داخل مسجد الروضة في سيناء بعد الهجوم الجمعة
داخل مسجد الروضة في سيناء بعد الهجوم الجمعة

"كنت أعرف أني مصاب، لكني كنت في وضع أكثر رعبا بكثير من التفكير بإصابتي". هذا ما قاله منصور وهو يصف اللحظات المروعة التي عاشها داخل مسجد الروضة مضيفا "كان المسلحون يصرخون 'الله أكبر' وهم يطلقون النار على المصلين والأطفال".

وسقط 305 أشخاص بينهم 27 طفلا ضحية هجوم نفذه نحو 25 مسلحا رفعوا علم تنظيم داعش وهم يستهدفون المصلين الجمعة في مسجد الروضة، في شمال سيناء المصرية.

واستهدف الاعتداء المروع نحو 500 من المصلين كانوا داخل المسجد لأداء صلاة الجمعة، وأدى إلى خسارة بعض الأسر كل أفرادها من الذكور.

وروى شهود عيان قصصا عن وحشية منفذي الهجوم الذين فتحوا النيران على المصلين بشكل عشوائي ثم توقفوا بعدها ليتأكدوا من أنهم لم يتركوا أحدا على قيد الحياة. كانوا يطلقون النار على رؤوس من يشاهدونهم يتحركون.

عدد من أهالي قرية الروضة تجمعوا في مكان المسجد بعد وقوع الهجوم

​​"كان الجميع على الأرض خافضين رؤوسهم. إذا رفعت رأسك ستصاب. كان إطلاق النار عشوائيا وهستيريا في البداية، ثم أصبح أكثر توجيها وأكثر دقة عندما كان المهاجمون غير متأكدين من أن أحدهم قد مات، أو كان ما زال يتنفس"، يقول منصور (38 عاما) لأسوشييتد برس.

ظهر نهار الجمعة، استقل مسلحون خمس سيارات دفع رباعي وقدموا إلى مسجد الروضة واتخذوا مواقع أمام باب المسجد في قرية الروضة، وأمام نوافذه البالغ عددها 12 نافذة، وفجروا عبوة ناسفة داخله خلال صلاة الجمعة، ثم فتحوا النار على المصلين، حسبما أعلن مسؤولون مصريون.

وتقع قرية الروضة التابعة إداريا لمدينة بئر العبد إلى الغرب من مدينة العريش، مركز محافظة شمال سيناء حيث تنشط مجموعات إسلامية متطرفة معظمها تابعة لداعش وبعضها تابع للقاعدة.

وروى أحد الناجين من الاعتداء لقناة محلية، كيف فر من المسجد حاملا أولاده بعد أن شاهد المسلحين وقد فجروا قنبلة داخل المسجد وقرب أحد أبوابه.

أقارب لضحايا هجوم مسجد الروضة ينتظرون أمام أحد المستشفيات

​​

​​ويتذكر شاهد آخر كيف فتح المسلحون النار على سيارات الإسعاف التي اقتربت من المسجد لإنقاذ الضحايا ما اضطرها إلى التراجع تحت وابل الرصاص.

27 طفلا قضوا في ذلك اليوم. أحد الأطفال الناجين كان خارج المسجد عندما وقع الهجوم. هرع إلى المسجد ليحتمي بداخله لكنه وجد جميع المصلين مستلقين على الأرض، وعندما حاول الفرار أصيب في قدمه.

إمام وخطيب مسجد الروضة الشيخ محمد عبد الفتاح رزيق كان قد فقد لساعات بعد الهجوم ولم يتم العثور عليه بين الضحايا، لكنه ظهر في ما بعد وتحدث لوسائل إعلام محلية عن تفاصيل الحادث.

يروي أنه كان يصعد إلى المنبر بعد الأذان عندما سمع إطلاق الرصاص ثم سقط على الأرض ليدرك أنه أصيب في قدمه، حسب ما أوردته وسائل إعلام محلية.

يذكر أن مصر أقامت السبت حدادا وطنيا على ضحايا الهجوم، وأقيمت صلاة الغائب في عدة مناطق من البلاد، فيما شيعت جثامين عدد من الضحايا في المناطق التي يتحدرون منها.

مواطنون يلبسون كمامات في طوكيو
مواطنون يلبسون كمامات في طوكيو

يخشى أستاذ التاريخ في جامعة كمبريدج المتخصص في تاريخ الأوبئة خالد فهمي من التغيرات التي يحدثها فيروس كورونا في العالم.

ويحذر فهمي من أن تستغل الحكومات في مختلف الدول وباء كورونا المستجد لتعزيز رقابتها الأمنية على المواطنين.

واستخدمت الدول في إطار إجراءات الوقاية من مرض كوفيد-19، تطبيقات هاتفية والتكنولوجيا المتقدمة لمراقبة انتشار الفيروس، وبينها مثلا الطائرات المسيرة والقوى الأمنية لفرض حظر التجول وتدابير الإغلاق.

