Egyptian President Abdel Fattah al-Sisi looks at Egypt's Ministery of Military Productions section with heads of the military…
وزارة الإنتاج الحربي تشرف على 20 شركة

"رجال الأعمال غير قادرون على المنافسة مع اقتصاد الجيش الذي يتمتع بمميزات ليست لدى باقي الشركات"، بهذه الجملة لخص رجل الأعمال المصري نجیب ساویرس وضع الشركات التابعة لوزارة الدفاع التي لا تدفع ضرائب أو رسوم جمركية، كما أنها لیست بحاجة لترخیص عمل في السوق المصریة.

لكن هذه المنافسة "غیر المتوازنة"، كما وصفها ساویرس، بین شركات الجیش والقطاع الخاص، یبدو أن الحكومة تسعى للبدء بتقلیصها، بعد تصریح حدیث لرئیسة مجلس إدارة صندوق مصر السیادي هالة السعید، للتلفزیون المصري، عن بیع شركتین تابعتین للمؤسسة العسكریة.

وتصف رانیا یعقوب، رئیسة مجلس إدارة شركة "ثري واي" (3way) لتداول الأوراق المالیة، هذا القرار بـ"الإیجابي"، قائلة إنه یساعد على خروج الدولة من مؤسسات القطاع العام، وتوفیر سیولة تعيد هیكلتها في قطاعات أخرى، ورفع رأس مال البورصة، وجذب شریحة جدیدة من المتعاملین، في وقت تسعى فیه الدولة لجذب استثمارات من القطاع غیر الرسمي إلى الرسمي.

وترى يعقوب، في حديثها لموقع "الحرة"، أن بيع شركتي الوطنية للبترول والوطنیة لإنتاج وتعبئة المیاه الطبیعیة (صافي)- اللتين تعملان في قطاعات قویة (مثل الوقود والمیاه) سيجذب المستثمرین ممن یبحثون عن عوائد أعلى في ظل اتجاه البنك المركزي لخفض الفائدة، تشجیعا للاستثمار.

كما وصف رجل الأعمال السعودي حسين شبكشي الخطوة المصرية بـ"الممتازة"، قائلا إن الطرح يمثل حراكا لصالح المستثمرين. 

وأضاف في تصريحات لموقع "الحرة": "هذه فرصة استثمارية جيدة، ننظر إلى الشركات العسكرية المصرية باعتبارها درر التاج، كباقي شركات القطاع العام في مصر التي نهتم بطرحها". 

وكمستثمر أجنبي، يبدي شبكشي اهتماما بالاستثمار في الشركات العسكرية المصرية المتخصصة في قطاعات التصنيع الغذائي والتشييد والبناء التطوير العقاري والصناعات الدوائية والأسمنت والحديد.

وعلى النقيض من ذلك، يعتقد يزيد صايغ، الباحث الرئيس في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط،  أن أثر بيع الشركتين على الاقتصاد المصري "قليل نسبيا".

وأوضح صايغ، في حديثه لموقع "الحرة"، أن الحجم التجاري الفعلي للشركتين ليس ضخما "لأنهما يعملان بالتوزيع أكثر منه بالإنتاج التحويلي وزيادة القيمة المضافة".

أحد منتجات شركة حلوان للأجهزة المعدنية التابعة لوزارة الإنتاج الحربي.

ویمتلك جهاز مشروعات الخدمة الوطنیة، التابع لوزارة الدفاع، الوطنية للبترول والوطنیة لإنتاج وتعبئة المیاه الطبیعیة (صافي)، إلى جانب أكثر من 30 شركة في قطاعات تتنوع بين مواد البناء والغذاء والتعدین والبتروكیماویات.

وتخضع المشروعات التجاریة التابعة للقوات المسلحة المصرية لثلاث جهات؛ وزارة الإنتاج الحربي التي تشرف على 20 شركة، ووزارة الدفاع التي تسیطر على العشرات، والهیئة العربیة للتصنیع المسؤولة عن 10 مصانع وشركات.

