A picture taken on February 15, 2020, shows a mural inspired by the 2011 Syrian uprising in the deserted city of Kafranbel,…
جدارية في كفرنبل في إدلب

لعلها الغارات الإسرائيلية الأعنف في سوريا، أو الأوسع، ذاك أنها كادت تغطي كل المحافظات هناك. النظام السوري في ظل هذه الغارات انتقل من موقع الصامت إلى موقع الشارح. قَدِمت الطائرات عبر هذه الحدود، وغادرت عبر البحر وسقط هذا العدد من القتلى. لكن الطائرات هذه المرة، كما في كل مرة، استهدفت مواقع إيرانية وأخرى لميليشيات غير سورية استقدمتها طهران!

الحرب في سوريا من أغرب الحروب التي شهدتها المنطقة، وربما العالم، ومن أعنفها أيضا. إسرائيل تقصف مواقع إيرانية وتنسق مع موسكو، والأخيرة تقصف مواقع جبهة النصرة وتنسق مع أنقرة، فيما الأخيرة تقصف مواقع الأكراد وتنضوي في تحالف "ناتو" الذي تقوده واشنطن (التي من المفترض أن تحمي الأكراد). 

الخريطة ما زالت تنطوي على المزيد من المفارقات، فالحرب هناك أيضا هي حرب بين تركيا التي تقيم حلفا تجاريا ودبلوماسيا مع طهران، والنظام السوري الذي تحميه طهران. الخريطة متاهة لا نهاية لها، والثابت الوحيد أن العالم قرر أن يُفرغ كل حمولة انعدام الأخلاق التي في جعبته في هذا البلد.

السوريون ليسوا ضحايا نظامهم فحسب، إنهم ضحايانا أيضا، فما أن بدأت الحرب هناك حتى أرسلنا إليهم "المجاهدين" سنة وشيعة

أي دخول على خط الحرب في سوريا يمثل سقطة أخلاقية كبرى، مهما كانت نوايا أصحابه. المساعدات الإنسانية في طريقها لأن تصبح كذلك، فهي بالنتيجة محاولات من قبل المانحين لتعويض السوريين عن دمائهم التي سفكناها جميعنا. الشعور بالذنب هو الفعل النبيل الوحيد الذي يمكن أن نُقدم عليه حيال سوريا. كل واحدٍ منا ارتكب ذنبا فعليا أو ضمنيا حيال هذا البلد. 

من لم يُقدم على فعل مباشر ارتكب حماقة الانحياز لمعركة أو لجماعة أو لـ"إنجاز" أو توهم خيرا فيها، أما من أخذته عصبية الانقسامات القومية أو المذهبية أو المناطقية إلى المشهد السوري، فسقطه تغمست بدماء سوريين، وابتسامته في لحظات "النصر" أخفت أنياب قاتل متعطشٍ للالتهام.

والسوريون ليسوا ضحايا نظامهم فحسب، إنهم ضحايانا أيضا، فما أن بدأت الحرب هناك حتى أرسلنا إليهم "المجاهدين" سنة وشيعة. وصل هؤلاء إلى سوريا من بلادنا ومن حروبنا الأهلية ومن انقساماتنا. وما أن تدفق اللاجئون إلى بلداننا حتى أدخلناهم في فسادنا وفي كراهياتنا، فكانوا الأضعف وكانوا الضحايا، ومارسنا عليهم ما لا نقوى على ممارسته مع جلادينا، وهم اليوم شركاء جوعنا ورفاقنا في الرحلة إلى الهاوية.

السوريون اليوم أمام استحقاق قانون قيصر، الذي تقول واشنطن إنه لا يهدف إلى إسقاط النظام إنما لـ"تغيير سلوكه"! علينا ألا ننسى هنا أن الغارات الإسرائيلية المتواصلة على سوريا لا تهدف أيضا إلى إسقاط النظام، وأن أنقرة أسقطت بند تغيير النظام في مفاوضاتها مع طهران ومع موسكو. وأن دول الخليج العربي استأنفت علاقات متفاوتة مع النظام. 

إذا لماذا كل هذه الحروب، ولماذا الحصار؟ النظام لن يغير سلوكه، فهو إذا فعل يكون قد حفر قبره بيديه. هذه حقيقة يعرفها العالم كله. العقوبات ستضعف النظام وستصيب حلفائه، لكنها لن تغير من معادلات الحروب البطيئة والدموية هناك، والتي من الأرجح أن تتواصل. لكن العقوبات ستصيب السوريين أكثر مما ستصيب النظام وأهله. الثمن لا يستحق كل هذه الدماء وكل هذا الجوع.

الستاتيكو لا يقتصر على الجبهة مع إسرائيل، إنما على كل الجبهات السورية، وهو ستاتيكو دموي لا يهدد الدول ولا يحد من طموحاتها، وثمنه دم سوري، وجوع سوري ومآسٍ سورية

إسرائيل تقصف لإدامة ستاتيكو الحدود الآمنة بينها وبين سوريا، وبينها وبين لبنان. الستاتيكو القائم على حدودها مع سوريا منذ نحو 50 عاما، وعلى حدودها مع لبنان منذ نحو 15 عاما، وهو يتطلب تذكيرا متواصلا بمعادلة القوة والتفوق. موسكو معنية بحضور مباشر على ساحل المتوسط وبوجود قيادي في التحالفات الشرق أوسطية. هذه المهمة يلبيها نظام هش ومتهالك وضعيف في سوريا. 

عين تركيا على أكراد سوريا، وعلى طموحاتهم الفيدرالية. النظام لا يعيق العين التركية الساهرة على طول حدودها مع مناطق الأكراد. أما طهران، فهلالها الشيعي المنتكس بفعل العقوبات الأميركية، فلا مانع لديها من تحمل نتائج الغارات الإسرائيلية طالما أن وظيفة هذه الغارات غير استئصالية.

إذا الستاتيكو لا يقتصر على الجبهة مع إسرائيل، إنما على كل الجبهات السورية، وهو ستاتيكو دموي لا يهدد الدول ولا يحد من طموحاتها، وثمنه دم سوري، وجوع سوري ومآسٍ سورية. وأي تغيير جوهري في خريطته سيرتب على الدول المرتكبة أكلافا ليست مستعدة لدفعها.

لهذه الأسباب قصتنا مع المأساة السورية طويلة جدا. ولهذه الأسباب لا يملك المرء ليقدمه لأهل هذا البلد سوى شعور بالذنب يتشاركه معهم ويجعله وسيلة تقوده إلى قناعة بالعجز وبالانسحاب من الرواية الكبرى، والبحث عن سوري هارب لإغاثته أو لحمايته من حماقة دولة مضيفة، ومن عنصرية مجتمع يحاول أن يعوض فشله برفع منسوب الكراهية حيال هؤلاء الضحايا.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.