جولة جديدة من المباحثات في سد النهضة تقودها أميركا
جولة جديدة من المباحثات في سد النهضة تقودها أميركا

جولة جديدة من المباحثات بشأن سد النهضة يقودها المبعوث الأميركي الخاص للقرن الأفريقي، جيفري فيلتمان، في محاولة أميركية جديدة لإنقاذ مفاوضات السد وإبعاد المنطقة من خطر اندلاع الحرب.

بدأت الجولة منتصف الأسبوع الماضي، بزيارة المبعوث الأميركي إلى القاهرة، التقى خلالها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ثم سافر إلى السودان. ومن المقرر أن تشمل الجولة كل من إثيوبيا وإريتريا.

وذكرت وزارة الخارجية الأميركية أن سفر المبعوث الخاص "يؤكد على التزام الإدارة (الأميركية) بقيادة جهد دبلوماسي مستدام لمعالجة الأزمات السياسية والأمنية والإنسانية المترابطة في القرن الأفريقي"، وأن فيلتمان "سوف ينسق سياسة الولايات المتحدة في جميع أنحاء المنطقة لتحقيق هذا الهدف".

وأكد بعض خبراء الأمن الإقليميين أنه إذا لم تنجح الجهود الدولية في كسر الجمود، فقد يصبح السد الإثيوبي سببًا لحرب مائية تهدد المنطقة بأكملها.

مباحثات الساعات الأخيرة

وقال المستشار الإعلامي السابق لرئيس الحكومة السودانية، فايز السليك، إن هذه المفاوضات هي مباحثات الساعات الأخيرة قبل الملء الثاني للسد في يوليو المقبل.

وأضاف السليك في تصريحات لموقع "الحرة" أن واشنطن تكثف تحركاتها في محاولة أخيرة لإنقاذ المنطقة من حافة الهاوية، بسبب إصرار أديس أبابا على الملء الأحادي للسد. وأوضح أن الولايات المتحدة تحاول التوصل إلى حلول سلمية ترضي الأطراف الثلاثة وتعيدهم إلى طاولة المفاوضات مرة ثانية.

بينما يرى خبير الشؤون الإفريقية في مركز الأهرام للدراسات، هاني رسلان، أن الولايات المتحدة قادرة على إنقاذ المفاوضات إذا كانت جادة في ذلك.

وقال رسلان في تصريحات لموقع "الحرة" إن "واشنطن عازفة على التدخل بشكل جدي في قضية ملف سد النهضة"، معتبرا أن "أميركا منحازة بشكل كامل لأديس أبابا"، على حد قوله. 

من جانبه، قال المحلل السياسي الإثيوبي، أنور إبراهيم، إن "هذه الجولة لن تشهد أي تقدما بعد فشل مفاوضات واشنطن العام الماضي"، مشيرا إلى أنه من بعدها لم يشهد هذا الملف أي تقدم.

وأضاف إبراهيم في تصريحات لموقع "الحرة" أن جولة المبعوث الأميركي تتناول قضايا اعتبرها "أكثر من أهمية" من ملف سد النهضة مثل مشكلة الحدود الإثيوبية السودانية والصراع في إقليم تيغراي.

وخلال لقائه بالسيسي، قال فيلتمان، الذي التقى أيضا وزيري الخارجية والري المصريين، إن إدارة بايدن "جادة في تسوية مثل هذه القضية الحساسة".

بينما صرح السيسي أن مصر لن تقبل بما "يضر بمصالحها المائية" ووصف قضية السد بأنها "وجودية" لبلاده، وحث الولايات المتحدة على لعب "دور فاعل" لتسوية النزاع.

وفي الخرطوم، عقد المبعوث الأميركي لقاءا مع رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبدالفتاح البرهان، تناولا من خلاله  العلاقات بين السودان والولايات المتحدة. وأكد البرهان للمبعوث الأميركي تمسك الخرطوم برفض الملء الثاني لبحيرة سد النهضة الإثيوبي، وشرح موقف بلاده من ملف سد النهضة، مؤكدا أنه يتبنى موقفا ثابتا حيال الحل التفاوضي للخلافات بين الأطراف المنخرطة في الملف.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، دينا مفتي، عندما سُئل يوم السبت عن زيارة فيلتمان المرتقبة "سنرى ما إذا كنا سننجح أم لا"، مضيفا أن بلاده ستناقش معه الموضوعات ذات الصلة.

