وزراء خارجية الدول الأربع المقاطعة لقطر في اجتماع سابق
وزراء خارجية الدول الأربع المقاطعة لقطر في اجتماع سابق

مصطفى هاشم/ خاص بـ"موقع الحرة"

لا تزال الأزمة الخليجية مستعصية على الحل بعد مرور عام على بدايتها، رغم توسط الكثير من الدول على رأسها الولايات المتحدة الأميركية والكويت إلى جانب فرنسا وبريطانيا وألمانيا.

في الخامس من حزيران/ يونيو 2017، وفي أكبر صدع في العلاقات بين دول الخليج العربية منذ سنوات، قطعت السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر والبحرين العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع قطر متهمة ثاني أكبر دولة مصدرة للغاز الطبيعي المسال في العالم بتمويل جماعات إسلامية متطرفة والتقرب من إيران، خصم السعودية الرئيسي في المنطقة، وهي التهم التي نفتها قطر.

ورغم أن المستفيد الأكبر من هذه الأزمة هي إيران "التي تتمدد وتشكل تهديدا جديا على الدول الخليجية" بحسب المحلل السياسي والمحاضر بجامعة جورج واشنطن عاطف عبد الجواد في حديثه لـ"موقع الحرة" فإن "المعطيات لا تشير إلى أي بارقة أمل للحل الآن"، بحسب وزير الخارجية البحريني الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة في تصريحات نشرت له منذ أيام.

وسلمت الدول المقاطعة قطر قائمة من 13 طلبا من ضمنها إغلاق قناة "الجزيرة" والحد من علاقات قطر مع إيران وإغلاق قاعدة عسكرية تركية في قطر.

ويقول عضو مجلس الشورى السابق محمد آل زلفة لـ"موقع الحرة" إن مطالب الدول الأربع المقاطعة مشروعة، فيما يقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة قطر محمد المسفر لـ"موقع الحرة" إن "هذه المطالب تمس سيادة الدولة القطرية".

ورافقت قطع العلاقات الدبلوماسية إجراءات اقتصادية بينها إغلاق الحدود البرية والطرق البحرية ومنع استخدام المجال الجوي وفرض قيود على تنقلات القطريين.

ولم تطبق الدوحة أيا من هذه المطالب، وقامت بدلا من ذلك بتعزيز علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع دول أخرى، ومحاولة تأمين اكتفاء ذاتي، كما أبرمت اتفاقات تجارية وعسكرية وتكنولوجية على الساحة الدولية.

وتطلق قطر على الدول الأربعة دول الحصار فيما تطلق الدول الأربعة على نفسها اسم الدول المقاطعة لقطر.

عام على الأزمة

بمناسبة مرور عام على الأزمة، يدعو وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش قطر لمراجعة سياساتها. ويضيف أن "تعامل الدوحة مع أزمتها في العام الذي مضى محيّر ومتناقض، فهو مكابر ومستجد، ورافع شعار السيادة ومستسلم، يتعامل مع الأزمة ليحمي إرثا سياسيا ورّطه وعزله بدلا من أَن يسعى بكل واقعية إلى تفكيك أزمته".

​​ويقول عضو مجلس الشورى السعودي السابق محمد آل زلفة لـ"موقع الحرة" إن الحل بعيد المنال "ما لم تمتنع قطر عن تدخلاتها في شؤون الدول الأخرى، وتوقف تعاملاتها مع دول إقليمية تعمل على الإضرار بأمن البلدان المقاطعة لقطر"، لكنه يلفت إلى أن قطر "تتمسك بآرائها ودعمها للإرهابيين وإعطائهم منصات إعلامية".

ويدافع أستاذ العلوم السياسية بجامعة قطر محمد المسفر عن سياسة قطر قائلا "إن اتهام قطر بالإرهاب ليس له أي أساس ولا وجود لأي جماعات ولا تنظيمات فيها، وقطر ملتزمة بالاتفاقات الدولية الخاصة بمكافحة الإرهاب بشهادة أوروبا وأميركا".

​وحول علاقات قطر مع إيران فـ"إن العلاقات مع إيران هي دبلوماسية وليست استثناء فمعظم الدول الخليجية ومنها الإمارات لها علاقات دبلوماسية وتجارية مع إيران".

وكانت تركيا قد أرسلت في نيسان/أبريل 2016 جنودا إلى قاعدة عسكرية جديدة في قطر "للمساعدة في التصدي للتهديدات التي تواجه البلدين"، وهو ما أدى إلى غضب دول خليجية، لكن المسفر تساءل "لماذا دول الخليج الست فيها قواعد بريطانية وأميركية وفرنسية فهل إضافة تركيا سيقلب موازين القوى في المنطقة؟".

الأزمة تتصاعد

يرى المسفر أن الأزمة الخليجية تتصاعد مع مرور عام على بدايتها، مشيرا إلى تهديد السعودية بإجراءات عسكرية ضد قطر إذا نشرت صواريخ مضادة للطائرات على أرضها وبالأخص صواريخ إس 400 الروسية.   

