مروة وابنها يوسف
مروة وابنها يوسف

كريم مسعد- القاهرة

كلمات بسيطة تحمل الرضا و السعادة في معانيها كتبتها مروة قناوي على حسابها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك " ألف مبرووك حق يوسف رجع".

وجاء ذلك بعد أن حكمت محكمة جنايات الجيزة بمعاقبة المتهمين بقتل الطفل يوسف العربي بالسجن خمس سنوات، وذلك في إعادة محاكمتهما بعد صدور حكم غيابي بسجنهما 7 سنوات، وتسليمهما نفسيهما للأجهزة الأمنية التابعين لها لإعادة إجراءات المحاكمة.

قصة يوسف العربي تعود إلى أكثر من عامين قبل اليوم، حيث قتل الطفل صاحب الـ13 عاما حينها برصاصة طائشة انطلقت من أحد الأفراح في منطقة مجاورة لتواجده برفقة أصدقائه.

وكانت مروة قد أضربت عن الطعام لأكثر من 40 يوما للمطالبة بإلقاء القبض على الجناة وتحقيق العدالة.

وأثارت القضية تعاطفا كبيرا مع حادثة وفاة يوسف على مواقع التواصل الاجتماعي ومطالبات متعددة بإلقاء القبض على المتهمين وهما طاهر محمد أبو طالب (ضابط مفصول)، وخالد أحمد عبد التواب (نجل عضو مجلس الشعب السابق بالفيوم)، الذين ظلا هاربين إلى أن حكمت المحكمة عليهما غيابيا ثم سلما نفسيهما في مايو الماضي.

ولا يعتبر الحكم الصادر بحبس المتهمين نهائيا إذ أنه يقبل الطعن عليه في مرحلة النقض.

وكانت مروة قد وجدت في مقتل ابنها بهذه الطريقة دافعا قويا لها كي تقدم مبادرة مجتمعية بعنوان "لا لضرب النار في المناسبات" وهي العادة التي تنتشر في الأفراح الشعبية في مصر لا سيما في الصعيد حيث ينتشر امتلاك العائلات و الأفراد للأسلحة النارية ويتم إطلاق النار في الهواء أثناء الأفراح تعبيرا عن الاحتفال ، الأمر الذي يتسبب في العديد من الوفيات جراء الطلقات الطائشة.

وتعمل المبادرة على نشر الوعي بين أفراد المجتمع خصوصا الأطفال في المدارس انطلاقا من قصة يوسف التي تطبعها مروة على كراسات وتوزعها على المدارس المختلفة وغيرها من أنشطة المبادرة التي تسعى مروة لأن تكون سببا لتوقف هذه العادة التي تودي بحياة كثيرين.

مواطنون يلبسون كمامات في طوكيو
مواطنون يلبسون كمامات في طوكيو

يخشى أستاذ التاريخ في جامعة كمبريدج المتخصص في تاريخ الأوبئة خالد فهمي من التغيرات التي يحدثها فيروس كورونا في العالم.

ويحذر فهمي من أن تستغل الحكومات في مختلف الدول وباء كورونا المستجد لتعزيز رقابتها الأمنية على المواطنين.

واستخدمت الدول في إطار إجراءات الوقاية من مرض كوفيد-19، تطبيقات هاتفية والتكنولوجيا المتقدمة لمراقبة انتشار الفيروس، وبينها مثلا الطائرات المسيرة والقوى الأمنية لفرض حظر التجول وتدابير الإغلاق.

ويقول الأستاذ الجامعي المصري (56 عاما) في مقابلة عبر الإنترنت مع وكالة فرانس برس من كمبريدج "الطريقة التي ستتمكن بها الحكومات من مراقبة أفعال وتحركات كل شخص تدعو للقلق".

ويضيف "الخوف يرجع إلى أنه بمجرد التنازل عن هذه الحقوق (الشخصية) للحكومات، يصعب استردادها بعد انتهاء الأزمة". ويشير بهذا الصدد إلى التجربة المصرية التي يتابعها عن كثب.

وعاش فهمي اللحظات التاريخية لثورة يناير 2011 في مصر التي كان عاد إليها قبل أشهر من بدء الحركة الاحتجاجية ضد الرئيس الراحل حسني مبارك. وكتب كثيرا من جهة أخرى عن الأوبئة في الشرق الأوسط.

