ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي
ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي

مفاوضات سد النهضة تصل لحائط مسدود بينما تعتزم إثيوبيا مواصلة الملء للعام الثاني في يوليو المقبل، بصرف النظر عن التوصل لاتفاق أو عدمه، في ظل تساؤل عن مواقف عملية لدول عربية اعتادت على وصف مصر بـ"الشقيقة الكبرى" لكنها وفي نفس الوقت تواصل دعمها لأديس أبابا.

ومنذ 2017، شكلت مصر والسعودية والإمارات، إلى جانب البحرين، تحالفا، بدافع مقاطعة قطر التي اتهموها حينذاك بدعم الإرهاب، وشاركت الدول الأربعة قوائم إرهابية واحدة، ورؤية إلى حد ما متقاربة بشأن بعض القضايا في المنطقة.

لكن الأمر قد يبدو مختلفا فيما يتعلق بأزمة سد النهضة، ففي ظل ما تصفه مصر والسودان بـ"تعنت" إثيوبي في المفاوضات، كانت الاستثمارات والمساعدات من السعودية والإمارات تنهال على الدولة الأفريقية، إلى جانب زيارات متبادلة بين قادة أديس أبابا والرياض وأبوظبي.

ورغم ذلك، يعتقد ضرار بالهول الفلاسي، عضو المجلس الوطني الاتحادي في الإمارات، أن أبوظبي قد تمارس دورا مشابها لذلك الذي لعبته بين إثيوبيا وإريتريا، التي تتواجد بها قاعدة عسكرية لأبوظبي، قائلا: "مثلما توسطت الإمارات بين أديس أبابا وأسمرة، قد تتوسط في أزمة سد النهضة أيضا".

وفي يوليو 2018، استيقظ الإثيوبيون والإريتريون على مشهد بدا "مفاجئا" عندما تعانق زعيما بلديهما في أسمرة، متعهدين بإنهاء حالة الحرب التي استمرت قرابة عقدين من الزمان، وذلك بعدما لعبت الإمارات دورا في تحقيق السلام بينهما من "خلف الستار"، إلى جانب الولايات المتحدة.

ومنذ أكثر من عشر سنوات، دخلت الإمارات بعض دول القرن الأفريقي، حيث أسس خصوم، مثل إيران وقطر، موطئ قدم لهم. وتطلعت أبوظبي للمشاركة في اقتصاد إثيوبيا الذي يحقق نموا، في وقت كانت تبحث فيه عن شريك جديد بعد انهيار العلاقات مع الصومال.

الإمارات لعبت دورا في السلام بين إثيوبيا وإريتريا

وقال الفلاسي، في حديث لموقع "الحرة": "الإمارات فاجأت العالم بأنها تعمل من خلف الكواليس للتقارب بين إثيوبيا وإريتريا، وقد نفاجئ في لحظة ما بحلها أزمة سد النهضة، لكن مثل هذه الأزمات شائكة ومعقدة نوعا ما".

ويرى عضو المجلس الوطني الاتحادي أن الإمارات قد "توفق الآراء" بين مصر والسودان وإثيوبيا، وتدفع "بكل قواها لإيجاد حل سلمي والوصول لاتفاق يخدم مصالح الدول الثلاثة".

لكنه قال إن ذلك مشروطا بحرص القاهرة والخرطوم وأيس أبابا على إنهاء النزاع، مضيفا "على جميع أطراف النزاع المبادرة للوصول لحل يرضي الجميع".

وفي وقت سابق من يناير الجاري، قالت مصر وإثيوبيا والسودان إنها وصلت إلى طريق مسدود مجددا في النزاع.

وتقول إثيوبيا إن السد بند رئيس في خططها لتصبح أكبر دولة مصدرة للطاقة في القارة. بينما تخشى مصر، التي تحصل على أكثر من 90 في المئة من مواردها من المياه العذبة من نهر النيل، أن يؤدي السد المقام على النيل الأزرق إلى تدمير اقتصادها.

وعلى غرار التوسط بين إثيوبيا وإريتريا، يرجح الفلاسي أن "الإمارات تعمل بجدية لإيجاد حل"، بطريقة غير معلنة، حيث تحتاج المفاوضات للهدوء والبعد عن الضغوط السياسية، على حد قوله.

دعم بالمليارات والزيارات

وسبق مشهد العناق المفاجئ بين زعيمي إثيوبيا وإريتريا، زيارة ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد آل نهيان أديس أبابا، برفقة مسؤولين منهم سلطان أحمد الجابر، رئيس شركة (أدنوك) النفطية المملوكة للدولة في الإمارات، الذي أصبح وزيرا للصناعة والتكنولوجيا المتقدمة في 2020.

وحينها أعلن ولي عهد أبوظبي حزمة دعم قدرها ثلاثة مليارات دولار، تتألف من مليار دولار وديعة في البنك المركزي الإثيوبي، وتعهد بملياري دولار في هيئة استثمارات.

وبسبب عدم رغبة أديس أبابا في الوصول إلى أي اتفاق ملزم بشأن السد، كما تقول مصر والسودان، خفضت الولايات المتحدة 100 مليون دولار من المساعدات لإثيوبيا في سبتمبر الماضي، بينما ظل الدور الإماراتي الداعم كما هو.