وتشرف وزارة الإنتاج الحربي على شركات (قها للصناعات الكيماوية، أبو زعبل للصناعات الهندسية، حلوان للصناعات غير الحديدية، أبو زعبل للكيماويات المتخصصة، إنتاج وإصلاح المدرعات، شركة حلوان للمسبوكات، أبو قير للصناعات الهندسية، بنها للصناعات الإلكترونية، شبرا للصناعات الهندسية، شركة المعادي للصناعات الهندسية، أبو زعبل للصناعات المتخصصة، حلوان للأجهزة المعدنية).

كما تشرف وزارة الإنتاج الحربي على عدد من المنشآت الرياضية، والنوادي الاجتماعية.

أما الهيئة العربية للتصنيع فتتولى المسؤولية عن مصانع (حلوان للصناعات المتطورة، قادر للصناعات المتطورة، المحركات، الطائرات، مهمات السكك الحديدية، الإلكترونيات) وشركات (العربية لصناعة الأخشاب، العربية الأميركية للسيارات، العربية للطاقة المتجددة، العربية البريطانية للصناعات الديناميكية).

وتزامن الإعلان عن طرح الوطنیتین للاستثمار مع تقریر حديث للبنك الدولي قال فیه إن القطاع الخاص في مصر ممنوع من الاضطلاع بدور أكبر في الاقتصاد، رغم إصلاحات نشطة للاقتصاد الكلي على مدار السنوات الأربعة الماضیة، وإن هناك حاجة إلى مساعدة حكومية.

وقال البنك الدولي: "رغم نمو السوق المحلیة في مصر وقربها من الأسواق الدولیة، لم تجتذب مصر بعد تدفقات قویة من الاستثمار الأجنبي المباشر".

إما البورصة أو الاستثمار المباشر

ولم توضح مصر بشكل قاطع ما إذا كانت الوطنیة للبترول أو صافي ستعرضان أمام الإدراج المباشر  أم  الطرح عبر البورصة، لكن وكالة بلومبرغ قالت إن كلا من شركتي "أدنوك" الإماراتیة، و"طاقة عربیة" المصریة من بین مقدمي عروض شراء حصة أغلبیة من الشركة، الأمر الذي یشیر إلى احتمالیة إدراج الوطنیة للبترول أمام الاستثمار المباشر.

وفي هذا الإطار، قالت هالة السعید، وهي وزيرة التخطيط أيضا، في تصريحاتها الأخيرة، إن حصص الوطنية للبترول وصافي قد ُتعرض في بادئ الأمر على مستثمرین استراتیجیین على أن تباع النسب المتبقیة في طرح عام أولي.

ویستلزم الطرح الأولى، وهو طرح الأسهم العادیة لإحدى الشركات في سوق الأوراق المالیة (البورصة) أن تفصح الشركات عن میزانیتها لعدد من السنوات الماضیة، وكذلك عن وضعها القانوني والإداري.

أعرب بعض رجال الأعمال المصریین والمستثمرین الأجانب عن انزعاجهم من دخول الجیش في أنشطة مدنیة.

ولا تنشر مصر میزانیة وزارة الدفاع التي یناقشها مجلس الدفاع والأمن القومي برئاسة رئیس الجمهورية. ولا تعلن المؤسسة العسكریة في مصر عما تملكه من أصول، أو مصادر التمویل، أو ما تحققه من أرباح.

وتقول یعقوب إن الطرح في البورصة یحتاج إلى النظر في ثلاثة عوامل رئیسة؛ التوقیت والترویج وسعر الطرح، مشیرة إلى الأثر السلبي لأزمة جائحة كورونا على أسواق الأسهم مقابل الملاذات الآمنة التي لجأ إليها المستثمرین.

وأضافت "الطرح عبر البورصة قد لا یكون الخیار الأمثل، بینما الاستثمار المباشر هو الخیار الاستراتیجي الآن".