وسبق أن تدخلت الولايات المتحدة في أزمة سد النهضة العام الماضي بناء على مقترح من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وتوصلت الدول الثلاث برعاية أميركا وصندوق النقد إلى اتفاق عرٌف باتفاق واشنطن.

وكان من المقرر أن يتم التوقيع على الاتفاقية يوم 28 فبراير الماضي، لكن إثيوبيا تغيبت عن الحضور، ووقعت مصر بالأحرف الأولى بينما رفضت السودان التوقيع، وتجاهلت إثيوبيا المطالب العالمية، واستمرت في بناء السد.

واشنطن قادرة

وقال السفير المصري في واشنطن، معتز زهران، في مقال نشره في مجلة "فورين بوليسي"، الأسبوع الماضي، إن الولايات المتحدة هي وحدها من تمتلك النفوذ اللازم لتشجيع إثيوبيا بنجاح على الانخراط في مفاوضات حسن نية بشأن سد النهضة و"الامتناع عن الإجراءات الأحادية والسعي لتحقيق المصالح الذاتية الضيقة، والتي أضرت بالمصالح المشروعة لجيرانها"، على حد تعبيره.

ووفقا للسفير المصري، فإن خبرة الولايات المتحدة وبقية الشركاء الدوليين، بما في ذلك الأمم المتحدة، كفيلة بجعل عملية الوساطة التي يقودها الاتحاد الإفريقي ذات قيمة كبيرة حتى تؤتي المفاوضات ثمارها.

وأضاف أنه "من خلال الدبلوماسية، يمكن لإدارة بايدن إعادة ضبط المفاوضات المتعثرة، وتحقيق حل عادل لجميع الأطراف، وبذلك حماية مصالحها الاستراتيجية مع ثلاثة حلفاء إقليميين مهمين".

وتعتمد مصر على نهر النيل في أكثر من 90 بالمئة من إمداداتها بالمياه العذبة، وتخشى أن يكون له آثر مدمر على اقتصادها، بينما تقول إثيوبيا إن السد الضخم قد يساعدها في التحول إلى مصدر رئيسي للطاقة، وتعتبر السد، الذي تبلغ تكلفته 4.6 مليار دولار، مصدر فخر وطني يهدف إلى انتشال ملايين المواطنين من الفقر.

ويدور الخلاف بين الأطراف الثلاثة، حول كمية المياه التي ستطلقها إثيوبيا في اتجاه مجرى النهر في حالة حدوث جفاف لعدة سنوات وكيف ستحل الدول أي نزاعات مستقبلية. لكن إثيوبيا ترفض التحكيم الملزم في المرحلة النهائية.

إثيوبيا تستعد للملء الثاني لسد النهضة في يوليو القادم

وتبحث هذه الجولة من المفاوضات التوصل إلى اتفاق جزئي بخصوص الملء الثاني للسد فقط في المرحلة الحالية.

وفي أبريل، فشلت الجولة الأخيرة من المفاوضات التي توسط فيها الإتحاد الإفريقي في إحراز تقدم، مع إصرار الجانب الإثيوبي على الملء الثاني للسد الصيف المقبل بالتزامن مع موسم سقوط الأمطار.

وتؤكد مصر والسودان أن الملء الثاني للسد، والذي ستصل كميته 13.5 مليار متر مكعب من المياه عام 2021 إلى خزان السد على النيل الأزرق، يشكل تهديدا لهما.

وأكد السليك أن أديس أبابا طرحت حلا جزئيا يتركز حول التوصل حول الملء الثاني للسد فقط، وهو ما ترفضه القاهرة والخرطوم، وأصرتا الدولتان على ضرورة التوصل لاتفاق ملزم قبل يوليو.

