تتصاعد حدة النزاع الحدودي الذي طال أمده بين السودان وإثيوبيا، على منطقة الفشقة وهي أرض خصبة يستوطنها مزارعون إثيوبيون، ويقول السودان إنها تقع داخل حدوده التي تم ترسيمها عام 1902.
والأحد الماضي، اتهمت وزارة الخارجية السودانية القوات الإثيوبية بعبور الحدود إلى أراضيها في عمل وصفته بـ"العدواني". وهذا الاتهام الجديد يأتي بعد شهر من قول السودان إن طائرة إثيوبية عبرت الأجواء وهو ما نفته أديس أبابا.
ويقول الباحث في الشؤون الإثيوبية والأفريقية، عبد الشكور حسن، لموقع "الحرة" إن "السودان يدعي أشياء لا تحدث، وفي كثير من الأوقات لا نصدقها".
وأواخر العام الماضي، اندلعت اشتباكات بين القوات الإثيوبية والسودانية. لكن الوضع الحالي على الحدود ينذر بوقوع اشتباكات ربما تختلف عن تلك التي اندلعت في 2020 وما قبلها، حسبما يقول محمد كبوشية الكاتب السوداني المتخصص في الشأن الأفريقي لموقع "الحرة".
وأضاف "الاشتباكات التي شهدتها الحدود خلال السنوات الماضية كان يواجه فيها المواطن والمزارع السوداني بسلاحه الناري البسيط القوات الإثيوبية، أما الآن فالجيش الإثيوبي يواجه الجيش السوداني والاشتباكات تتسارع".
وفي هذا الإطار، يقول خبير الشؤون الأفريقية بصحيفة الأهرام، عطية عيسوي، لموقع "الحرة": "الوضع لا يدعو للتفاؤل"، لكنه يستبعد أن يتطور النزاع لحرب شاملة، قائلا إن البلدين اكتويا بنار الحرب؛ إثيوبيا في حربها طويلة الأمد مع إريتريا، والسودان في حربها بدارفور وجنوب بالسودان وكردفان والنيل الأزرق.
ويرجح عيسوي استمرار الاشتباكات المتقطعة من وقت لآخر "خاصة من جانب إثيوبيا، في محاولة لإرغام السودان على إعادة التفاوض على الحدود رغم أن اتفاقية 1902 رسمت الحدود بين البلدين التي عززتها اتفاقية 1972 أيضا.
وأوضح الخبير في الشؤون الأفريقية أن النزاع الحالي يتعلق بـ"بعض علامات الحدود"، مؤكدا أنه "لا خلاف حول اتفاقيتي 1902 و1972.
"أزمة مفتعلة"
وربط عيسوي تصاعد النزاع الحدودي بما وصفه بـ"الوقوف السودني الكامل" إلى جانب مصر فيما يتعلق بملف سد النهضة.
وقال: "بدأت إثيوبيا بافتعال الخلافات، وطالبت بإعادة التفاوض على الحدود، بدعوى أن اتفاق 1902 لم يكن يمثل الإثيوبيين رغم أن إمبراطور إثيوبيا منليك الثاني هو الذي وقع هذه الاتفاقية مع الاستعمار البريطاني".
وأضاف "انسحاب إثيوبيا من اتفاقية 1902 يعطي الحق للسودان للمطالبة بإقليم بني شنقول"، موضحا أن بريطانيا الاستعمارية منحت هذا الإقليم إلى إثيوبيا مقابل توقيع الإمبراطور منليك الثاني على الاتفاقية.
وتعهد الإمبراطور، بموجب الاتفاقية، بعدم بناء أي منشآت على فروع النيل، تؤدي إلى تأخير أو عرقلة وصول المياه لمصر والسودان، وألا تقيم إثيوبيا سدودا قبل موافقة مصر والسودان عليها.
ويرى عيسوي أن إثيوبيا تهدف من النزاع الحدودي على منطقة الفشقة إلى إجبار الحكومة السودانية على بقاء المزارعين الإثيوبيين الذين استقروا في المنطقة منذ خمسينات القرن الماضي حتى وصل عددهم الآن لعشرة آلاف مزارع.