وكانت صحيفة لوموند الفرنسية قد ذكرت أن العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز هدد بالقيام بعمل عسكري إذا نشرت قطر نظاما روسيا للدفاع الجوي.

وقالت لوموند إن الملك سلمان بعث برسالة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أبدى فيها قلقه البالغ بشأن المفاوضات بين الدوحة وموسكو واحتمال نشر قطر لهذه الصواريخ.

ونقلت الصحيفة عن الرسالة التي تلقاها ماكرون قولها إن "المملكة ستكون مستعدة لاتخاذ جميع الإجراءات الضرورية لإزالة هذا النظام الدفاعي، بما في ذلك العمل العسكري".

وقال المسفر إن معنى التهديد السعودي بإجراءات عسكرية ضد قطر إذا نشرت صواريخ دفاعية "يؤكد بأن هناك نوايا عدوانية قد تقدم عليها الدول التي تحاصر قطر في أي لحظة، كم أن تصريحات وزير الخارجية البحريني بأنه ليس هناك حل في الأفق يعني ذلك قطع الطريق على أي محاولة للخروج من هذا المأزق الخليجي، وبالتالي فإن النتيجة التي نخرج منها تقول إن الأزمة الخليجية تتصاعد ولا تتراجع".  

بصيص من الأمل

يعتقد المحلل السياسي والمحاضر بجامعة جورج واشنطن عاطف عبد الجواد أن هناك "بصيصا من الأمل" في أن تنفرج هذه الأزمة في وقت قريب.

ورغم رغبة عبد الجواد في "تجنب التفاؤل المفرط" بسبب فشل مساع سابقة لحل الأزمة توسطت فيها الولايات المتحدة الأميركية والكويت فإنه يقول "بصيص الأمل هذه المرة يأتي من قمة مقررة أو متوقعة في كامب ديفيد في الولايات المتحدة في شهر سبتمبر والتي كانت في الواقع مقررة في شهر مايو، لكن الرئيس ترامب أرجأها إلى شهر سبتمبر بسبب مشاغله وتركيزه على الأزمة مع كوريا الشمالية".

وكان وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو قد قال في 29 نيسان/ أبريل في مؤتمر صحافي مع نظيره السعودي عادل الجبير، في الرياض، إنّ "الوحدة الخليجية ضرورية ونحن نحتاج إلى تحقيقها".

وقال عبد الجواد "عندما يجلس زعماء هذه الدول جميعا في غرفة واحدة ومعهم الرئيس ترامب أو حتى وزير خارجيته فإنه سيكون من الأسهل ولو على الأقل التوسط لحلول وسط ترضي كافة الأطراف وأيضا تحفظ ماء الوجه لهم في آن واحد".

وحول تصاعد الأزمة في الآونة الأخيرة لتصل إلى حد التهديد العسكري، أشار إلى أنه "أمر متوقع وتقليد في مسرح العلاقات الدولية، حتى تدخل الأطراف في المفاوضات بالحد الأقصى من المطالب وبما في ذلك التهديدات وربما التحركات العسكرية"، لافتا إلى تعامل الولايات المتحدة مع كوريا الشمالية وكيف صعدت من لهجتها وتهديداتها وفي المقابل صعدت كوريا المناورات وتجارب الصواريخ قبل الدخول في المساعي الدبلوماسية والمفاوضات.

إيران الحاضر الغائب في المفاوضات

يقول عبد الجواد إن "إيران هي المستفيد الأكبر من استمرار الأزمة الخليجية، وبالأخص عند النظر إلى الاستراتيجية الخليجية نفسها بالتركيز على التمدد الإيراني والتهديدات التي تشكلها ميليشياتها".

وكان وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو أعلن عن رغبة الرئيس دونالد ترامب في رؤية النزاع الخليجي وقد تم تخفيف حدته وصولا إلى حله، "لأنه يفيد إيران".

وقال عبد الجواد إن الولايات المتحدة تدخل قمة كامب ديفيد بهذا الشعار الرئيسي وهو أن هذه الأزمة تعرقل جهود إحباط التمدد الإيراني في المنطقة وهو ما ستعتمد عليه الولايات المتحدة لإقناع السعودية في أنها تتضرر أكثر مما تستفيد من هذه الأزمة.

مواطنون يلبسون كمامات في طوكيو
مواطنون يلبسون كمامات في طوكيو

يخشى أستاذ التاريخ في جامعة كمبريدج المتخصص في تاريخ الأوبئة خالد فهمي من التغيرات التي يحدثها فيروس كورونا في العالم.

ويحذر فهمي من أن تستغل الحكومات في مختلف الدول وباء كورونا المستجد لتعزيز رقابتها الأمنية على المواطنين.

واستخدمت الدول في إطار إجراءات الوقاية من مرض كوفيد-19، تطبيقات هاتفية والتكنولوجيا المتقدمة لمراقبة انتشار الفيروس، وبينها مثلا الطائرات المسيرة والقوى الأمنية لفرض حظر التجول وتدابير الإغلاق.

