نجحت إثيوبيا في تشييد سدها العملاق وإدارتها الظهر لمطالب القاهرة الأساسية
نجحت إثيوبيا في تشييد سدها العملاق وإدارتها الظهر لمطالب القاهرة الأساسية

من جولات تفاوضية متعاقبة إلى محادثات بوساطة أميركية ثم النقاش حول مبادرة سودانية، حتى الوصول إلى محطة، يبدو أنها الأخيرة، برعاية الاتحاد الإفريقي، تكون مصر قد أمضت ما يقرب من عقد كامل في مفاوضات تصفها بـ"المضنية" للتوصل إلى اتفاق، لم يحدث، بخصوص سد النهضة الذي تبنيه إثيوبيا على نهر النيل. 

وفي كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، قال الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي: "أود أن أنقل إليكم تصاعد قلق الأمة المصرية البالغ حيال هذا المشروع (سد النهضة) الذي تشيده دولة جارة وصديقة ... إن نهر النيل ليس حكرا لطرف ومياهه بالنسبة لمصر ضرورة للبقاء".

وكان آخر اجتماع جمع مصر والسودان وإثيوبيا عُقد برعاية الاتحاد الإفريقي في 28 أغسطس الماضي، وفيه فشلت الدول الثلاث في دمج مقترحاتها بشأن طريقة ملء سد النهضة وتشغيله، بسبب خلافات واسعة حول عدد من النقاط القانونية والفنية. 

أديس أبابا تعتبر أن سد النهضة أساسي لنموها الاقتصادي ولإمدادها بالكهرباء.

ورغم بدء ملء الخزان خلف السد في يوليو الماضي، لا يزال الخلاف القائم بين إثيوبيا ومصر والسودان محتدما.

وتعثرت المفاوضات في السابق بسبب مطالبة مصر والسودان بأن يكون أي اتفاق ملزما قانونا في ما يتعلق بآلية فض المنازعات المستقبلية وكيفية إدارة السد خلال فترات انخفاض هطول الأمطار أو الجفاف، وهو الأمر الذي تعترض عليه إثيوبيا.

وبعد فشل الاجتماع الأخير قررت كل دولة منفردة إرسال خطاب إلى رئيس جنوب إفريقيا، الذي تتولى بلاده رئاسة الاتحاد الإفريقي، بشأن رؤيتها للمرحلة المقبلة.

مر ما يقرب من شهر من فشل اجتماع الدول الثلاث، لكن الاتحاد الإفريقي لم يعلق، في ظل ضبابية بشأن موعد جديد لاجتماع مقبل.

مسار إفريقي "فاشل"

ويرى الرئيس السابق لوحدة السودان وحوض النيل بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، هاني رسلان،  أن الاتحاد الإفريقي "يفتقد القدرة على إدارة ودفع مفاوضات جادة".

وأضاف في حديث لموقع "الحرة": "لقد خالفت إثيوبيا نتائج القمة المصغرة الأولى التي عقدها الاتحاد بخصوص هذه المفاوضات، وقامت بالملء الأحادي الأول، ثم عادت وكررت نفس الفعل بمخالفة بيان القمة المصغرة الثانية، وأعلنت أنها لن تقبل باتفاق ملزم وتريد تقاسم المياه".

وأوضح أنه "في الحالتين لم يصدر عن الاتحاد ما يدين هذه المواقف أو يطالب بالعدول عنها، ومن ثم دخلت العملية التفاوضية إلى طريق مسدود وتوقفت".

وبحسب رسلان، فإن الجمود الذي ينتاب المفاوضات حاليا "يوضح ضعف الاتحاد وفشله بشكل ضمني، ويبدو أن هناك نوعا من الحرج في إعلان هذا الفشل".

وتخشى مصر، التي تعتمد على النيل في أكثر من 90 بالمئة من إمداداتها من المياه العذبة، أن يؤدي السد إلى زيادة نقص المياه الحالي.

وفي وقت سابق من سبتمبر الجاري، قررت الولايات المتحدة خفض 100 مليون دولار من مساعداتها لإثيوبيا، بسبب موقفها من مفاوضات سد النهضة، وانسحابها السابق من مفاوضات كانت ترعاها واشنطن. 

