رجل أمن مصري في جولة مفتوحة للإعلاميين بسجن طرة  - 11 نوفمبر 2019
رجل أمن مصري في جولة مفتوحة للإعلاميين بسجن طرة - 11 نوفمبر 2019

حثت الولايات المتحدة ودول غربية أخرى مصر يوم الأربعاء على التحقيق في مزاعم عن عمليات قتل وتعذيب على أيدي قوات الأمن وعلى إطلاق سراح صحفيين وغيرهم اعتقلتهم السلطات بسبب ممارستهم حقهم في التعبير عن الرأي.

وسعت مصر لصرف الانتباه بعيدا عن سجلها الحقوقي وأوضاع السجون قبيل مراجعة الأمم المتحدة التي تأتي في أعقاب موجة جديدة من الاعتقالات. وتقول القاهرة إنها تحاول الموازنة بين مكافحة الإرهاب واحترام حقوق الإنسان.​ردا على تقرير عن وفاة مرسي.

المراجعة الأممية 

راجع مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف الأربعاء سجل مصر لأول مرة منذ خمس سنوات في إطار مراجعة دورية لجميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

وانتقدت المراجعة بشدة مصر بسبب سجلها في حقوق الإنسان، وأعرب دبلوماسيون عن مخاوفهم من ظروف اعتقال السجناء وتناقص الحريات في البلد الذي شهد مؤخرا تظاهرات معارضة للنظام. 

وخلال ما يسمى بـ"المراجعة الدورية العالمية" التي تخضع لها جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وعددها 193 دولة، كل أربع سنوات تقريبا، أعرب ممثلون من مجموعة واسعة من الدول عن قلقهم بشأن انتهاكات خطيرة تجري في مصر.

وأعرب العديد عن قلقهم بشأن مزاعم بممارسة التعذيب وعمليات القتل التعسفية والاختفاءات القسرية، إضافة إلى مخاوف بشأن محاكمات جماعية وظروف اعتقال سيئة والتمييز ضد المرأة، وتطبيق عقوبة الإعدام. 

ولكن المخاوف تركزت على تناقص فضاء المجتمع المدني في البلاد، بعد اعتقال نحو 4000 شخص من بينهم محامون ونشطاء واساتذة جامعيون وصحافيون، في موجة من الاعتقالات بعد تظاهرات نادرة ضد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في سبتمبر. 

وواجه السيسي إدانة دولية لقمعه منظمات المجتمع المدني منذ توليه السلطة في 2014، أي بعد عام من الاطاحة بالرئيس الإسلامي محمد مرسي. 

وقال السفير البريطاني بيثويت: "لا نزال قلقين بشأن القيود على المدافعين عن حقوق الإنسان بما فيها الاعتقالات وحظر السفر، وتجميد الأصول، والقيود على حرية التعبير، والتجمع السلمي والانتماء". 

ودعت سفير السويد فيرونيكا بارد مصر الى "وقف تقييد فضاء المجتمع المدني من خلال تجميد الأرصدة وفرض حظر على السفر وفترات الاحتجاز الطويلة قبل المحاكمة، والأعداد المتزايدة من الاعتقالات". 

كما أعرب عدد من الدبلوماسيين عن قلقهم الأربعاء بشأن ظروف الاعتقال في مصر وسط اتهامات جماعات حقوقية للسلطات المصرية بممارسة التعذيب، واكتظاظ السجون والإهمال الطبي فيها. 

وذكرت مجموعة من خبراء الحقوق المستقلين أن وفاة مرسي الذي احتجز في سجن طرة لمدة خمس سنوات، يمكن أن ترقى إلى "قتل تعسفي سمحت به الدولة". 

كما أثارت العديد من الدول مسألة وفاة مرسي، حيث دعا ممثل تركيا مصر إلى "ضمان إجراء تحقيق سريع ومحايد ودقيق وشفاف من قبل جهة مستقلة لتوضيح أسباب وفاة" مرسي.

وقال دانييل كروننفلد الممثل الأمريكي أمام المجلس "مع الإقرار بتهديد الإرهاب الذي تواجهه مصر، فإننا ندعو الحكومة إلى مواجهة هذا الخطر بشكل أفضل من خلال تخفيف القيود على حريتي التعبير والتجمع السلمي… وتوفير ضمانات لمحاكمات عادلة".