والشهر الماضي، نشر محمد بن زايد عبر حسابه على "إنستغرام" صورة لرئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، قائلا عنه "صانع الأمل في بلده وزارع الحب في شعبه"، وذلك بعد شهر من إعلان الحكومة الإثيوبية الحرب على إقليم تيغراي في شمال البلاد.

ويعلق الفلاسي على استمرار الدعم الإماراتي لإثيوبيا وعدم تبنيها رد فعل مشابها لما قامت به واشنطن بقوله: "الإمارات لديها أسلوبها الخاص، وليس شرطا أن تتبع السلوك الأميركي". 

سد النهضة الإثيوبي ومسار نهر النيل

وأضاف " أبوظبي شريكة لمصر والسودان وإثيوبيا ، ولديها استثمارات في الدول الثلاثة، حتى من قبل تصاعد الأزمة، وربما تكون الإمارات مارست ضغطا ما، غير معلن".

وتابع "الإمارات ستبذل كل ما بوسعها من أجل إيجاد حل يرضي كافة الأطراف؛ لكن يجب الأخذ في الاعتبار أن هذا الخلاف يعود لسنين إلى الوراء، ويحتاج وقتا وجهدا". 

وتزامنت وديعة الإمارات في 2018، مع عرض من السعودية بتزويد البلاد بالوقود لمدة عام مع تأجيل الدفع لمدة 12 شهرا، الأمر الذي ساعد في تخفيف أزمة نقد أجنبي سببت نقصا في الأدوية وتباطؤا في التصنيع، بحسب مسؤولين إثيوبيين.

وسبق العرض السعودي، زيارة المستشار في الديوان الملكي حينها أحمد الخطيب، الذي أصبح وزيرا للسياحة في 2020، سد النهضة، في ديسمبر 2016، الأمر الذي أثار غضب المصريين.

وفي ديسمبر 2019، قالت إثيوبيا إنها ستحصل على قرضين من السعودية بقيمة 140 مليون دولار من أجل مشروعات للبنية التحتية والطاقة وإمداد المياه، بعد لقاء أبي أحمد مع وفد من صندوق التنمية الحكومي السعودي.

ويقول سالم اليامي، المستشار في وزارة الخارجية السعودية، إن جميع دول الخليج موجودة في المنطقة باستثمارات قوية، لكن معظمها استثمارات خاصة.

ويقلل اليامي من تأثير  استمرار دعم الدولة الخليجية الغنية بالنفط لرئيس الوزراء أبي أحمد، على القاهرة، قائلا لموقع "الحرة": "العلاقات المصرية السعودية ضرورية للمصلحة القومية، والقيادات في كلا البلدين حريصة على ذلك".

"انقلاب في الموقف"

وبينما يتنامى النزاع بين إثيوبيا والسودان، على خلفية قضية أخرى، تتعلق بالحدود بينهما، غرد السفير الإثيوبي من الإمارات، منتصف يناير الجاري، قائلا إن مصر تحاول شن حرب بالوكالة على إثيوبيا "عبر الغزو السوداني".

ويقول الفلاسي إن السفير مسؤول عن تغريدته، وكلامه غير محسوب على الإمارات التي لا تتحكم في تصريحاته، "فله مطلق الحرية في الحديث عما يشاء؛ هو ليس سفيرا للإمارات".

وبسبب النزاع المستمر منذ عقود على الفشقة، وهي أرض ضمن الحدود الدولية للسودان يستوطنها مزارعون من إثيوبيا منذ وقت طويل، اندلعت اشتباكات بالمدفعية الثقيلة بين قوات البلدين، الأحد.

وفي هذا السياق، يصف اليامي الوضع بين السودان وإثيوبيا بـ"المتأزم"، قائلا: "ربما تنشب حرب وهذا ليس أمرا جيدا".

وبعد هذا التصعيد، يرى اليامي "الوضع الآن وقد تغير ؛ النزاع الحدودي سيمثل انقلابا في الموقف السوداني تجاه قضية السد".

وفي وقت سابق من يناير الجاري، وجهت مصر وإثيوبيا، كل على حدة، اللوم على فشل المحادثات الثلاثية مجددا، إلى اعتراضات سودانية على إطار العمل الخاص بالمحادثات.

وأضاف مستشار الخارجية السعودية "كل الأطراف في المنطقة لا تريد أن تصل أزمة السد لصدام عسكري؛ من الغباء السياسي والاقتصادي والاجتماعي الإقدام على الحرب في هذه المنطقة الفقيرة".

ويرى اليامي أن السعودية وسيط مقبول بين الدول الثلاثة، متخوفا من أن تتدخل بالأزمة بعض الجهات، مثل إيران التي لديها نشاط ثقافي وديني في أفريقيا، للغطاء على أطماعها بالسيطرة على المنطقة، على حد قوله.

مصر المُلامة

وتعتقد كارولين روز، كبيرة المحللين في مركز السياسة العالمية (CGP)، أن الخلاف بشأن سد النهضة يمثل موقفا سياسيا صعبا لدول مجلس التعاون الخليجي . 