وهو يعيش في الخارج مجددا منذ تسلم الرئيس عبد الفتاح السيسي السلطة في 2014.

وصادق السيسي الشهر الجاري على مجموعة من التعديلات لقانون الطوارئ اعتبر المدافعون عن حقوق الإنسان أنها تعزز من "السلطات القمعية" للحكم باسم مكافحة فيروس كورونا المستجد.

نوع جديد من المراقبة

وتسمح هذه التعديلات للرئيس بإغلاق المدارس ومنع التجمعات العامة أو الخاصة ووضع المسافرين القادمين إلى مصر في العزل.

ويقول المؤرخ "إذا قارننا ما يحدث في مصر الآن بما حدث إبان انتشار وباء الكوليرا في عام 1947، سنجد أن الفارق الكبير هو وسائل الإعلام والانفتاح الذي كانت تعتمده في ذلك الوقت، في حين أنها اليوم مغلقة في ما يتعلق بتغطية الوباء".

ويذّكر أن "العزل بدأ يفرض في مصر بشكل صارم جدا" بعد وباء الكوليرا عام 1831 الذي ظهر آنذاك في الصين قبل أن ينتقل إلى الشرق الأوسط.

ومنذ بدء ظهور الفيروس الجديد في البلاد في مارس الماضي، أوقفت السلطات صحافيين ومدونين بتهمة نشر أخبار كاذبة حول الوباء.

ويرى فهمي الذي له آراء ناقدة لسياسات الحكومة المصرية، "ما نواجهه اليوم أخطر بكثير.. لأننا إزاء نوع جديد من المراقبة واقتحام للخصوصية باسم السيطرة على الوباء".

ويشير خصوصا إلى المصير المقلق للسجناء السياسيين في البلاد ويبلغ عددهم قرابة 60 ألفا وفقا لمنظمات حقوقية، الذين تتعرض حياتهم للخطر بسبب ظروف احتجازهم في سجون مكتظة في ظل انتشار الوباء.

ويقول فهمي "إنهم مسجونون ظلما، والآن هم في خطر داخل أماكن احتجازهم".

ويتحدث فهمي بصوت هادئ، ويدرج مؤرخ الإمبراطورية العثمانية وباء كوفيد-19 في سياق تاريخ طويل من الأوبئة التي اجتاحت مصر.

ويعرض فهمي في كتابه "كل رجال الباشا" الطريقة التي أصبح بها الوالي العثماني محمد علي حاكما لمصر من خلال بناء جيش قوي منخرط في كل أوجه الحياة العامة، بما في ذلك الصحة.

وما زال الكتاب الصادر عام 1997 والذي حقق نجاحا، موجودا لدى باعة الكتب على الأرصفة في مصر.

ويشرح فيه المؤرخ كيف احتفظ الجيش المصري في زمننا المعاصر بدور من الدرجة الأولى في إدارة شؤون البلاد.

انتشار الجيش

وعزز قائد الجيش السابق عبد الفتاح السيسي دور الجيش في الحياة العامة في مصر. فقد انتشرت وحدات من الجيش في الشوارع والمنشآت العامة لتعقيمها. كما قام الجيش بتوزيع كمامات وبيعها للمصريين بأسعار مخفضة.

وتتزايد أعداد المصابين بفيروس كورونا المستجد في مصر حيث يتم تسجيل مئات الحالات الجديدة يوميا.

وسجل البلد العربي الأكبر ديموغرافيا أكثر من 17 ألف حالة حتى اليوم وأكثر من 700 وفاة.

وبحسب المؤرخ، فإن الوباء الذي نواجهه "وباء فيروسي. وفي هذه الحالات، يتم عزل المرضى سواء في أماكن مخصصة لهم أو في مستشفيات تقام لهذا الغرض".

ويشير إلى أن "كل هذا يضع ضغوطا هائلة على النظام الصحي العام القائم". 

ويرى خبراء أن النظام الصحي المصري يقترب من استنفاد قدراته على استيعاب مزيد من المرضى.

وعلى الصعيد الشخصي، يعيش خالد فهمي الإغلاق بسبب كورونا وكأنه منفى مزدوج.

ويقول "أنا مصري ولكنني لا أستطيع أن أعود إلى بلدي لأسباب عدة، وكوني أعيش في ظل الإغلاق فهذا يمثل مستوى آخر" من المنفى.