من المقرر أن تبدأ إثيوبيا في المرحلة الثانية لملء السد في يوليو القادم
من المقرر أن تبدأ إثيوبيا في المرحلة الثانية لملء السد في يوليو القادم

على خلاف العشر سنوات الماضية، سرعت مصر والسودان تحركاتهما في ملف سد النهضة، بلقاءات سياسية وعسكرية خلال اليومين الماضيين، قبل بدء إثيوبيا في المرحلة الثانية من ملء السد في يوليو المقبل.

واعتبر محللون أن هذا التحركات تظهر استشعار القاهرة والخرطوم خطورة الوضع مع استعداد أديس أبابا لاستكمال الملء من جانب واحد، حتى في حالة عدم التوصل لاتفاق، كما فعلت في المرحلة الأولى يوليو الماضي.

خلال الأيام الماضية، التقى وزير الخارجية المصري، سامح شكري، بنظيرته السودانية، مريم الصادق المهدي، التي عقدت أيضا في القاهرة اجتماعا مع الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي.

وطالب الوزيران أديس أبابا بإظهار حسن النية والانخراط في عملية تفاوضية فعالة للتوصل لاتفاق ملزم بشأن سد النهضة.

وأكد السيسي بعد الاجتماع أن "موقف مصر الثابت من حتمية التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم فيما يخص ملء وتشغيل السد، بما يراعي عدم الإضرار بدولتي المصب ويحافظ على حقوقهما المائية، وقد تم التوافق على تكثيف التنسيق المتبادل بين مصر والسودان خلال الفترة القادمة إزاء تلك القضية الحيوية".

وقال أستاذ السياسة الخارجية في المعهد الدبلوماسي التابع لوزارة الخارجية السودانية، الدكتور عبد الرحمن أبو خريس، إن "الأطماع الإثيوبية للسيطرة على مياه النيل واستعدادها لملء المرحلة الثانية من السد دون التوصل لاتفاق هي التي دفعت هذا التقارب المصري السوداني".

وأضاف أبو خريس في تصريحات لموقع قناة "الحرة" أن هذه التحركات والتقارب بين البلدين سيعطيهما قوة في المراحل القادمة من التفاوض مع أديس أبابا وسيمثل ضغطا عليها.

تغير موقف السودان

وصرح رئيس وحدة دراسات السودان ودول حوض النيل بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، الدكتور هاني رسلان، أن اللقاءات الأخيرة بمثابة رسالة للتأكيد على ضمان وحماية حدود السودان، وأنه لا تفريط في وحدة وسلامة أراضي السودان.

وأضاف رسلان في تصريحات لموقع "الحرة" أن هذه التحركات تعكس تغيرا في موقف السودان بشأن ملف السد، بعد شعورها بالخطر منذ الملء الأول للسد وما ترتب عليه من أضرار للخرطوم من جفاف وانخفاض منسوب المياه، وفيضانات أيضا.

وأشار إلى أن نتائج هذا التقارب ظهر من خلال التصريحات الإثيوبية، التي أعلنت حسن نيتها للتفاوض تحت رعاية الاتحاد الإفريقي.

وردا على بيان مصر والسودان، قالت وزارة الخارجية الإثيوبية، الأربعاء، إنها تتوقع الوصول لاتفاق مع البلدين بشأن سد النهضة، مشددة على أنها "على استعداد للتفاوض بحسن النية".

وقال المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية دينا مفتي: "إثيوبيا تؤمن بمواصلة المفاوضات بروح إيجابية بواسطة الاتحاد الإفريقي برئاسة الكونغو الديمقراطية".

وأضاف: "مصر والسودان دولتان ذات سيادة، ويمكنهما أن تفعلا أي شيء معا. يمكنهما أن توقعا على أي اتفاقيات سواء كانت عسكرية او اقتصادية أو تجارية، ما دامت لا توجه ضد إثيوبيا، نحن لا نعترض على أي معاهدة يوقعان عليها".

بينما يرى المحلل الإثيوبي، أنور إبراهيم، أن لقاءات السودانية المصرية طبيعية في ظل التغييرات التي تشهدها المنطقة، وأنها ليست مضادة لأديس أبابا، وأضاف أنه يتوقع أن تكون هناك لقاءات بين الدول الثلاث لحل هذه الأزمة.

تهديد مباشر

وتستعد أديس أبابا للمرحلة الثانية من ملء السد في يوليو المقبل بـ13.5 مليار متر مكعب من مياه نهر النيل ليصبح حجم المياه المتجمعة أمام السد 18.5 مليار متر مكعب.