ويعتقد صايغ ذلك أيضا، قائلا: "التفضيل سيكون للشراكات الاستراتيجية (مثلا مع أدنوك) قدر المستطاع، وذلك لتفادي متطلبات الكشف المالي الكامل والحوكمة المطلوبة للطرح في البورصة".

لماذا الآن؟

وفي أكتوبر 2019، قال الرئیس عبد الفتاح السیسي إنه ینبغي السماح للشركات المملوكة للجیش بطرح أسهمها في البورصة، جنبا إلى جنب مع شركات حكومیة أخرى یجري إعدادها للخصخصة.

وعن أسباب الطرح الآن، بعد مرور عام على تصريحات الرئيس المصري، قال صايغ: "السيسي يبحث عن سبل لزيادة رأسمال الشركات العسكرية، دون تحميل خزينة الدولة ذلك العبء، خاصة أنه والحكومة يبحثان عن سبل ترشيد الإنفاق العام، وتقليص خسائر الشركات المملوكة للدولة". 

وأضاف صايغ "القطاع الخاص يشتكي من المزاحمة العسكرية في قطاعات إنتاجية كان يسيطر عليها (إلى جانب بعض شركات قطاع الأعمال العام)، ومن ممارسات تتيح للجيش احتكار سعر البيع وسعر الشراء في آن".

یمتلك جهاز مشروعات الخدمة الوطنیة أكثر من 30 شركة.

ويرى الباحث الرئيس في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط أن بيع الوطنية للبترول وصافي لا يعني تفكيك الاقتصاد العسكري مطلقا، بل رسملة بعضه بطرق جديدة.

وفي أكتوبر الماضي، أصدر صايغ تحليلا بعنوان "المؤسسة العسكرية المصرية كرأس حربة لرأسمالية الدولة"، قال فيه إن الإدارة المصرية تحمِّل مستثمري القطاع الخاص جزءا من عبء تركيزها على الأنشطة التي تقودها الدولة ذات الكثافة الرأسمالية.

وأضاف "خفضت الحكومة بشكل كبير الإنفاق على دعم الطاقة والغذاء وأجور القطاع العام، وخفضت نسبة القروض المتعثرة. كما وافق مجلس النواب على بيع الشركات المملوكة للدولة التي تتعرض إلى خسائر تزيد على نصف رأس مالها".

لكن هذه الإجراءات لم تكن كافية لتوليد رأس المال بالحجم الذي يسعى إليه الرئيس، حسبما يقول صايغ، مما أجبر الحكومة على الاقتراض ورفع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 90.3 في المئة بحلول يونيو 2019 والدين الخارجي إلى 112.7 مليار دولار بحلول ديسمبر.

الدور الاقتصادي للجیش

وفي السنوات الأخیرة، تعالت الأصوات المنتقدة للدور الاقتصادي للقوات المسلحة، مما دفع الرئیس المصري في 2016 إلى قوله إن نسبة مشاركة المؤسسة العسكریة في الاقتصاد القومي تبلغ ما بین 1.5 و2% على أقصى تقدیر.

وفي افتتاح منشأة عسكریة لإنتاج الكلور لأغراض تنقیة المیاه، نفى السیسي ما تردد عن أن اقتصاد القوات المسلحة یمثل 20 أو حتى 50 في المئة من الاقتصاد، قائلا: "یا ریت القوات المسلحة كانت تمتلك 50 في المئة من اقتصاد مصر".

وأرجعت رانيا یعقوب هذه الانتقادات إلى "التوقیت"، قائلة إن الجیش تدخل في الوقت الحرج، حیث كانت مصر تعاني اضطرابات ما بعد انتفاضتي (25 ینایر 2011، و30 یونیو 2013) من احتكار السوق، وعدم وضوح الرؤیة الاقتصادیة، مثلما فعل خلال أزمتي نقص حلیب الأطفال والسكر في 2016.