ويقول الأستاذ الجامعي المصري (56 عاما) في مقابلة عبر الإنترنت مع وكالة فرانس برس من كمبريدج "الطريقة التي ستتمكن بها الحكومات من مراقبة أفعال وتحركات كل شخص تدعو للقلق".

ويضيف "الخوف يرجع إلى أنه بمجرد التنازل عن هذه الحقوق (الشخصية) للحكومات، يصعب استردادها بعد انتهاء الأزمة". ويشير بهذا الصدد إلى التجربة المصرية التي يتابعها عن كثب.

وعاش فهمي اللحظات التاريخية لثورة يناير 2011 في مصر التي كان عاد إليها قبل أشهر من بدء الحركة الاحتجاجية ضد الرئيس الراحل حسني مبارك. وكتب كثيرا من جهة أخرى عن الأوبئة في الشرق الأوسط.

وهو يعيش في الخارج مجددا منذ تسلم الرئيس عبد الفتاح السيسي السلطة في 2014.

وصادق السيسي الشهر الجاري على مجموعة من التعديلات لقانون الطوارئ اعتبر المدافعون عن حقوق الإنسان أنها تعزز من "السلطات القمعية" للحكم باسم مكافحة فيروس كورونا المستجد.

نوع جديد من المراقبة

وتسمح هذه التعديلات للرئيس بإغلاق المدارس ومنع التجمعات العامة أو الخاصة ووضع المسافرين القادمين إلى مصر في العزل.

ويقول المؤرخ "إذا قارننا ما يحدث في مصر الآن بما حدث إبان انتشار وباء الكوليرا في عام 1947، سنجد أن الفارق الكبير هو وسائل الإعلام والانفتاح الذي كانت تعتمده في ذلك الوقت، في حين أنها اليوم مغلقة في ما يتعلق بتغطية الوباء".

ويذّكر أن "العزل بدأ يفرض في مصر بشكل صارم جدا" بعد وباء الكوليرا عام 1831 الذي ظهر آنذاك في الصين قبل أن ينتقل إلى الشرق الأوسط.

ومنذ بدء ظهور الفيروس الجديد في البلاد في مارس الماضي، أوقفت السلطات صحافيين ومدونين بتهمة نشر أخبار كاذبة حول الوباء.

ويرى فهمي الذي له آراء ناقدة لسياسات الحكومة المصرية، "ما نواجهه اليوم أخطر بكثير.. لأننا إزاء نوع جديد من المراقبة واقتحام للخصوصية باسم السيطرة على الوباء".

ويشير خصوصا إلى المصير المقلق للسجناء السياسيين في البلاد ويبلغ عددهم قرابة 60 ألفا وفقا لمنظمات حقوقية، الذين تتعرض حياتهم للخطر بسبب ظروف احتجازهم في سجون مكتظة في ظل انتشار الوباء.

ويقول فهمي "إنهم مسجونون ظلما، والآن هم في خطر داخل أماكن احتجازهم".

ويتحدث فهمي بصوت هادئ، ويدرج مؤرخ الإمبراطورية العثمانية وباء كوفيد-19 في سياق تاريخ طويل من الأوبئة التي اجتاحت مصر.

ويعرض فهمي في كتابه "كل رجال الباشا" الطريقة التي أصبح بها الوالي العثماني محمد علي حاكما لمصر من خلال بناء جيش قوي منخرط في كل أوجه الحياة العامة، بما في ذلك الصحة.

وما زال الكتاب الصادر عام 1997 والذي حقق نجاحا، موجودا لدى باعة الكتب على الأرصفة في مصر.

ويشرح فيه المؤرخ كيف احتفظ الجيش المصري في زمننا المعاصر بدور من الدرجة الأولى في إدارة شؤون البلاد.

انتشار الجيش

وعزز قائد الجيش السابق عبد الفتاح السيسي دور الجيش في الحياة العامة في مصر. فقد انتشرت وحدات من الجيش في الشوارع والمنشآت العامة لتعقيمها. كما قام الجيش بتوزيع كمامات وبيعها للمصريين بأسعار مخفضة.

وتتزايد أعداد المصابين بفيروس كورونا المستجد في مصر حيث يتم تسجيل مئات الحالات الجديدة يوميا.

وسجل البلد العربي الأكبر ديموغرافيا أكثر من 17 ألف حالة حتى اليوم وأكثر من 700 وفاة.

وبحسب المؤرخ، فإن الوباء الذي نواجهه "وباء فيروسي. وفي هذه الحالات، يتم عزل المرضى سواء في أماكن مخصصة لهم أو في مستشفيات تقام لهذا الغرض".

ويشير إلى أن "كل هذا يضع ضغوطا هائلة على النظام الصحي العام القائم". 

ويرى خبراء أن النظام الصحي المصري يقترب من استنفاد قدراته على استيعاب مزيد من المرضى.

وعلى الصعيد الشخصي، يعيش خالد فهمي الإغلاق بسبب كورونا وكأنه منفى مزدوج.

ويقول "أنا مصري ولكنني لا أستطيع أن أعود إلى بلدي لأسباب عدة، وكوني أعيش في ظل الإغلاق فهذا يمثل مستوى آخر" من المنفى.