وفي هذا الإطار، يقول أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، نادر نور الدين، إن الاتحاد الإفريقي وتولي جنوب إفريقيا للمباحثات بين الدول الثلاث هو خيار إثيوبي بحت، مضيفا "إثيوبيا لن تختار إلا ما هو في صالحها فقط ولكي تبعد الأزمة عن مجلس الأمن والمجتمع الدولي".

وفي يونيو الماضي، تقدمت مصر رسميا بشكوى ضد إثيوبيا لمجلس الأمن الذي طلبت منه التدخل على خلفية فشل مفاوضات سد النهضة المتواصلة. 

وأضاف نور الدين "حتى الآن لم نر دورا فعالا لجنوب إفريقيا أو للمجلس الفني للاتحاد الإفريقي في تقريب وجهات النظر أو التقدم بمقترحات أو خريطة طريق تصلح للاتفاق عليها، ولو استمرت المفاوضات لمائة عام مقبلة لن يحدث أي تقدم في المفاوضات".

ويعتقد نور الدين أن "جنوب إفريقيا تساعد إثيوبيا بتجميد المفاوضات والتسويف وكسب الوقت وعدم السماح بتدويل القضية استغلالا لشعار براق، وهو أن للقضايا الإفريقية حلولا إفريقية، وبذلك ينبغي إلغاء الأمم المتحدة، تفعيلا لدور الاتحاد الإفريقي الخامل"، على حد قوله.

العودة لمجلس الأمن

ورغم ذلك، تواصل القاهرة الحشد لموقفها بشأن السد الإثيوبي، عبر لقاءات بدأت الخارجية المصرية تنظيمها، في وقت سابق من سبتمبر الجاري، مع خبراء في إدارة الموارد المائية والري، وأعضاء بمراكز أبحاث في عدد من العواصم، لاستعراض جهود مصر في التوصل إلى "اتفاق عادل".

وكانت أحدث أنشطة هذا الحشد عقد وفد مصر لدى الأمم المتحدة في جنيف ندوة مع خبراء في العلوم البيئية وإدارة الموارد المائية وفقهاء قانونيين، بمشاركة الوفد التفاوضي المصري، لتوضيح جهود القاهرة للتوصل لاتفاق يراعي مصالح الدول الثلاث، حسبما قال المتحدث باسم الخارجية المصرية، الخميس.

وبحسب رسلان، فإن مصر قد ألمحت إلى خياراتها المقبلة في كلمة السيسي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، بإشارته إلى بحث مجلس الأمن الأزمة في وقت سابق من هذا العام، مما يعد اعترافا بخطورتها وارتباطها وتأثيرها على السلم والأمن الدوليين.

ووفقا لرسلان فإن استعراض السيسي السريع لتاريخ المفاوضات التي خاضتها مصر، في كلمته الأخيرة، "هو تذكير للمجتمع الدولي بأن يتحمل مسئولياته دون أن تمتد المفاوضات إلى ما لا نهاية ".

وأردف قائلا: "هذا يعنى العودة إلى المجتمع الدولي، لكنها لن تتم إلا بعد وضوح موقف الاتحاد الإفريقى من جهود الوساطة التي يقوم بها".

وفي المقابل، لا يرى نور الدين أن القاهرة بحاجة إلى انتظار موقف الاتحاد الإفريقي، قائلا: "ينبغي لمصر وفورا أن تعيد ملف المفاوضات إلي مجلس الأمن".

وأضاف "هذه القضية دولية وليست إقليمية لأننا نتحدث عن نهر دولي عابر للحدود، وينبغي مناقشة رغبة إثيوبيا في السيطرة عليه والتحكم في مقدراته من خلال الأمم المتحدة، وانتداب الخبراء الدوليين للتحكيم بين الدول الثلاث".

واعتبر أنه ما لم يحدث ذلك، فإن "شرق إفريقيا مهدد بالاشتعال"، مما سيؤثر على المجتمع الدولي بأكمله.

ترامب أعلن عن مجموعة واسعة من الرسوم الجمركية على دول العالم
ترامب أعلن عن مجموعة واسعة من الرسوم الجمركية على دول العالم

دخلت التعريفات الجمركية الجديدة التي فرضتها الإدارة الأميركية حيز التنفيذ، وفي وقت تتفاوض فيه دول كثيرة على تعديلات بخصوصها، زاد التوتر مع الصين بعد رفع تلك الرسوم إلى 104 بالمئة.