كانت أديس أبابا أعلنت في 21 يوليو الماضي، إنجاز ملء المرحلة الأولى لسد النهضة، على الرغم من عدم توصلها لاتفاق بعد مع دولتي المصب مصر والسودان، حسب وكالة الأنباء الفرنسية، وقال رئيس الوزراء الإثيوبي: "لقد أصبح واضحا على مدى الأسبوعين الماضيين في موسم الأمطار، أن ملء العام الأول لسد النهضة الكبير قد تحقق".

اعتبرت القاهرة والخرطوم، في بيان مشترك، الثلاثاء، أن إقدام إثيوبيا، بشكل أحادي، على "تنفيذ المرحلة الثانية من ملء سد النهضة" سيشكل "تهديدا مباشرا للأمن المائي" لمصر والسودان.

كما شدد وزيرا خارجية البلدين على أن "قيام إثيوبيا بتنفيذ المرحلة الثانية من ملء سد النهضة بشكل أحادي سيشكل تهديدا مباشراً للأمن المائي لجمهورية مصر العربية ولجمهورية السودان، وخاصة فيما يتصل بتشغيل السدود السودانية".

وقال وزير الري السوداني، ياسر عباس، إن بلاده ترى أن أي ملء لسد النهضة الإثيوبي من جانب واحد في يوليو سيشكل تهديدا مباشرا للأمن القومي السوداني.

وأكد رسلان أن الملء الثاني للسد يعد بمثابة "قنبلة مائية" ضد السودان، لأنه سيتجمع أمام جسد السد 18.5 مليار متر مكعب، وتبلغ سعة تدفق المياه من بوابات السد 3.1 مليار متر مكعب، بينما لا تمثل سعة تخزين سد الروصيرص السوداني سوى 10 في المئة من السد الإثيوبي، بينما تبلغ سعة تدفقه 1.1 مليار متر مكعب

وأضاف أنه لو تدفقت هذه المياه من سد النهضة ستؤدي إلى انهيار سد الروصيرص وغرق كل الأراض السودانية من الحدود الإثيوبية وحتى الخرطوم، وهي منطقة يقطنها 20 مليون نسمة، مشيرا إلى أن أديس أبابا قد تستخدم هذا الأمر كورقة ضغط علي الخرطوم

وتعتمد مصر على نهر النيل في أكثر من 90 بالمئة من إمداداتها بالمياه العذبة، وتخشى أن يكون له آثر مدمر على اقتصادها، بينما تقول إثيوبيا إن السد الضخم قد يساعدها في التحول إلى مصدر رئيسي للطاقة، وتعتبر السد، الذي تبلغ تكلفته 4.6 مليار دولار، مصدر فخر وطني يهدف إلى انتشال ملايين البشر من الفقر.
  
ويدور الخلاف بين الأطراف الثلاثة، حول كمية المياه التي ستطلقها إثيوبيا في اتجاه مجرى النهر في حالة حدوث جفاف لعدة سنوات وكيف ستحل الدول أي نزاعات مستقبلية. لكن إثيوبيا ترفض التحكيم الملزم في المرحلة النهائية.

رسالة لأديس أبابا

وأكد المحلل الإثيوبي إبراهيم أن أديس أبابا ستسمر في خطتها لملء السد حتى لو لم يتم التوصل لاتفاق، لأن "موضوع السد لا تقرره الحكومة لوحدها فهو مشروع قومي للشعب". وأشار إلى أديس أبابا إذا نجحت في الملء الثاني للسد تستطيع فرض رأيها في هذه القضية لأنها ستبدأ بعدها عملية التشغيل.

وخلال الأيام الماضية، وقعت مصر والسودان، اتفاقية عسكرية في الخرطوم، أثناء زيارة الفريق محمد فريد رئيس أركان حرب القوات المسلحة للسودان ولقاءه برئيس الأركان السوداني، الفريق محمد عثمان الحسين.

وشمل الاتفاق تعزيز التعاون العسكري والأمني بين مصر والسودان خاصة في مجالات التدريبات المشتركة والتأهيل وأمن الحدود ونقل وتبادل الخبرات العسكرية والأمنية.

ومن المرتقب أن يزور الرئيس السيسي الخرطوم يوم السبت المقبل، في زيارة تستغرق ساعات، يعقد خلالها مباحثات مع رئيس المجلس السيادي الفريق أول عبد الفتاح البرهان، لأول مرة منذ سقوط نظام البشير في 2019.