وترى روز، في حديث لموقع "الحرة"، أن اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل والمصالحة مع قطر وأزمة كوفيد-19 قد لعبت دورا في ثني دول الخليج عن جهود الوساطة في النزاع.

ويختلف اليامي في ذلك، مرجعا ثني دول الخليج عن التوسط إلى "حساسية الأزمة"، موضحا بقوله: "هناك أمور لا يمكن التراجع عنها للوراء؛ مصر في عهود سابقة كانت أقوى من مصر الآن".

وأضاف "تراجع دور مصر كفاعل إقليمي، خصوصا بعد ثورة 25 يناير، وانكمش الاقتصاد، الأمر الذي أبرز دور دول الخليج".

وفي المقابل، يرد معتز عبد الفتاح، أستاذ العلوم السياسية، على ذلك بقوله: "مصر تتبع سياسة التفاوض لأطول فترة ممكنة، بينما تورط إثيوبيا نفسها في مواجهة مع القوى الدولية الراغبة في الاستقرار وحل المنازعات سلميا".

وأضاف عبد الفتاح، في حديث لموقع "الحرة"، قائلا: "لا يمكن أن تلام مصر حتى الآن على أي قرار اتخذته، أو قد تتخذه مستقبلا لأنها أبدت حسن النية والتزمت بالمفاوضات". 

وتابع "حتى وإن كان هناك مساعدات أو استثمارات عربية في إثيوبيا فهي في إطار توضيح أنه لو تعنتت إثيوبيا فستخسر هذا الدعم العربي".

وأكد أن الدول العربية لن تسعى لمساندة إثيوبيا في ملف سد النهضة إلا بالتوافق مع مصر والسودان.

واستكمل حديثه، قائلا: "السعودية لها مصالح في دول أفريقية كثيرة، ولا يمكن أن نطلب منها ألا تسعى لتحقيقها، لكن إن وصل الأمر لمواجهة مصرية-سودانية من جانب أمام التعنت الإثيوبي من جانب آخر ستقف السعودية بجوار القاهرة والخرطوم، تماما مثلما وقفت الدولتان إلى جانب المملكة ضد إيران".

ويشير اليامي إلى احتمالية عدم طلب أطراف الأزمة الوساطة السعودية، لكنه يعتقد أن "الوسيط الأميركي مازال نشيطا، ولن يسمح لأحد الأطراف بالتجاوز".

وفيما يتعلق بسياسة الولايات المتحدة المستقبلية بشأن نزاع سد النهضة، تقول روز إن إدارة بايدن ستسعى إلى النأي بنفسها عن موقف الإدارة السابقة بشأن سد النهضة. 

وكان الرئيس السابق دونالد ترامب قال إن الوضع خطير، وإن القاهرة قد "تفجر ذلك السد". وقال ترامب أيضا إن إثيوبيا خرقت اتفاقا توسطت فيه الولايات المتحدة لحل النزاع، مما أجبره على تقليص التمويل المخصص لها. 

لكن روز تقول: "إدارة بايدن سوف تتطلع إلى تفكيك نهج ترامب في السياسة الخارجية، أتوقع المزيد من المشاركة الدبلوماسية ومبادرات بناء الثقة من واشنطن".

جانب من العاصمة المصرية القاهرة (رويترز)
جانب من العاصمة المصرية القاهرة (رويترز)

أعلنت الحكومة المصرية، الأربعاء، أنها تعتزم طرح حصص في شركات تابعة للقوات المسلحة عبر صندوقها السيادي، في خطوة لتعزيز دور القطاع الخاص وهو أحد بنود البرنامج الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي.

وقال مجلس الوزراء المصري في بيان، إن من بين تلك الشركات "الوطنية للبترول، وشركة شل أوت، وشركة سايلو فودز للصناعات الغذائية، وشركة صافي، والشركة الوطنية للطرق".

وتابع أن ذلك يأتي "من خلال مجموعة من المكاتب الاستشارية المتخصصة المحلية والعالمية. وفي إطار الاتفاقية الاطارية الموقعة بين جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، وصندوق مصر السيادي للاستثمار والتنمية، والتي بموجبها يتولى صندوق مصر السيادي للاستثمار والتنمية إعادة هيكلة وإدارة طرح الشركات المملوكة للقوات المسلحة".

ومن المقرر وفقا للاتفاقيات الانتهاء من طرح بعض من هذه الشركات خلال عام 2025 على أن يتم استكمالها خلال عام 2026.

وبدأت مصر التخارج من أصول مملوكة للدولة في إطار برنامج لتعزيز دور القطاع الخاص اشترطه صندوق النقد الدولي لمنح مصر قرضا موسعا بقيمة ثمانية مليارات دولار.

وتأسس الصندوق عام 2018 بهدف تعزيز شراكات القطاع الخاص والمساعدة في تدفق الاستثمار الأجنبي للشركات المملوكة للدولة. وكانت الحكومة والجيش مترددين في الماضي في التخلي عن السيطرة على بعض الأصول.