وقال رسلان إن "الولايات المتحدة تريد تمرير الأهداف الإثيوبية في هذا الملف من خلال التوصل إلى اتفاق جزئي بشأن الملء الثاني".

ودعت القاهرة، والخرطوم، الولايات المتحدة والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، إلى تسهيل التوصل إلى اتفاق ملزم قانونًا بشأن ملء السد وتشغيله. ورفضت إثيوبيا الدعوة.

ويتزامن مع زيارة المبعوث الأميركي، زيارة رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية تشيسيكيدي، التي تتولى منصب رئيس الاتحاد الإفريقي، لمصر والسودان وإثيوبيا لبحث أزمة سد النهضة.

خيار الحرب

ووصف الأستاذ المساعد في مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الإستراتيجية بواشنطن، ديفيد دي روش، في تصريحات لموقع "صوت أميركا"، الموقف الإثيوبي بأنه "مستفز". وقال إن "مصر تحاول استقدام قوى دولية للوساطة وتشجيع إثيوبيا على تغيير موقفها. 

وأضاف أنه "إذا فشلت الجهود الدبلوماسية، فهناك خطر نشوب صراع عسكري على السد". وتابع: "لسوء الحظ، فإن الموقف الأثيوبي هو موقف يثير قلقًا كبيرًا لمصر، التي تعتمد بشدة على النيل، ولا يمكن للمصريين أن يبتسموا ويتحملوا ذلك".

وأوضح روش أن "مصر لديها جيش قوي للغاية، وإذا كانت تعمل بالاشتراك مع السودان، فمن الواضح أنها ستكون قادرة على شن غارات داخل وخارج السودان". 

في مطلع أبريل الماضي، حذر الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، من المساس بحصة مصر من مياه النيل. وقال السيسي في تعليق على تطورات مفاوضات سد النهضة الإثيوبي "لا يتصور أحد أنه بعيد عن قدرتنا.. مياه مصر لا مساس بها والمساس بها خط أحمر وسيكون رد فعلنا حال المساس بها أمر سيؤثر على استقرار المنطقة بالكامل".

وأكد رسلان أنه في حال فشل هذه المفاوضات، فإن مصر لن يكون أمامها خيار آخر غير القوة، للحفاظ على أمنها المائي.

بينما يرى السليك أن خيار الحرب غير مطروح بالنسبة لمصر والسودان، لكن لديهما خيارات أخرى مثل أوراق إثارة الاضطرابات في إثيوبيا ومطالبة السودان بمنطقة بني شنقول، المقام عليها السد، بالإضافة إلى اللجوء إلى التحكيم الدولي والمطالبة بفرض عقوبات على أديس أبابا.

وقال السليك إنه غير متفائل بنجاح هذه الجولة من المباحثات، بسبب تعنت الجانب الإثيوبي، مؤكدا أن إثيوبيا تستغل المفاوضات لكسب الوقت والمماطلة حتى يحين موعد الملء الثاني.

مصر والصين

لم يكن الدخان الذي خلفته المقاتلات الصينية في سماء الأهرامات مجرد خلفية لمناورة مشتركة بين مصر والصين. كان رسالة، بل إعلانا جيوسياسيا بأن بكين لم تعد تكتفي بمراقبة الشرق الأوسط عن بعد. 

هذه المرة، جاءت بمقاتلاتها (J-10) ووضعتها في سماء حليف استراتيجي للولايات المتحدة منذ أكثر من 40 عاما.

لمناورة "نسر الحضارة 2025" بعد رمزي أيضا.

نحن نتحدث عن أول تدريب جوي مشترك بين الجيشين الصيني والمصري. لفترة قصيرة؟ نعم. لكن الدلالة ضخمة. إنها إشارة إلى شيء ما في طور التشكل، إلى فراغ تُحاول الصين أن تملأه حيث يتراجع الحضور الأميركي.

تغيير في قواعد اللعبة

"هذه المناورات تحمل أبعادا تتجاوز التدريب. إنها تغيير في قواعد اللعبة"، يقول إيلان بيرمان، نائب رئيس مجلس السياسة الخارجية الأميركية، لموقع الحرة.