مع هذا التصعيد، هبطت أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها خلال أربع سنوات، بسبب مخاوف بشأن الطلب وسط التوترات التي تشهدها العلاقات التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم، الصين والولايات المتحدة.

في ظل هذه السلبيات، يبدو أن هناك دول ربما تكون مستفيدة من قيمة التعريفات الجمركية الأميركية، مقارنة بالمفروضة على دول أخرى.. فكيف تتأثر دول الخليج ومصر؟

الخليج ومخاوف نفطية

مع إعلان الرسوم الجمركية، الأسبوع الماضي، هبطت أسواق الأسهم في الخليج بشكل كبير، قبل أن تبدأ الثلاثاء في استعادة تعافيها من من عمليات البيع العالمية على أمل أن تكون الولايات المتحدة على استعداد للتفاوض بشأن بعض الرسوم الجمركية.

وصعد المؤشر القياسي السعودي واحدا بالمئة، بعدما هوى 6.8 بالمئة يوم الأحد مسجلا أكبر انخفاض يومي له منذ الأيام الأولى لجائحة كوفيد-19 في 2020.

وارتفع المؤشر الرئيسي في دبي 1.9 بالمئة مدعوما بصعود سهم إعمار العقارية 1.3 بالمئة وسهم بنك دبي الإسلامي 2.2 بالمئة. وفي أبوظبي، صعد المؤشر 0.5 بالمئة.

ترامب أعلن عن مجموعة واسعة من الرسوم الجمركية على دول العالم
بين المفاوضات والتهديدات.. كيف تعاملت دول مع رسوم ترامب الجمركية؟
تتوالى تبعات القرار الأميركي بفرض رسوم جمركية على دول العالم، فهناك عشرات البلدان التي قررت التفاوض مع الإدارة الأميركية، فيما قررت الصين على سبيل المثال "القتال حتى النهاية"، في أحدث رد فعل ينبئ بصعوبة القادم.

يرى الخبير الاقتصادي السعودي علي الحازمي، أن تأثير الرسوم الجمركية على دول الخليج لن يكون كبيرا.

وقال في حديثه لموقع الحرة: "زيادة التعريفات الجمركية يعني تباطؤ الاقتصاد العالمي وانخفاض الطلب على النفط ما ينعكس سلبا على الأسعار، وهو ما حدث فعلا في ظل الارتباك الذي نشهده حاليا".

كما أشار المحلل الاقتصادي الأردني عامر الشوبكي، إلى أن "التأثير الأكبر على الدول الخليجية هو انخفاض أسعار النفط لمستويات هي الأدنى منذ أربع سنوات".

وتابع: "الأمر سيكون صعب على السعودية والإمارات وعمان، وسيكون أقل وطأة على الإمارات وقطر"، موضحا أن "قطر ستكون الأقل تأثرا لأنها تعتمد على تصدير الغاز المرتبط بعقود طويلة المدى ولن يتأثر بالأسعار الفورية".

تضارب خليجي أميركي

بحلول الساعة الواحدة صباح الأربعاء بتوقيت جرينتش، خسرت العقود الآجلة لخام برنت 2.13 دولار بما يعادل 3.39 بالمئة لتصل إلى 60.69 دولار للبرميل.

كما نزلت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي 2.36 دولار، أو 3.96 بالمئة إلى 57.22 دولار.

ولامس برنت أدنى مستوياته منذ مارس 2021، بينما سجل خام غرب تكساس الوسيط أدنى مستوياته منذ فبراير2021.

وانخفضت أسعار الخامين القياسيين على مدى خمس جلسات متتالية منذ أن أعلن الرئيس ترامب فرض الرسوم الجمركية على معظم الواردات إلى الولايات المتحدة، مما أثار مخاوف حيال تأثير الحرب التجارية العالمية على النمو الاقتصادي والإضرار بالطلب على الوقود.

يقول الحازمي:" السؤال هنا هل تتجه أوبك مستقبلا لخفض الإنتاج؟ ربما أوبك بلس تتجه لذلك بسبب انخفاض الطلب مستقبلا".