وأضاف: "عندما بدأ السودان في طرد المزارعين مؤخرا، وضعت إثيوبيا عراقيل أمام ترسيم علامات الحدود".
ولفت إلى إعلان الرئيس السوداني السابق عمر البشير، عام 2017، بعد اجتماعه برئيس الوزراء الإثيوبي السابق هيلي ماريام ديسالين، التوصل لاتفاق كامل فيما يتعلق بترسيم الحدود، بحيث لم يتبق سوى وضع العلامات.
وعلق على ذلك بقوله: "هذا يؤكد مرة أخرى أن إثيوبيا افتعلت الأزمة الحالية للضغط على السودان".
الطرف الثالث
وفيما يتعلق باتهام السودان إثيوبيا بالعبور إلى داخل أراضيه، قال الباحث الإثيوبي عبد الشكور حسن: "لم يصدر أي بيان إثيوبي بهذا الخصوص. هذا مسعى سوداني إما لإشغال الرأي العام، أو لخدمة طرف ثالث".
وعن سؤاله عن هذا الطرف، قال الباحث: "هو معروف إلا أن إثيوبيا لا تريد تسميته. الطرف الثالث هو مصر".
ويرى حسن أن مصر تهدف إلى إضعاف إثيوبيا وتوريطها في صراع عسكري مع السودان، مضيفا "القاهرة لا تريد للبلدين أن يكونا مصدر قوة".
The current Egyptian attempt of proxy war on Ethiopia through Sudanese invasion reminds us similar proxy war of 1974 by Saed Barre, of Somalia. Amazingly, TPLF has served as main agent for Egypt on both attempts of proxy wars.
— Suleiman Dedefo (@SuleimanDedefo) January 15, 2021
وكثيرا ما اتهم مسؤولون إثيوبيون القاهرة بتحريض السودان على النزاع الحدودي مع إثيوبيا. وكان السفير الإثيوبي في الإمارات غرد، في منتصف يناير الماضي، قائلا إن مصر تحاول شن حرب بالوكالة على إثيوبيا "عبر الغزو السوداني".
وفيما يتعلق بوجود دليل مادي على هذه الاتهامات الموجهة لمصر، قال حسن: "هناك الكثير، مثل المناورات العسكرية بين جيشي البلدين التي جرت في شمال السودان، وتوقيع اتفاق الدفاع المشترك بينهما، وكذلك الأسلحة المصرية الموجودة في السودان"، على حد زعمه.
وفي نوفمبر الماضي، أجرت مصر والسودان مناورات عسكرية مشتركة، فسرها البعض على أنها استعراض مشترك للقوة وسط النزاع القائم مع إثيوبيا على سد النهضة الذي أقامته على نهر النيل.
"شرف مصري"
وردا على ذلك، يقول عيسوي: "هذه الاتهامات ليست الأولى من نوعها، أديس أبابا اتهمت القاهرة على لسان المتحدث باسم الخارجية بأنها تحرض السودان على التوغل داخل أراضي إثيوبيا".
وأضاف "إذا كان المقصود من ذلك هو لوم مصر على مساندتها السودان في استعادة أراضيه وحقوقه المغتصبة فهو شرف لمصر وحق للسودان، بمقتضى الاتفاقيات الموقعة بين البلدين، واتفاقية التعاون العربي المشترك".
وتابع "أما إذا كان المقصود أن مصر تحض السودان على التوغل داخل أراضي إثيوبيا فهذا لم ولن يحدث لأن ذلك يعني قيام حرب واسعة النطاق، سينتج عنها خسائر فادحة، وستلجأ كل دولة لمساندة المتمردين على أراضيها ضد الدولة الأخرى".
ومضى يقول: "لن تقتصر الحرب على الحدود، بل ستتوسع للضغط على الحكومتين لمساعدة المتمردين في داخل كل دولة، بحيث تساعد إثيوبيا المتمردين السودانيين في جنوب كردفان، ويساعد السودان المتمردين الإثيوبيين في إقليم تيغراي الشمالي وفي الأقاليم الجنوبية وحتى في الغرب حيث يُشيّد سد النهضة".
