في دقيقة و18 ثانية علق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على محادثات سد النهضة المتعثرة منذ سنوات، وبلغة تحذيرية، أكد أنه "خلال الأسابيع القليلة المقبلة سيكون هناك تحرك إضافي في هذا الموضوع".
وأعاد تحذير السيسي، الثلاثاء، من تأثر استقرار المنطقة برد فعل مصر على أي مساس بإمداداتها من المياه التي وصفها بـ"الخط الأحمر"، إلى الأذهان تهديداته من الهجوم على خط المواجهة سرت - الجفرة في ليبيا في يوليو الماضي، والتدخل العسكري للجيش المصري.
وجاءت تصريحات السيسي، خلال مؤتمر صحافي عقد بمركز تابع لهيئة قناة السويس بمحافظة الإسماعيلية، غداة تعويم سفينة الحاويات الضخمة التي أغلقت المجرى المائي لستة أيام.
تصريحات السيد الرئيس بشأن تطورات قضية سد النهضةتصريحات السيد الرئيس بشأن تطورات قضية سد النهضة
Posted by المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية-Spokesman for the Egyptian Presidency on Tuesday, March 30, 2021
ولم تلمح مصر سابقا، على لسان مسؤوليها، بعمل عسكري ضد السد الإثيوبي، لكن تصريحات السيسي فُسرت على أنها تلميح لذلك. وقال الرئيس المصري: "نحن لا نهدد أحدا لكن لا يستطيع أحد أخذ نقطة مياه من مصر، ولا يتصور أحد أنه بعيد عن قدرتنا.. المساس بمياه مصر خط أحمر وسيؤثر على استقرار المنطقة بشكل كامل".
فهل ستغير تهديدات القاهرة المشهد في سد النهضة مثلما حدث في الأزمة الليبية؟
يقول اللواء حمدي بخيت، الخبير العسكري، لموقع "الحرة"، إن المشهدين يتشابهان في الرغبة في حسم القضية بأسرع وقت ممكن، إنما يختلفان في الوسيلة؛ مضيفا "التهديد من الاقتراب من خط سرت-الجفرة كان أساسه استخدام القوة العسكرية لحل المشكلة وسط حشود عسكرية كانت موجودة بالفعل على الأراضي الليبية".
وفي ظل ما تصفه مصر والسودان -دولتا مصب نهر النيل- بـ"التعنت" الإثيوبي، تصر أديس أبابا على بدء المرحلة الثانية لملء السد للعام الثاني، بعد أشهر قليلة، رغم عدم التوصل لاتفاق ملزم قانونا يتعلق بتشغيل السد.
وفي أكتوبر 2019، نقلت وكالات أنباء تعليق رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، على أزمة سد النهضة مع مصر، خلال جلسة برلمانية بقوله: "مستعدون لحشد مليون شخص للحرب"، الأمر الذي أثار غضب القاهرة.
وبعد ذلك بعام، حظرت إثيوبيا الطيران فوق السد.
وفي مارس 2020، قال رئيس الأركان الإثيوبي، آدم محمد، إن الجيش مستعد للتصدي لأي هجوم عسكري يستهدف سد النهضة، وللرد على مصدر الهجمات بالمثل.
واستبعد خالد عكاشة، مدير المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، أن تكون تصريحات السيسي حملت إشارات بالتدخل العسكري.
وقال لموقع "الحرة": "بل هي إشارة واضحة إلى أن أزمة سد النهضة تهدد الاستقرار، وهذه ليست المرة الأولى التي تشير فيها مصر لذلك، لكن الرئيس رفع درجة حرارة الحديث بالنظر إلى ما تعانيه المنطقة بالفعل".
وأضاف "التصريحات تتماشى مع خيار التفاوض والوصول لاتفاق ملزم قانونا، ولذلك تحدث الرئيس عن أننا نخوض حربا تفاوضية".
"أكثر من حل"
وأكد السيسي أن "التفاوض هو خيارنا الذي بدأنا به والعمل العدائي قبيح وله تأثيرات تمتد لسنوات طويلة لأن الشعوب لا تنسى ذلك".
ويتوقع بخيت أن تسفر هذه التصريحات عن خطوات حاسمة وكبيرة لحل الأزمة، مؤكدا على حديث الرئيس المصري بشأن مواصلة القاهرة إتباع المسار التفاوضي.
إلا أنه يعتقد أن مصر تمتلك حلولا أخرى، عسكرية وغير عسكرية، للدفاع عن أمنها القومي، مستبعدا أن يكون لدى القاهرة خيار واحد فقط لحل الأزمة.
وأضاف "هي مسألة تتعلق بالبقاء وهي المياه، فهي مسألة حياة أو موت، أما إثيوبيا فلم تعط فرصة لأحد، وتعمل باستراتيجية الخسارة أو المكسب، إنما مصر دائما تتحدث عن استفادة جميع الأطراف".
ويقع السد على بعد 15 كيلومترا من الحدود مع السودان على النيل الأزرق، أحد أفرع نهر النيل الذي يمد المصريين البالغ عددهم نحو مئة مليون نسمة، بتسعين في المئة من احتياجاتهم من المياه العذبة.
وخلال أول زيارة للسودان منذ الإطاحة بعمر البشير في 2019، دعا السيسي، في وقت سابق من مارس الجاري، إلى اتفاق ملزم بحلول الصيف بشأن تشغيل سد النهضة.
وقبل هذه الدعوة بأيام ووقع رئيس أركان الجيش المصري اتفاقية تعاون عسكري مع نظيره السوداني، خلال زيارته للسودان.