ربما يكون هنا تعارض في المصالح بين الولايات المتحدة ودول خليجية، حيث قال الشوبكي أن "أساس سياسة ترامب هو معالجة أي خلل سيطرأ على المستهلك الأميركي بخفض سعر النفط. ما يوازن السوق ولا يتسبب في تضخم".

 

بشكل عام لا يعتقد الحازمي "أن هناك تأثيرات قوية مباشرة لأن الرسوم الجمركية التي فرضت هي الأقل وهذا ليس بالرقم الكبير مقارنة بالدول الأخرى".

وتابع: "النفط لايزال عماد الاقتصاديات الخليجية، وفي النهاية هي سلعة يدخل فيها مبدأ العرض والطلب، وهو منتج خام ولا أعتقد أنه سيكون هناك رسوم جمركية عليها".

وتابع: "بالنسبة للمنتجات غير النفطية، السعودية على سبيل المثال تصدر للولايات المتحدة منتجات بتروكيماويات وسيطة، والرسوم الجمركية في الغالب على المنتجات النهائية".

وحول خفض أسعار الطاقة نتيجة تباطؤ اقتصادي محتمل، يقول الشوبكي أنه سوف "يفيد دول مثل مصر وسوريا والأردن والمغرب ولبنان".

ماذا عن مصر؟

بالحديث عن القاهرة، فقد فرضت الإدارة الأميركية عليها تعريفة جمركية بنسبة 10 بالمئة، وهي النسبة الأقل المفروضة على الدول.

قال الشوبكي للحرة إن ذلك ربما يحقق فائدة لمصر بحصولها على نصيب من سوق الصادرات التي كانت تصل أميركا من دول عانت من تعريفات جمركية بقيمة أكبر، وبالتالي صادراتها ستكون أرخص في السوق الأميركي.

وأوضح: "باستطاعتها تصدير منتجات مثل الملابس والمنسوجات برسوم أقل مقارنة بالمفروضة على دول أخرى مثل بنغلاديش وفيتنام وكمبوديا، وهي دول كانت تصدر كميات ضخمة من الملابس".

وكانت وكالة رويترز نقلت الثلاثاء عن مجدي طلبة، رئيس مجلس إدارة "تي اند سي" للملابس الجاهزة، وهي شركة مصرية تركية، قوله: "لم تفرض الولايات المتحدة رسوما جمركية على مصر وحدها... فقد فرضت رسوما أعلى بكثير على دول أخرى. ويمنح ذلك مصر فرصة واعدة للنمو".

رافعات حاويات سلع قرب قناة السويس في بورسعيد
دول عربية قد تستفيد من قرار رفع الرسوم الجمركية الأميركية
بعد أيام من إعلان الرئيس دونالد ترامب فرض رسوم جمركية شاملة صدمت العديد من شركاء الولايات المتحدة التجاريين وهزت الأسواق العالمية، برزت مجموعة من الدول قد تستفيد من السياسات التجارية الأميركية رغم أن خطر الركود الناجم عنها قد يحد من النتائج الإيجابية.

وأشار إلى الصين وبنجلادش وفيتنام باعتبارهم منافسين رئيسيين لمصر في مجال المنسوجات.

وقال "الفرصة سانحة أمامنا... علينا فقط اغتنامها".

وفي وقت بدأت فيه القاهرة في رفع تدريجي للدعم على الوقود، سيصل قريبا إلى مئة بالمئة، ربما يمثل انخفاض أسعار الطاقة أمرا إيجابيا.

أوضح الخبير الاقتصادي الشوبكي أن "مصر تستورد أكثر من نصف حاجتها من الطاقة، وانخفاض الأسعار سيساعدها في خطتها المقبلة لرفع الدعم عن المشتقات النفطية. سيهدئ ذلك من أي احتجاجات محتملة".

لكن بالنهاية يبقى الأمر السلبي، وفق الشوبكي، هو احتمال حدوث ركود اقتصادي عالمي ستتأثر به مصر، كما أنها ربما تتأثر "من احتمال تأخير خفض أسعار الفائدة في الولايات المتحدة ما سيقود إلى ضعف دخول الأموال الساخنة والاستثمارات".