وأضافت "تدخل الجیش لحمایة الاقتصاد المرتبط بالأمن القومي. ولمنع الممارسات الاحتكاریة؛ قام ببناء الصوامع والمصانع والمجمعات الاستهلاكیة، وتحكم في بعض المشروعات الزراعیة. وبعد استقرار الأوضاع حالیا یعلن طرح بعض شركاته".

وكثيرا ما أعرب بعض رجال الأعمال المصریین والمستثمرین الأجانب عن انزعاجهم من دخول الجیش في أنشطة مدنیة، والامتیازات الضریبیة الممنوحة لشركاته. وكانت تصريحات ساويرس التي كررها في أكثر من لقاء خير دليل.

 

وفي سبتمبر 2017، حذر صندوق النقد الدولي من أن تطویر القطاع الخاص وخلق الوظائف "قد تعوقهما مشاركة كیانات تخضع لوزارة الدفاع".

ويقول رجل الأعمال السعودي حسن شبكشي، لموقع "الحرة" إن الدور الاقتصادي للجيش كان يمثل نوعا من التكامل و"الإضافة المهمة" للاقتصاد المصري، وأحيانا المنافسة لبعض الشركات الخاصة.

وفيما يتعلق بتنامي الانتقادات الموجهة للمؤسسة العسكرية بهذا الخصوص، قال رجل الأعمال السعودي إنه "تم تسييس" الدور الاقتصادي للجيش، مضيفا أنه على غرار القطاع الخاص، ضم القطاع العام، بما يشمله من أنشطة تابعة للقوات المسلحة، شركات ضعيفة وقوية".

حصص الصندوق السیادي

وعن اهتمام شركة بترول أبوظبي الوطنیة (أدنوك) بشراء الحصة الأكبر في الشركة الوطنیة للبترول، قالت یعقوب لموقع الحرة: "هذا ما تسعى إلیه الدولة وخطة الإصلاح القویة التي أعدتها الحكومة؛ مشاركة الشركات الأجنبیة والاستثمار الأجنبي المباشر".

وكان الصندوق السيادي المصري أعلن أن القاهرة تخطط لعرض حصص تصل إلى 100٪ لنحو 10 شركات يمتلكها جهاز مشروعات الخدمة الوطنية.

وحالیا یساعد الصندوق السیادي جهاز مشروعات الخدمة الوطنیة في اختیار أصوله وترویجه للمستثمرین، وربما المشاركة في استثمارها عن طریق الحصول على حصص أقلیة.

وتأسس صندوق مصر السیادي عام 2018، فیما أقر السیسي تشكیل مجلس إدارته في 2019، برأسمال بلغ 12 ملیار دولار.

ومن المقرر أن یشارك صندوق مصر السیادي الجهة الاستثماریة التي ستفوز بعطاء الشركة الوطنیة للبترول، وهي شركة توزیع وقود تابعة للجیش، تمتلك أكثر من 200 محطة وقود.

وفي هذا الإطار، تقول یعقوب: "الصندوق یساعد في عملیات الاستحواذ، ویسعى لبروتوكولات تعاون وجذب مستثمرین عرب وأجانب لبعض الأصول الحكومیة، وقد یتقاسم مجموعة منها، مما یعظم استفادة الشعب المصري، وهذا أمر إیجابي، في ظل رقابة خبراء ومتخصصین".

بينما يرى صايغ أن مشاركة الصندوق السيادي للفائز بعطاء الوطنية تعني أن "صانعي القرار المعنيين لا يريدون خصخصة كاملة، بل جزئية فقط، لكي تظل السيطرة الفعلية بين أيدي الدولة، كما حدث مع الشركات العامة التي خصخصتها الحكومة جزئيا بعد عام 1991". 

وكان الرئیس التنفیذي لصندوق مصر السیادي، أیمن سلیمان، أشار إلى أن إن الوطنیة "اجتذبت الكثیر من المستثمرین"، لكنه امتنع عن تحدید هویتهم. بينما استبعدت یعقوب أن یكون لدى مصر "أفضلیة" لشركات معینة في خیارات عطاء الوطنیة.

