TO GO WITH AFP DOUNIAMAG STORYLebanese composer Ziad Rahbani performs during his concert at Damascus Citadel in the Syrian…
يتم تهريب مسرحيات زياد الرحباني مثل الممنوعات إلى الدول المجاورة والاستماع إليها عبر الكاسيت

خلال ما يقرب من عقدين من الزمن، أي في الفترة الممتدة من بداية سبعينيات القرن الماضي وحتى مطلع التسعينيات تقريبا، تسنت لعشرات الآلاف من المحظوظين، فرص حضور شخصي لعدد من المسرحيات العربية الشهيرة التي تميزت بها تلك الفترة الزمنية، والتي يمكن تسميتها بالعصر السعيد للمسرح العربي.

من لم يحظ بواحدة من هذه الفرص، وفرتها له بعض محطات التلفزيون العربية لاحقا، وهي محطات رغم أن معظمها رسمي وذات سياسات جادة، إلا أن أدركت أن عروض المسرح القومي ذات الصبغة الثقافية الخالصة، المستقاة في معظمها من الشكسبيريات والمسرح العالمي، والتي حرصت لسنوات على عرضها تلفزيونيا كنوع من التثقيف المسرحي، قوبلت بالسأم وعدم المتابعة الجماهيرية، بصفتها عروض نخبوية رغم أهميتها.

بالتالي لم تفتها جاذبية المسرحيات الجديدة، وتبدل ذائقة المشاهد الذي بات يبحث عن الترفيهي المفيد، البعيد عن الشعارات التي صدعت رأسه، والمقولات العظيمة التي تحتاج إلى كثير من التفكير وتجلب الخيبات. فقررت شراء حقوق عرضها، أو تلقت بعضها كهدايا، وقدمتها للمشاهد في مواسم الأعياد أيضا مثل هدايا.

يكمن سر نجاح أو جاذبية هذه الأعمال أنها حققت البهجة للملايين، واستعادتها من حين إلى آخر، هو استعادة لبعض تلك البهجة الاستثنائية المفتقدة في حياة الناس اليوم

عروض مسرحية تحولت إلى حديث الساعة في المجتمعات العربية في زمن مزاحمة الدراما التلفزيونية، وباتت تعاد وتكرر كل عام، إلى أن حفظها المشاهد عن ظهر قلب، وصار يسجلها على كاسيتات الفيديو بنظام بيتاكام ولاحقا نظام VHS المعمول بهما آنذاك، ويرسلها بدوره داخل حقائب السفر مثل هدايا الحنين التي يتشوق إليها أقاربه في جميع دول الاغتراب.

من مصر، خرجت المسرحيات الأكثر شهرة عربيا، مثل "مدرسة المشاغبين"، و"شاهد ماشفش حاجة"، و"العيال كبرت"، و"الواد سيد الشغال"، و"المتزوجون"، ز"ريا وسكينة". وفي سوريا عرضت مسرحيات محمد الماغوط تباعا، التي ابتدأت بمسرحية "ضيعة تشرين" تلتها "غربة" ثم "كاسك يا وطن"، وكان أن سبقتها عروض مسرح الشوك المتميزة والتي لاقت نجاحا جماهيريا كبيرا.

وفيما خرجت من الكويت مسرحية "باي باي لندن" وأدهشت العالم العربي وأضافت للكوميديا العربية ذائقة خليجية جديدة، كانت مسرحيات النجم اللبناني شوشو (حسن علاء الدين) في أوج تألقها، قبل أن تكتسح مسرحيات زياد الرحباني القلوب، وتصول وتجول مع صولات الحرب الأهلية اللبنانية، وهي "نزل السرور"، و"بالنسبة لبكرا شو؟" و"فيلم أميركي طويل"، ويتم تهريبها مثل الممنوعات إلى الدول المجاورة والاستماع إليها عبر الكاسيت.

سر جاذبية جميع هذه العروض المسرحية التي استمر عرضها لسنوات وحضر بعضها كبار ساسة ومشاهير العالم العربي آنذاك، يكمن أنها غيرت مفهوم التجاري والاستهلاكي، الذي كان يجني المال لصانعيه والتسلية للمتفرجين ويقدم وجبات سيئة من الفن، ورفعته إلى مفهوم الشعبي، الذي يجني بدوره المال والشهرة لصانعيه، لكنه يحمل رسالة ذات قيمة فكرية وإبداعية معا، قدمها كبار نجوم العالم العربي، وخدمت مواهب فنية جديدة تحولوا إلى نجوم على إثرها.

نصوص كتبها كتّاب كبار اكتشفوا صلاحية بيئاتهم الثرية وهموم شوارعهم المحلية والعربية معا، أعادوا إنتاجها مغلفة بطابع كوميدي خفيف الظل، أو ما يمكن تسميته بالكوميديا الصحية. وفيما غلبت القضايا الاجتماعية على المسرح المصري والخليجي، تميزت الأعمال المسرحية السورية واللبنانية بخلفياتها ذات البعد السياسي، قدمت بأسلوبية مواربة وساخرة ناقدة، تفرد بها أهل بلاد الشام مثل سمة طبعت مجمل أعمالهم، تنجي أصحابها من المساءلة قدر الإمكان.

من مصر، خرجت المسرحيات الأكثر شهرة عربيا، مثل "مدرسة المشاغبين"، ز"شاهد ماشفش حاجة"، و"العيال كبرت"، و"الواد سيد الشغال"، و"المتزوجون"، ز"ريا وسكينة"

متعة الفرجة المسرحية بالحضور الشخصي للعرض والتفاعل المباشر معه، لا يعوضها العرض المتلفز أو الكاسيت بالمطلق، ورغم ذلك حققت هذه العروض نجاحا غير عادي، والمدهش استمراريته حتى اللحظة عبر نسبة المتابعة العالية للعديد من هذه الأعمال على المنصات الرقمية حتى من الأجيال الجديدة.

الأكثر إدهاشا، هو حجم ومقدرة تغلغل العديد من القفشات الكوميدية التي حفلت بها، إلى عمق القاموس اللغوي الشعبي اليومي للناس، التي حفظت معظمها وباتت ترددها في مواجهة مواقف مشابهة، مثل "متعودة دايما"، و"خلّلوه"، و"سايبين الشقة وقاعدين في أوضة واحدة"، و"مرسي الزيناتي اتهزم يا رجالة"، و"حاج تلعبولنا بهالخزان"، و"عصّب أبو الفضل"، وغيرها.

في حقيقية الأمر، يكمن سر نجاح أو جاذبية هذه الأعمال أنها حققت البهجة للملايين، واستعادتها من حين إلى آخر، هو استعادة لبعض تلك البهجة الاستثنائية المفتقدة في حياة الناس اليوم، كل حنين إليها مشروع، كذلك طرح الأسئلة الملحة عن تغييب المسرح السعيد من حياتنا مشروع باستمرار.

ليس جديدا أو مفاجئا أننا نلمس تراجعا ثقافيا عاما، وأن الأزمة العالمية الكبرى التي أصابت المسرح العالمي، تركت أثارها الأكثر ضراوة على مسرحنا العربي، لتضاف هذه الخسارة إلى جملة خسائر مدوية، سرقت مسرّاتنا والحلم باستعادتها.

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.