وحث كروننفلد مصر على "التصدي لمسألة الإفلات من العقاب بإجراء تحقيقات يعتد بها في مزاعم عن تنفيذ قوات الأمن لعمليات قتل خارج إطار القانون وتعذيب واختفاء قسري وإعلان النتائج ومحاكمة المسؤولين عن ذلك".

وانسحبت الولايات المتحدة من مجلس حقوق الإنسان في عام 2018 ولا تحضر سوى المراجعات الدورية لسجلات الدول الأعضاء.

وأبدت بريطانيا والسويد كذلك قلقهما من القيود التي تفرضها مصر على النشطاء ومنها الاعتقال وحظر السفر وتجميد الأصول.

ودافع رئيس الوفد المصري عن سجل حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي قائلا إن "التعذيب بجميع صورة وأشكاله جريمة لا تسقط بالتقادم" لكنه أضاف أنه ربما تكون هناك حالات معزولة.

وأضاف عمر مروان وزير شؤون مجلس النواب "جرت خلال الخمس سنوات الماضية العديد من المحاكمات الجنائية والتأديبية لوقائع تتعلق بممارسة التعذيب، وقد تضمن تقريرنا المقدم لمجلسكم الموقر البيانات والأعداد الخاصة بهذه المحاكمات".

حملة اعتقالات

جاءت حملة الاعتقالات الأخيرة في مصر، التي يصفها نشطاء حقوقيون بأنها الأكبر منذ سنوات، بعد احتجاجات نادرة ضد الرئيس عبد الفتاح السيسي في القاهرة ومدن أخرى في أواخر أيلول.

وتقول المفوضية المصرية للحقوق والحريات إنه جرى اعتقال أكثر من 4400 بينهم نشطاء بارزون وأكاديميون وشخصيات سياسية.

وأضافت أن نحو 3000 شخص ما زالوا محتجزين بتهم منها استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر أخبار كاذبة والانضمام إلى جماعة إرهابية محظورة والاحتجاج دون تصريح.

وكانت انتقادات القوى الغربية، الحريصة على تطوير روابط أمنية واقتصادية مع مصر في عهد السيسي، خافتة لكن الجلسة المنعقدة في جنيف تتيح فرصة نادرة يمكنها خلالها طرح الأسئلة علنا.

وبإمكان المجلس إصدار توصيات لكنه يفتقر لآليات لمعاقبة أي دولة يثبت انتهاكها لحقوق الإنسان. ومن المقرر أن ترد مصر يوم الجمعة على أي توصيات تقترحها الدول.

مواطنون يلبسون كمامات في طوكيو
مواطنون يلبسون كمامات في طوكيو

يخشى أستاذ التاريخ في جامعة كمبريدج المتخصص في تاريخ الأوبئة خالد فهمي من التغيرات التي يحدثها فيروس كورونا في العالم.

ويحذر فهمي من أن تستغل الحكومات في مختلف الدول وباء كورونا المستجد لتعزيز رقابتها الأمنية على المواطنين.

واستخدمت الدول في إطار إجراءات الوقاية من مرض كوفيد-19، تطبيقات هاتفية والتكنولوجيا المتقدمة لمراقبة انتشار الفيروس، وبينها مثلا الطائرات المسيرة والقوى الأمنية لفرض حظر التجول وتدابير الإغلاق.

ويقول الأستاذ الجامعي المصري (56 عاما) في مقابلة عبر الإنترنت مع وكالة فرانس برس من كمبريدج "الطريقة التي ستتمكن بها الحكومات من مراقبة أفعال وتحركات كل شخص تدعو للقلق".

ويضيف "الخوف يرجع إلى أنه بمجرد التنازل عن هذه الحقوق (الشخصية) للحكومات، يصعب استردادها بعد انتهاء الأزمة". ويشير بهذا الصدد إلى التجربة المصرية التي يتابعها عن كثب.

وعاش فهمي اللحظات التاريخية لثورة يناير 2011 في مصر التي كان عاد إليها قبل أشهر من بدء الحركة الاحتجاجية ضد الرئيس الراحل حسني مبارك. وكتب كثيرا من جهة أخرى عن الأوبئة في الشرق الأوسط.