عبدالناصر

التسجيل يعود للثامن من أغسطس 1970، ثلاث سنوات تقريباً بعد حرب عام 1967 التي سطّرت هزيمة قاسية لمصر، أطلق عليها العرب مصطلح "النكسة"، وقبل أقل من شهرين على وفاته في 28 من سبتمبر من ذلك العام.

جمال عبد الناصر، الزعيم المصري الذي نال شعبية كبيرة في العالم العربي، بسبب أفكاره "العروبية"، وخطاباته الحماسية التي تدعو إلى النضال والقتال من أجل نيل الحقوق، ظهر في التسجيل المأخوذ من لقاء جمعه بـ"تلميذه" الزعيم الليبي معمر القذافي، وكأنه شخصيه أخرى غير معروفة لملايين العرب. 

وأثار التسجيل جدلاً كبيراً على مواقع التواصل الاجتماعي.

فالشائع عن الرجل مقولات من وزن "ما أُخذ بالقوة، لا يُسترد بغير القوة"، و"القومية العربية هي التي تقرر كل شيء"، و"الوحدة العربية هي أملنا في تحرير فلسطين، وعودة حقوق شعب فلسطين". لكن التسجيل أظهر عبد الناصر في شخصية سياسية بعيدة عن هذه المقولات التي تعجّ بالحماسة والطوباوية. 

ظهر في التسجيل شخصاً أكثر واقعية، وأقل حماسة للحلول الراديكالية، منتقداً المزايدات على مصر، بشأن الحرب، ومعلناً أنه لا يريد أن يحارب: "من يريد أن يحارب، فليأت ويحارب، وحلوا عنا بقى".

في مقطع آخر من التسجيل يسأل القذافي عبد الناصر عن مشروع روجرز (مبادرة لوقف اطلاق النار بين مصر واسرائيل قدمها وزير خارجية الولايات المتحدة وليام روجرز في الخامس من يونيو 1970) وعما إذا كان عبد الناصر مستعداً للمضي فيه. فيجيب بالإيجاب. 

يسأل القذافي: "ممكن تعترف بإسرائيل"، فيرد عبد الناصر: "اتفاقية الهدنة فيها إقرار بإسرائيل، أنا ماضي مع إسرائيل سنة 49 عن الحكومة المصرية ده اسمه acknowledgement وفيه فرق بينه وبين الـ recognition (الاعتراف)". 

ثم يأتي دور عبد الناصر ليسأل: "إذا خيرت بين الإقرار بوجود إسرائيل وتحرير الضفة الغربية والقدس وغزة، أو لا تقر بوجود إسرائيل وتبقى القدس وغزة والضفة الغربية جزء من اسرائيل؟ فيسأله القذافي: "ليه نفترض هذا الافتراض مش ضروري تبقى محتلة؟". 

"هتبقى يا أخ معمر" يقول ناصر، "قولي هنحرر امتى؟ يا أخ معمر هنحرر بعد 20 سنة؟ عملية قيام إسرائيل خدت 50 سنة والتوسع الجديد خد 20 سنة، مفيش خطة عربية ولن تكون هناك خطة عربية موحدة أبداً، ده واقع العالم العربي". 

بدا عبد الناصر في التسجيل، بالنسبة إلى كثير من المعجبين بشخصه ومشروعه السياسي، وكأنه يخون نفسه وأفكاره. وانقسمت الآراء، لا سيما في ظل الحرب الدائرة في غزة، بين من وجد في تصريحه انقلاباً على الصورة الشائعة عنه، وبين من رأى في وجود خطابين، واحد جماهيري وآخر براغماتي في الغرف المغلقة، أمراً شائعاً في السياسة ويعبر عن واقعية عبد الناصر. 

وعقب نشر التسجيل، دعا عدد من أعضاء البرلمان المصري إلى إقرار قانون لحرية المعلومات يتيح وصولاً أوسع إلى السجلات الحكومية التاريخية.