وبالرغم من أن أبو خريس شدد على أن الخيار العسكري غير مطروح، لكنه أكد على أن لقاء قادة الجيشين بمثابة رسالة لأديس أبابا على حرص الدولتين على حماية حقوقهما في مياه النيل وحماية حدود السودان.

أما بالنسبة للخيارات الحالية للبلدين في التعامل مع هذا الملف، هو تقديم شكوى للمحكمة الدولية باعتبار أن النهر الدولي عابر للحدود، بالإضافة إلى الضغط على الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي للضغط على أديس أبابا على المرونة في عملية التفاوض وعدم ملء السد قبل التوصل لاتفاق.

كانت الخرطوم قد تقدمت في منتصف الشهر الماضي، بمقترح دعمته مصر "حول تطوير آلية التفاوض التي يرعاها الاتحاد الإفريقي".

وينص المقترح، وفق البيان، على تشكيل لجنة رباعية دولية، للتوسط في المفاوضات، على أن تقودها وتسيرها الكونغو الديمقراطية بصفتها الرئيس الحالي للاتحاد الإفريقي. وتشمل اللجنة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة للتوسط في المفاوضات وفق البيان الذي قال إن الخرطوم والقاهرة دعتا "هذه الأطراف الأربعة لتبني هذا المقترح...".

وفي العام الماضي، وبسبب تعنت الموقف الإثيوبي، أعلنت مصر، أنها دعت مجلس الأمن الدولي في الأمم المتحدة، إلى التدخل لحل الأزمة، وقالت وزارة الخارجية في بيان، "طلبنا من مجلس الأمن التدخل لتأكيد أهمية مواصلة الدول الثلاث للمفاوضات وعدم اتخاذ إجراءات أحادية".

وأكد رسلان أنه في حال فشل المجتمع الدولي في الضغط على أديس أبابا في المفاوضات وضمان حقوق الدول الثلاث، قد تلجأ مصر والسودان إلى الخيار الأخير وهي الوسائل غير السلمية والتي قد تنتهي بالحرب .

مصر والصين

لم يكن الدخان الذي خلفته المقاتلات الصينية في سماء الأهرامات مجرد خلفية لمناورة مشتركة بين مصر والصين. كان رسالة، بل إعلانا جيوسياسيا بأن بكين لم تعد تكتفي بمراقبة الشرق الأوسط عن بعد. 

هذه المرة، جاءت بمقاتلاتها (J-10) ووضعتها في سماء حليف استراتيجي للولايات المتحدة منذ أكثر من 40 عاما.

لمناورة "نسر الحضارة 2025" بعد رمزي أيضا.

نحن نتحدث عن أول تدريب جوي مشترك بين الجيشين الصيني والمصري. لفترة قصيرة؟ نعم. لكن الدلالة ضخمة. إنها إشارة إلى شيء ما في طور التشكل، إلى فراغ تُحاول الصين أن تملأه حيث يتراجع الحضور الأميركي.

تغيير في قواعد اللعبة

"هذه المناورات تحمل أبعادا تتجاوز التدريب. إنها تغيير في قواعد اللعبة"، يقول إيلان بيرمان، نائب رئيس مجلس السياسة الخارجية الأميركية، لموقع الحرة.

تشير هذه التدريبات النوعية، من ناحية أخرى، إلى مرحلة متقدمة في مسار التعاون العسكري الصيني المصري. فبدلا من الاقتصار على صفقات التسلح التقليدية، نشهد اتجاها واضحا نحو بناء قدرات عسكرية مشتركة وتبادل خبرات ميدانية، يضيف بيرمان.

"ورغم أن مصر ما زالت ثاني أكبر متلقٍ للمساعدات العسكرية الأميركية بعد إسرائيل، فهي ترسل إشارات واضحة: لن نعتمد على مصدر واحد. التنوع في التسليح، وتبادل الخبرات، والانفتاح على التكنولوجيا الصينية".

هذا ليس حيادا. هذه موازنة جديدة للقوة.

يشير بيرمان إلى أن "إعادة تقييم القاهرة لتحالفاتها وعلاقاتها مع واشنطن تُعتبر خطوة كبيرة، وتمثل هذه الوضعية فرصة كبيرة للصين ولمصر". ومع ذلك، فإن هذه الشراكة تتجاوز مجرد البحث عن بدائل للتسليح؛ فهي تُمثل نافذة استراتيجية بالنسبة لمصر للانفتاح على أحدث التقنيات العسكرية الصينية، وذلك في سياق جهودها المستمرة لمواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة في محيطها الإقليمي المضطرب.