وهو يعيش في الخارج مجددا منذ تسلم الرئيس عبد الفتاح السيسي السلطة في 2014.

وصادق السيسي الشهر الجاري على مجموعة من التعديلات لقانون الطوارئ اعتبر المدافعون عن حقوق الإنسان أنها تعزز من "السلطات القمعية" للحكم باسم مكافحة فيروس كورونا المستجد.

نوع جديد من المراقبة

وتسمح هذه التعديلات للرئيس بإغلاق المدارس ومنع التجمعات العامة أو الخاصة ووضع المسافرين القادمين إلى مصر في العزل.

ويقول المؤرخ "إذا قارننا ما يحدث في مصر الآن بما حدث إبان انتشار وباء الكوليرا في عام 1947، سنجد أن الفارق الكبير هو وسائل الإعلام والانفتاح الذي كانت تعتمده في ذلك الوقت، في حين أنها اليوم مغلقة في ما يتعلق بتغطية الوباء".

ويذّكر أن "العزل بدأ يفرض في مصر بشكل صارم جدا" بعد وباء الكوليرا عام 1831 الذي ظهر آنذاك في الصين قبل أن ينتقل إلى الشرق الأوسط.

ومنذ بدء ظهور الفيروس الجديد في البلاد في مارس الماضي، أوقفت السلطات صحافيين ومدونين بتهمة نشر أخبار كاذبة حول الوباء.

ويرى فهمي الذي له آراء ناقدة لسياسات الحكومة المصرية، "ما نواجهه اليوم أخطر بكثير.. لأننا إزاء نوع جديد من المراقبة واقتحام للخصوصية باسم السيطرة على الوباء".

ويشير خصوصا إلى المصير المقلق للسجناء السياسيين في البلاد ويبلغ عددهم قرابة 60 ألفا وفقا لمنظمات حقوقية، الذين تتعرض حياتهم للخطر بسبب ظروف احتجازهم في سجون مكتظة في ظل انتشار الوباء.

ويقول فهمي "إنهم مسجونون ظلما، والآن هم في خطر داخل أماكن احتجازهم".

ويتحدث فهمي بصوت هادئ، ويدرج مؤرخ الإمبراطورية العثمانية وباء كوفيد-19 في سياق تاريخ طويل من الأوبئة التي اجتاحت مصر.

ويعرض فهمي في كتابه "كل رجال الباشا" الطريقة التي أصبح بها الوالي العثماني محمد علي حاكما لمصر من خلال بناء جيش قوي منخرط في كل أوجه الحياة العامة، بما في ذلك الصحة.

وما زال الكتاب الصادر عام 1997 والذي حقق نجاحا، موجودا لدى باعة الكتب على الأرصفة في مصر.

ويشرح فيه المؤرخ كيف احتفظ الجيش المصري في زمننا المعاصر بدور من الدرجة الأولى في إدارة شؤون البلاد.

انتشار الجيش

وعزز قائد الجيش السابق عبد الفتاح السيسي دور الجيش في الحياة العامة في مصر. فقد انتشرت وحدات من الجيش في الشوارع والمنشآت العامة لتعقيمها. كما قام الجيش بتوزيع كمامات وبيعها للمصريين بأسعار مخفضة.

وتتزايد أعداد المصابين بفيروس كورونا المستجد في مصر حيث يتم تسجيل مئات الحالات الجديدة يوميا.

وسجل البلد العربي الأكبر ديموغرافيا أكثر من 17 ألف حالة حتى اليوم وأكثر من 700 وفاة.

وبحسب المؤرخ، فإن الوباء الذي نواجهه "وباء فيروسي. وفي هذه الحالات، يتم عزل المرضى سواء في أماكن مخصصة لهم أو في مستشفيات تقام لهذا الغرض".

ويشير إلى أن "كل هذا يضع ضغوطا هائلة على النظام الصحي العام القائم". 

ويرى خبراء أن النظام الصحي المصري يقترب من استنفاد قدراته على استيعاب مزيد من المرضى.

وعلى الصعيد الشخصي، يعيش خالد فهمي الإغلاق بسبب كورونا وكأنه منفى مزدوج.

ويقول "أنا مصري ولكنني لا أستطيع أن أعود إلى بلدي لأسباب عدة، وكوني أعيش في ظل الإغلاق فهذا يمثل مستوى آخر" من المنفى.