وكان بعض الخبراء العسكريين تحدثوا عن الصعوبات التي تلازم عملية توجيه ضربة للسد، بالنظر إلى عدم وجود حدود مشتركة بين مصر وإثيوبيا، والفرق بين وصول الطائرات إلى الهدف وبين تعاملها معه، الأمر الذي يختلف معه اللواء حمدي بخيت.
وقال بخيت: "الأهداف العسكرية اليوم ليست بعيدة عن متناول أحد، نتذكر إسرائيل حينما حررت المختطفين في مطار عنتيبي (بأوغندا) بعملية عسكرية (عام 1976)، ومصر أيضا حينما أطلقت عملية عسكرية في قبرص (عملية مطار لارنكا الدولي عام 1978)".
وأضاف "هذا يخضع للتخطيط استراتيجي-عسكري أو سياسي-عسكري"، لكنه وصف التدخل العسكري بتوجيه ضربة لسد النهضة حاليا بـ"الخطير"، خوفا من احتمالية غرق السودان بعدما بدأت إثيوبيا، التي تقول إن لها الحق تماما في استخدام مياه النيل التي استغلتها مصر طويلا، في ملء الخزان خلف السد الصيف الماضي.
"تحرك إضافي"
وفي وقت سابق من مارس، دعا وزير الخارجية سامح شكري، في اتصال هاتفي، الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش للعودة لمفاوضات "جادة" بشأن السد.
وفي المقابل، أكد غوتيريش استعداد المنظمة الأممية لدعم عملية التفاوض حول سد النهضة التي يقودها الاتحاد الأفريقي، والمشاركة فيها بدعوة من رئيس الاتحاد.
وخلال زيارته السودان، قال السيسي: "أكدنا ضرورة العودة للتفاوض والوصول لاتفاق عادل ملزم قبل بدء (موسم) الفيضان، وأكدنا رفضنا للملء الأحادي، واتفقنا على ضرورة التفاوض، ودعمنا مقترح السودان بالوساطة الرباعية".
وفي الآونة الأخيرة، اقترح السودان أن تتوسط الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، وتبذل المزيد من الجهود في النزاع، بدلا من مجرد مراقبة المحادثات، وهو اقتراح تدعمه مصر.
لكن إثيوبيا عارضت إضافة وسطاء إلى عملية قائمة يقودها الاتحاد الأفريقي، حسبما نقلت وكالات إخبارية.
والأربعاء، قال السفير الإثيوبي في القاهرة، ماركوس تيكيلي، إن بلاده لم تبلغ رسميا بشأن الوساطة الرباعية التي وافقت عليها مصر والسودان.
وخلال مؤتمر صحفي من مقر السفارة بالقاهرة أكد أن إثيوبيا متمسكة باستئناف التفاوض مع مصر والسودان.
وأضاف "نتفاوض برعاية الاتحاد الأفريقي.. والمفاوضات بشأن سد النهضة ستستأنف قريبا، ونحاول الوصول إلى اتفاق مرضي لجميع الأطراف".
ويقول عكاشة: "مصر في اللحظة الراهنة ربما تراهن على الوساطة الرباعية بعيدا عن الرعايات الجزئية أو الإقليمية مثل الإمارات أو الاتحاد الأفريقي أو حتى مبادرة واشنطن".
وكان من المتوقع أن تبرم البلدان الثلاثة اتفاقا في واشنطن، في فبراير 2020، بخصوص ملء وتشغيل السد الذي تبلغ تكلفته أربعة مليارات دولار، لكن إثيوبيا تخلفت عن الاجتماع، ووقعت مصر فقط عليه بالأحرف الأولى.
وفي تصريحات الثلاثاء، أكد السيسي أنه "خلال الأسابيع القليلة المقبلة سيكون هناك تحرك إضافي في هذا الموضوع، ونتمنى أن نصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن ملء وتشغيل السد".
ويعلق عكاشة: "أعتقد أن الرئيس كان يشير إلى حل اللجوء إلى الوساطة الرباعية"، مرجحا حسم هذا الأمر "قبل الملء الثاني بفترة كافية".
"عدم استقرار لا يتخيله أحد"
وبينما أكدت إثيوبيا عزمها على تنفيذ المرحلة الثانية من ملء بحيرة السد في يوليو المقبل، حذر السودان من أن الملء أحادي الجانب للخزان "يهدد التوليد الكهربائي لسد الروصيرص وسد مروى وينقص عمل محطات مياه الشرب... ويهدد سلامة وأمان سد الروصيرص... وسلامة وحياة سد النهضة و20 مليون سوداني".
وإذا استمر الحال على ما هو عليه، حذر السيسي من أن "المنطقة ستشهد حالة عدم استقرار لا يتخيلها أحد".
ويوضح بخيت أن عدم الاستقرار سيتثمل في الصراعات والمواجهات العالمية والمباشرة في منطقة القرن الأفريقي الاستراتيجية.
وأشار إلى أهمية هذه المنطقة حيث تتمركز القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) في جيبوتي، ويقع مضيق باب المندب -وهو ممر استراتيجي للملاحة يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن- وكذلك دول منبع نهر النيل.
وأضاف "هذه المنطقة أصلا تحترق، مع الإشارة للمشاكل الداخلية في كل من إثيوبيا والصومال وإريتريا، فلنا أن نتخيل ماذا سيحدث إذا وقعت مواجهة أو تدخل عسكري بسبب سد النهضة".