ويقول الأستاذ الجامعي المصري (56 عاما) في مقابلة عبر الإنترنت مع وكالة فرانس برس من كمبريدج "الطريقة التي ستتمكن بها الحكومات من مراقبة أفعال وتحركات كل شخص تدعو للقلق".

ويضيف "الخوف يرجع إلى أنه بمجرد التنازل عن هذه الحقوق (الشخصية) للحكومات، يصعب استردادها بعد انتهاء الأزمة". ويشير بهذا الصدد إلى التجربة المصرية التي يتابعها عن كثب.

وعاش فهمي اللحظات التاريخية لثورة يناير 2011 في مصر التي كان عاد إليها قبل أشهر من بدء الحركة الاحتجاجية ضد الرئيس الراحل حسني مبارك. وكتب كثيرا من جهة أخرى عن الأوبئة في الشرق الأوسط.

وهو يعيش في الخارج مجددا منذ تسلم الرئيس عبد الفتاح السيسي السلطة في 2014.

وصادق السيسي الشهر الجاري على مجموعة من التعديلات لقانون الطوارئ اعتبر المدافعون عن حقوق الإنسان أنها تعزز من "السلطات القمعية" للحكم باسم مكافحة فيروس كورونا المستجد.

نوع جديد من المراقبة

وتسمح هذه التعديلات للرئيس بإغلاق المدارس ومنع التجمعات العامة أو الخاصة ووضع المسافرين القادمين إلى مصر في العزل.

ويقول المؤرخ "إذا قارننا ما يحدث في مصر الآن بما حدث إبان انتشار وباء الكوليرا في عام 1947، سنجد أن الفارق الكبير هو وسائل الإعلام والانفتاح الذي كانت تعتمده في ذلك الوقت، في حين أنها اليوم مغلقة في ما يتعلق بتغطية الوباء".

ويذّكر أن "العزل بدأ يفرض في مصر بشكل صارم جدا" بعد وباء الكوليرا عام 1831 الذي ظهر آنذاك في الصين قبل أن ينتقل إلى الشرق الأوسط.

ومنذ بدء ظهور الفيروس الجديد في البلاد في مارس الماضي، أوقفت السلطات صحافيين ومدونين بتهمة نشر أخبار كاذبة حول الوباء.

ويرى فهمي الذي له آراء ناقدة لسياسات الحكومة المصرية، "ما نواجهه اليوم أخطر بكثير.. لأننا إزاء نوع جديد من المراقبة واقتحام للخصوصية باسم السيطرة على الوباء".

ويشير خصوصا إلى المصير المقلق للسجناء السياسيين في البلاد ويبلغ عددهم قرابة 60 ألفا وفقا لمنظمات حقوقية، الذين تتعرض حياتهم للخطر بسبب ظروف احتجازهم في سجون مكتظة في ظل انتشار الوباء.

ويقول فهمي "إنهم مسجونون ظلما، والآن هم في خطر داخل أماكن احتجازهم".

ويتحدث فهمي بصوت هادئ، ويدرج مؤرخ الإمبراطورية العثمانية وباء كوفيد-19 في سياق تاريخ طويل من الأوبئة التي اجتاحت مصر.

ويعرض فهمي في كتابه "كل رجال الباشا" الطريقة التي أصبح بها الوالي العثماني محمد علي حاكما لمصر من خلال بناء جيش قوي منخرط في كل أوجه الحياة العامة، بما في ذلك الصحة.

وما زال الكتاب الصادر عام 1997 والذي حقق نجاحا، موجودا لدى باعة الكتب على الأرصفة في مصر.

ويشرح فيه المؤرخ كيف احتفظ الجيش المصري في زمننا المعاصر بدور من الدرجة الأولى في إدارة شؤون البلاد.

انتشار الجيش

وعزز قائد الجيش السابق عبد الفتاح السيسي دور الجيش في الحياة العامة في مصر. فقد انتشرت وحدات من الجيش في الشوارع والمنشآت العامة لتعقيمها. كما قام الجيش بتوزيع كمامات وبيعها للمصريين بأسعار مخفضة.

وتتزايد أعداد المصابين بفيروس كورونا المستجد في مصر حيث يتم تسجيل مئات الحالات الجديدة يوميا.

وسجل البلد العربي الأكبر ديموغرافيا أكثر من 17 ألف حالة حتى اليوم وأكثر من 700 وفاة.

وبحسب المؤرخ، فإن الوباء الذي نواجهه "وباء فيروسي. وفي هذه الحالات، يتم عزل المرضى سواء في أماكن مخصصة لهم أو في مستشفيات تقام لهذا الغرض".

ويشير إلى أن "كل هذا يضع ضغوطا هائلة على النظام الصحي العام القائم". 

ويرى خبراء أن النظام الصحي المصري يقترب من استنفاد قدراته على استيعاب مزيد من المرضى.

وعلى الصعيد الشخصي، يعيش خالد فهمي الإغلاق بسبب كورونا وكأنه منفى مزدوج.

ويقول "أنا مصري ولكنني لا أستطيع أن أعود إلى بلدي لأسباب عدة، وكوني أعيش في ظل الإغلاق فهذا يمثل مستوى آخر" من المنفى.