على تاريخ وحاضر اليهود اليحرينيين، ولم يكن عددهم يزيد وقتها عن 50 شخصا، لكن انشغالاتي وانتقالي للعمل مع قناة الجزيرة في منتصف عام 2000 في الدوحة، حال دون ذلك، وإن كنت قد بدأت أقرأ وأعرف أكثر عنهم، وأزداد استغرابا لمعرفة أنه كان لديهم في البحرين كنيسا ومقبرة يهودية، لا يزال مكانهما موجودين حتى اليوم، والفضل في ذلك يعود للحكومة البحرينية. (يوجد الكثير من المعلومات على الإنترنت عن يهود البحرين لمن أراد الاستزادة).

لم يقتصر تأثير صالح الكويتي على الأغنية العراقية فحسب، فقد لحن لأبرز المطربين الكويتيين في ذلك الوقت مثل عبد اللطيف الكويتي وأيضا البحرينيين مثل محمد بن فارس ومحمد زويد

في الآونة الأخيرة قضيت بعض الوقت في مشاهدة مقابلات على اليوتيوب أجرتها الناشطة اليهودية العراقية (نيران سليم البصون) مع عدد من اليهود الذي غادروا مدن العراق في سنوات مختلفة (مثل الناصرية والعمارة والبصرة وعانة والفلوجة وبغداد وغيرها)، وهي تعتبر بحق شهادات تاريخية مؤثرة، أنصح بمشاهدتها. وكان من بين تلك المقابلات واحدة ملفتة للنظر مع شالوم أو سليمان الكويتي، والتي تحدث فيها عن والده صالح الكويتي وعمه داوود الكويتي.

لقد كان بمثابة معلومة جديدة بالنسبة لي أن أعرف أن صالح الكويتي يعتبر هو مؤسس الأغنية العراقية الحديثة. ومعظم إن لم يكن جميع ما نعرفه حاليا من أغاني تراثية عراقية خالدة من قبيل "عمي يا بياع الورد" و"خدري الشاي خدريه" وغيرها إنما كانت من ألحان صالح الكويتي. أكثر من ذلك فقد كان صالح وأخوه داوود من مؤسسي الإذاعة العراقية، وقد وضعا ألحانا وقدما أغان اقترب عددها من الألف لمعظم مشاهير المطربين في ذلك الوقت. أما تسمية الكويتي فلأنهما ولدا في الكويت وعاشا فيها حتى سن الـ17. وقد غادر صالح وأخوه الكويت واستقرا في العراق منذ ذلك الحين، حتى تاريخ مغادرتهم إلى إسرائيل في عام1951 بعد أن أسقطت عنهما الجنسية العراقية.

دعم الأغنية الخليجية

لم يقتصر تأثير صالح الكويتي على الأغنية العراقية فحسب، فقد لحن لأبرز المطربين الكويتيين في ذلك الوقت مثل عبد اللطيف الكويتي وأيضا البحرينيين مثل محمد بن فارس ومحمد زويد، إضافة إلى مطربين من الشام ومصر وإيران.

وفي وقت لم تكن توجد فيه استوديوهات أو أجهزة لتسجيل الأغاني والموسيقى في الخليج، فقد كان المطربون يذهبون إلى البصرة كي يسجلوا أغانيهم في استوديوهات يملكها نظراؤهم من الفنانين اليهود.

المؤسف أن هذا الأمر، رغم أنه سابق على النزاع العربي الإسرائيلي ولم يكن يهود الخليج معنيون به على أية حال، إلا أن الأخير انسحب عليهم بشكل سلبي وفي الغالب غير مبرر

وبحسب ما تذكر نانسي إيلي خضوري، اليهودية البحرينية في كتابها "من البداية إلى يومنا هذا" المؤلف بالإنكليزية، فقد كان "أبراهام إسحق سويري" أول من أسس شركة فنية في البحرين تحت اسم "إبراهيم فون" والتي كانت تسجل أغاني مطربي الخليج، ثم ترسل التسجيلات إلى الهند كي يتم وضعها على اسطوانات ومن ثم توزع في دول الخليج وخارجها.

لم يقتصر الأمر على الفن، فقد نشطت العائلات اليهودية في الأعمال التجارية على نحو مميز. فبالإضافة إلى الصرافة والتحويلات المالية، وتجارة الأقمشة والعطور والسيارات والوكالات المختلفة...إلخ، فقد كان لليهود دور ملموس في التعليم والطبابة والرياضة وغيرها، إضافة إلى مشاركتهم في الشؤون البلدية والأجهزة الإدارية المختلفة.

إعادة الاعتبار لليهود

الواقع أنه عندما يتعلق الأمر باليهود الذي عاشوا أو لا يزالون في العراق أو الخليج أو اليمن فإن هناك الكثير مما يمكن الحديث عنه، وبما يتعدى المجال في هذ المقال. ورغم أنه لا توجد سوى معلومات رسمية قليلة، متاحة للأجيال الحالية، عن حياتهم وثقافاتهم، إلا أن الإسهامات التي تركوها، كانت كبيرة بطريقة أثرت على مسار تطور مجتمعات المنطقة.

المؤسف أن هذا الأمر، رغم أنه سابق على النزاع العربي الإسرائيلي ولم يكن يهود الخليج معنيون به على أية حال، إلا أن الأخير انسحب عليهم بشكل سلبي وفي الغالب غير مبرر. وقد حمّلوا جريرة قضية لم يكونوا طرفا فيها، ولم يستشرهم فيها أحد. لكن ثمة جانبين كان من الصعب على من حاولوا بمكر طمس ذلك الإرث أن يبقوهما طي الكتمان، الأول هو الفن والثاني هو التجارة. وربما حان الوقت لإعادة الاعتبار للأسماء والعائلات اليهودية التي ساهمت في بناء وازدهار دولنا الخليجية من دون خجل أو مواربة. وسوف تفعل دول الخليج والعراق واليمن خيرا إن هي سمحت لمواطنيها السابقين أو أبناءهم بزيارتها إن هم شاؤوا ذلك. فهذا جزء بسيط من حقوقهم علينا جميعا.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.