الجدل حول التسجيلات كان له وقعه في المجتمع المصري، خصوصاً لجهة السؤال عن كيفية استجابة مصر للتطورات على الساحة الفلسطينية، وعما إذا كان يجب أن تقف على الحياد، أو تستجيب للمطالب بالتدخل، مع ما يحمله ذلك من احتمالات جر البلاد إلى صراعات إقليمية مستقبلية، وهي المعضلة نفسها التي دارت حولها تسجيلات عبد الناصر.

ابنة الزعيم المصري الراحل، هدى جمال عبد الناصر أدلت بدلوها مدافعة عن أبيها: "الزعيم الراحل لم يتخل يوماً عن دعم القضية الفلسطينية التي كانت حاضرة في كل الأوقات وكانت في صدارة المشروع القومي العربي".

لكن الواقع أن عبد الناصر معروف بالنسبة لدارسيه من المؤرخين، ببراغماتيته، وفي تقبله لوجود دولة إسرائيل، ولم يكن يدعو إلى "ازالتها من صفحة الوجود" كما فعل بعده روح الله الخميني ونظامه في إيران.

المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه، المعروف بمواقفه الداعمة للقضية الفلسطينية، يقول في إحدى مقابلاته إن عبد الناصر كان يخوض مفاوضات مكثفة مع الإسرائيليين في الخمسينيات، وأن هذا الأمر غير معروف بشكل واسع لدى الجمهور العربي.

وبحسب بابيه، عبّر عبد الناصر في جولات المفاوضات تلك عن قبوله بدولة إسرائيلية من دون النقب (لكي يبقي على ممر بين مصر والعالم العربي)، وقبوله فكرة وجود كيان سياسي إسرائيلي يشعر فيه اليهود بالأمان، وأن عبد الناصر لم يكن معادياً لليهود ولم يكن يريد الحرب، لكنه كان يقول إنه لا يستطيع تخطي المسألة الفلسطينية. 

ويقول بابيه إن إسرائيل في حينها هي التي كانت ترفض مبادرات السلام، ولكن غالبية الناس في الشرق الأوسط يعتقدون بالعكس. 

وليس بعيداً عن هذا السياق، يذكر الباحث الأميركي دانيال غورديس في كتابه "إسرائيل: تاريخ موجز لأمة تولد من جديد"، معلومة عن دعوة وجهها جمال عبد الناصر في نيسان من العام 1070 إلى ناحوم غولدمان رئيس المجلس الصهيوني العالمي (الذي عقد هرتزل أولى جلساته في بازل في العام 1897)، للسفر إلى القاهرة لبحث احتماليات إيجاد حل للصراع العربي الإسرائيلي.

رئيسة وزراء إسرائيل في حينها غولدا مائير، لاعتقادها أن دعوة عبد الناصر بمثابة فخ، ضغطت على غولدمان كي لا يلبي الدعوة، بحسب غورديس. 

ويتحدث الكاتب الأميركي عن أمر لافت حدث بعد رفض هذه الدعوة، يتمثل في قيام مجموعة من الطلاب الاسرائيليين بإرسال رسالة إلى مائير في ٢٨ من شهر أبريل نفسه، سألوا فيها عن أفق الصراع في ظل حرب بلا مستقبل، "بينما أضاعت حكومتنا العديد من فرص السلام"، كما جاء في الرسالة.

بعدها بشهور قليلة توفي عبد الناصر بذبحة قلبية. لكن هذه الحادثة التي يذكرها غورديس، ومعها تسجيلات ناصر مع القذافي المثيرة للجدل، تغري بافتراض ان ناصر مات وفي نفسه شيء مما ذهب إليه من بعده خليفته في حكم مصر أنور السادات في العام 1977، حينما ذهب إلى إسرائيل ووقع معها معاهدة سلام تاريخية. 

فهل كان سلام السادات، امتداداً لرغبة ناصر بعقد سلام مع إسرائيل؟