فوق الأهرامات... تحت الرادار

بدا مشهد الطائرات الصينية فوق الأهرامات وكأنه من فيلم دعائي عن القوة الناعمة الصينية. لكن خلف الصورة الرمزية، هناك رسائل أمنية كثيرة. 

تقارير إسرائيلية لفتت إلى معلومات بأن بكين تجمع معلومات استخباراتية تحت غطاء التدريبات، التي قد تكون أيضا اختبارا لقدرة الصين على القيام بعمليات عسكرية بعيدا عن حدودها.

أين واشنطن من هذا كله؟

حين تبتعد أميركا عن الشرق الأوسط خطوة، ثمة دائما من يتحرك ليملأ الفراغ. والسؤال هو: هل تتهيأ بكين لتكون البديل العسكري للولايات المتحدة في المنطقة؟

وهل تقف القاهرة على مفترق طرق فعلا، أم أنها تلوّح بورقة بكين لتحسين شروط علاقتها بواشنطن؟

تحولات في طور التشكل تُلزم واشنطن بإعادة قراءة المشهد، وإعادة ضبط إيقاع حضورها في منطقة لم تعد تتحمّل الغياب الأميركي.

التعاون الثنائي

على الصعيد الثنائي، تشير هذه التدريبات النوعية إلى مرحلة متقدمة في مسار التعاون العسكري بين الصين ومصر. فبدلا من الاقتصار على صفقات التسلح التقليدية، نشهد اتجاهًا واضحًا نحو بناء قدرات عسكرية مشتركة وتبادل خبرات ميدانية.

يرى بيرمان في هذا السياق أن "الحكومة الصينية تسعى بوضوح إلى سد الفجوات في المناطق التي يتراجع فيها نفوذ الولايات المتحدة ومصالحها، وتحاول استغلال هذه العلاقات لصالحها ولإضعاف الغرب". 

ويضيف: "هذا التدريب المشترك يحمل أهمية كبيرة من الناحية الجيوسياسية".

يُعد اختيار القاهرة شريكًا استراتيجيًا لإجراء هذه المناورات المتقدمة دليلاً على اعتراف الصين المتزايد بالدور الحيوي الذي تلعبه مصر في المنطقة. كما يعكس هذا الخيار سعي بكين الحثيث لتعزيز نفوذها في منطقة الشرق الأوسط الحيوية عبر تأسيس تعاون عسكري متين مع قوة إقليمية مركزية كالقاهرة، وفقا لإيلان.

تنوع مصادر التسليح

تحصل مصر على مساعدات عسكرية بنحو 1.3 مليار دولار سنويا، وهي ثاني أكبر متلق للدعم العسكري الأميركي بعد إسرائيل. لكن على الرغم من ارتباطات مصر العسكرية التقليدية، تعتبر القاهرة شراكتها المتنامية مع الصين فرصة استراتيجية لتنويع مصادر التدريب والتسليح.

"إعادة تقييم القاهرة لتحالفاتها وعلاقاتها مع واشنطن تُعتبر خطوة كبيرة، وتمثل هذه الوضعية فرصة كبيرة للصين ولمصر"، يقول بيران.

تحولات استراتيجية قيد التشكل

بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، تُثير هذه المناورات تساؤلات حول أهداف التعاون المصري الصيني، خاصة في ظل التنافس الاستراتيجي المحتدم بين واشنطن وبكين على النفوذ.

من زاوية أخرى، تشير المناورات أن الصين تحاول اختبار قدراتها على تنفيذ عمليات عسكرية مشتركة بعيدة عن قواعدها الرئيسية، وتقييم درجة التوافق التشغيلي بين أنظمتها العسكرية وأنظمة دول أخرى ذات خصائص مختلفة.

ويذهب إيلان بيرمان، نائب رئيس مجلس السياسة الخارجية الأميركية، في حديثه مع موقع "الحرة" إلى أن "المناورات الجوية الصينية المصرية "نسر الحضارة 2025" تتجاوز الإطار التقني للتدريبات العسكرية لتُمثل مؤشرا جيوسياسيا بالغ الأهمية". 

وتحمل المناورات في طياتها رسائل إقليمية ودولية متعددة الأبعاد، خصوصاً بعد إعادة الولايات المتحدة صياغة سياستها الخارجية على مستوى العالم، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط، مما يخلق كثيرا من الفراغ السياسي.