ويعتقد عيسوي أن الحرب "ستنفتح جهنم على السودان وإثيوبيا"، إلا أنه يرى أن مصر ستدعم السودان الذي يمتلك كل الحجج القانونية للدفاع عن أرضه، على حد قوله.
ما وراء النزاع
ويتوقع عيسوي أن يؤثر النزاع الحدودي على مفاوضات سد النهضة، قائلا: "في ضوء التوتر الحالي بين إثيوبيا والسودان على الحدود واتهامات لمصر بدعم الخرطوم، لن تحرز مفاوضات سد النهضة أي تقدم لأن أديس أبابا ستزيد من تعنتها".
وأضاف "إثيوبيا ستتعمد التعنت أكثر في المفاوضات، للضغط على حكومة السودان، للتساهل في وضع المزارعين الإثيوبيين داخل أراضي السودان، واستكمال ترسيم علامات الحدود، والضغط على مصر كي تحث السودان على التجاوب مع إثيوبيا، وهذا ربما لن يحدث طالما أنه سيؤثر على حساب وحدة واستقلال أراضي السودان".
وأوصى عيسوي بتسوية النزاع على الحدود ووقف الاشتباكات المسلحة، حتى يمكن إحراز تقدم "ولو بسيط في المفاوضات".
كما يعتقد أن إثيوبيا تساوم السودان على التخلي عن مطلب ضرورة التوصل أولا إلى اتفاق ملزم بشأن تشغيل سد النهضة، وإنشاء آلية قانونية لفض النزاع.
وتابع "إثيوبيا تريد من السودان ألا تتحالف مع مصر وتتشدد في مطالبها الخاصة بعدم استكمال ملء بحيرة السد خاصة خلال فترة الملء الشديد".
إلا أن الباحث الإثيوبي عبد الشكور حسن يرى أن الهدف من النزاع الحدودي بين السودان وإثيوبيا هو إحداث خلاف يؤثر على مفاوضات سد النهضة، قائلا: "كان هناك توافقا طويلا بين السودان وإثيوبيا فيما يتعلق بهذا الملف".
وأشار حسن إلى إشادة "كثير من المسؤولين السودانيين" بسد النهضة، قائلا إنه سيعود بالفائدة على بلدهم، ويخدم السودان أكثر من إثيوبيا.
لكنه يعتقد أن السودان اتخذ مؤخرا موقفا تصعيديا من السد، تمثل في تصريح وزير الري والموارد المائية السوداني ياسر عباس بأن "الملء من جانب أحادي" لخزان سد النهضة الإثيوبي في يوليو المقبل، سيشكل تهديدا مباشرا للأمن القومي السوداني.
وفي هذا السياق، يعتقد كبوشية أن يؤثر النزاع الحدودي الحالي على أزمة السد، قائلا: "إثيوبيا كانت تستدرج عطف السودان لكي تمرر مشروع الملء لثاني".
وكانت إثيوبيا بدأت ملء الخزان خلف السد بعد هطول أمطار الصيف العام الماضي رغم مطالب مصر والسودان بضرورة التوصل أولا إلى اتفاق ملزم بشأن تشغيل السد.
ويقول كبوشية إن اشتباكات وقعت مؤخرا بين الجيشين السوداني والإثيوبي على مقربة من سد النهضة، "في داخل النطاق الجغرافي لموقع السد"، واصفا ذلك بـ"الأمر المحير".
وتساءل: "ماذا يريد الجيش الإثيوبي من مهاجمته للقوات السودانية الموجودة في الحدود التي تربطه بالمنطقة القريبة من سد النهضة؟"
وعلى العكس من حسن لا يرى كبوشية وجودا مصريا في النزاع الحدودي الحالي، وإذا حدث فهو يتوقع "دورا إيجابيا على عكس ما يشاع من دعم مصري للجيش السوداني وغيرها من الشائعات التي لا تخرج عن نطاق الحرب النفسية والدبلوماسية الإثيوبية".
وأشار إلى أن "الجيش السوداني لا يحتاج لمن يسنده في حماية أراضيه، هو من أكثر الجيوش العربية والأفريقية التي خاضت حروبا طويلة الأمد".
