A volunteer wearing a face mask sprays disinfectant on a man, as a measure against the COVID-19 coronavirus pandemic, in the…
رش مواد معقمة في مصر

من الصين إلى العراق ومن مصر إلى إيران وسوريا هناك جهود متوازية منذ انتشار فيروس كورونا (كوفيد-19) لتحوير وقمع الشفافية في نشر عدد الإصابات في هذه الدول بشكل أوصل إلى كارثة أكبر اليوم وإلى وباء عالمي لا نهاية قريبة له وقد يعد بموجة ثانية.

بداية من الصين نقطة انطلاق الفيروس. تشير مزاعم بكين إلى أن عدد الحالات في الدولة الأكثر اكتظاظا في العالم (1.3 مليار) لا تتخطى الـ 82 ألف حالة. أي أن ألمانيا (82 مليون نسمة) سجلت اليوم عدد أكبر من الاصابات إذا صدقت أرقام الحكومة الصينية. لكن كيف تصدق هذه الأرقام والصين أخفت ظهور الفيروس في مطلع نوفمبر الفائت، وسجنت وعزلت أطباء حذروا من خطورته ومن عدواه السريعة. لا بل أصرت الصين في تلك الفترة أن انتقاله هو فقط من الحيوان البري للإنسان واستمرت في هذه المزاعم حتى نهاية ديسمبر الفائت. طبعا، ساعدها في ذلك، غض منظمة الصحة العالمية النظر وتلكؤ المجتمع الدولي في إرسال أطباء ومنع الصين فريق أميركي من دخول "ووهان".

ما من شك أن الصين ضاعفت جهودها وتعاملت بجدية كبيرة الوباء بداية العام، واستفادت من صمت الرئيس الأميركي دونالد ترامب يومها، وهو الذي كان همه الأول في يناير توقيع اتفاق التجارة الحرة معها وليس كشف مدى خطورة الفيروس.

تخطئ بعض حكومات الشرق الأوسط إذ تظن أنها قادرة على استنساخ نهج الصين بإخفاء الأرقام واحتواء كورونا

لكن أرقامها تتضارب مع تقارير عن أكثر من 2500 وعاء لحفظ رماد الموتى وصلت ووهان الأسبوع الفائت (عدد الوفيات الكامل الذي أقرت به الصين هو 3322) ولا تتطابق علميا مع المنحنى الذي يأخذه الفيروس في معظم الدول. الرقابة الإعلامية هي المؤشر الآخر بأن الحكومة الصينية تخفي حقيقة الانتشار بعد سحب تراخيص وسائل الاعلام الأميركية وطردها من البلاد.

الأسلوب الصيني يتكرر اليوم في دول شرق أوسطية ليس لديها البنية الطبية التحتية كما الصين، وتدفع ثمن أكاذيبها وتحويرها للأرقام بجثث ومقابر جماعية لمواطنيها بسبب كورونا. 

أول هذه الدول هي إيران، التي ظنت أن مناعتها الثورية قد تعزلها عن المرض، وأبقت مقارها الدينية مفتوحة ومشاريعها وجسورها البشرية مع الصين نشطة. الرقم الذي تفصح عنه إيران اليوم هو 53 ألف إصابة بكورونا أي أقل من فرنسا وإسبانيا وإيطاليا مع أن النظام الايراني لم يأخذ إجراءات صارمة بإغلاق البلاد كما فعل هؤلاء. فهل إيران هي معجزة بكسر المنحنى التقليدي لكورونا، أو هل أرقامها زائفة اليوم؟

كما إيران، العراق اليوم الذي ذهبت سلطاته (المستقيلة) لطرد فريق وكالة "رويترز" من البلاد بعدما نقلت عن ثلاثة أطباء ومسؤولين تأكديهم أن عدد حالات الإصابة المؤكدة بفيروس كورونا في البلاد يفوق بآلاف الرقم المعلن وهو 772.

الصين أخفت ظهور الفيروس في مطلع نوفمبر الفائت، وسجنت وعزلت أطباء حذروا من خطورته ومن عدواه السريعة

طرد فريق "رويترز" من العراق لن يوقف تفشي كورونا ولن يأتي بالمساعدات المطلوبة لبغداد لمكافحة الوباء، بل هو يعبر عن قصر نظر وحساسية من هم في السلطة وقلة اكتراثهم بالمصلحة العامة.

أما مصر فحالها يثير قلق المراقبين الدوليين، نظرا لعدد الحالات التي انتقلت منها إلى لبنان وفرنسا وحتى فلوريدا في الولايات المتحدة قبل أن تفصح الحكومة المصرية عن عدد الإصابات فيها. وما زاد الطين بلة، هو الطوق الإعلامي والكثافة السكانية الهائلة في البلاد وعدم وجود الموارد والمعونات الكافية للتعاطي مع وباء مثل كورونا. وبعد تقرير لصحفية "ذا غارديان" بأن مصر لديها 19 ألف حالة، ردت الحكومة هناك بسحب اعتماد مراسلة الصحيفة فيما وجهت إنذارا إلى مراسلة صحيفة "نيويورك تايمز" حول تقارير مماثلة.

سوريا لا تختلف كثيرا عن هذا النمط بعدما حاولت طمس أي تقارير عن الفيروس وهي في نفس الوقت تطلب المساعدات الخارجية ورفع العقوبات، ولم تعترف بأول إصابة حتى 23 مارس.

تخطئ بعض حكومات الشرق الأوسط إذ تظن أنها قادرة على استنساخ نهج الصين بإخفاء الأرقام واحتواء كورونا. فالعملاق الصيني لديه الكفاءة الطبية والاقتصادية للتعاطي منفردا مع أزمته الداخلية، فيما انتشار الوباء في دول شرق أوسطية، اقتصادها أصلا على حافة الانهيار، يعد بوباء فوق الوباء وموجات من الكوارث البشرية فيها لن يوقفها الطوق الإعلامي وتطبيل وتزمير صحافيي السلطة.

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.