تشير هذه التدريبات النوعية، من ناحية أخرى، إلى مرحلة متقدمة في مسار التعاون العسكري الصيني المصري. فبدلا من الاقتصار على صفقات التسلح التقليدية، نشهد اتجاها واضحا نحو بناء قدرات عسكرية مشتركة وتبادل خبرات ميدانية، يضيف بيرمان.

"ورغم أن مصر ما زالت ثاني أكبر متلقٍ للمساعدات العسكرية الأميركية بعد إسرائيل، فهي ترسل إشارات واضحة: لن نعتمد على مصدر واحد. التنوع في التسليح، وتبادل الخبرات، والانفتاح على التكنولوجيا الصينية".

هذا ليس حيادا. هذه موازنة جديدة للقوة.

يشير بيرمان إلى أن "إعادة تقييم القاهرة لتحالفاتها وعلاقاتها مع واشنطن تُعتبر خطوة كبيرة، وتمثل هذه الوضعية فرصة كبيرة للصين ولمصر". ومع ذلك، فإن هذه الشراكة تتجاوز مجرد البحث عن بدائل للتسليح؛ فهي تُمثل نافذة استراتيجية بالنسبة لمصر للانفتاح على أحدث التقنيات العسكرية الصينية، وذلك في سياق جهودها المستمرة لمواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة في محيطها الإقليمي المضطرب.

فوق الأهرامات... تحت الرادار

بدا مشهد الطائرات الصينية فوق الأهرامات وكأنه من فيلم دعائي عن القوة الناعمة الصينية. لكن خلف الصورة الرمزية، هناك رسائل أمنية كثيرة. 

تقارير إسرائيلية لفتت إلى معلومات بأن بكين تجمع معلومات استخباراتية تحت غطاء التدريبات، التي قد تكون أيضا اختبارا لقدرة الصين على القيام بعمليات عسكرية بعيدا عن حدودها.

أين واشنطن من هذا كله؟

حين تبتعد أميركا عن الشرق الأوسط خطوة، ثمة دائما من يتحرك ليملأ الفراغ. والسؤال هو: هل تتهيأ بكين لتكون البديل العسكري للولايات المتحدة في المنطقة؟

وهل تقف القاهرة على مفترق طرق فعلا، أم أنها تلوّح بورقة بكين لتحسين شروط علاقتها بواشنطن؟

تحولات في طور التشكل تُلزم واشنطن بإعادة قراءة المشهد، وإعادة ضبط إيقاع حضورها في منطقة لم تعد تتحمّل الغياب الأميركي.

التعاون الثنائي

على الصعيد الثنائي، تشير هذه التدريبات النوعية إلى مرحلة متقدمة في مسار التعاون العسكري بين الصين ومصر. فبدلا من الاقتصار على صفقات التسلح التقليدية، نشهد اتجاهًا واضحًا نحو بناء قدرات عسكرية مشتركة وتبادل خبرات ميدانية.

يرى بيرمان في هذا السياق أن "الحكومة الصينية تسعى بوضوح إلى سد الفجوات في المناطق التي يتراجع فيها نفوذ الولايات المتحدة ومصالحها، وتحاول استغلال هذه العلاقات لصالحها ولإضعاف الغرب". 

ويضيف: "هذا التدريب المشترك يحمل أهمية كبيرة من الناحية الجيوسياسية".

يُعد اختيار القاهرة شريكًا استراتيجيًا لإجراء هذه المناورات المتقدمة دليلاً على اعتراف الصين المتزايد بالدور الحيوي الذي تلعبه مصر في المنطقة. كما يعكس هذا الخيار سعي بكين الحثيث لتعزيز نفوذها في منطقة الشرق الأوسط الحيوية عبر تأسيس تعاون عسكري متين مع قوة إقليمية مركزية كالقاهرة، وفقا لإيلان.

تنوع مصادر التسليح

تحصل مصر على مساعدات عسكرية بنحو 1.3 مليار دولار سنويا، وهي ثاني أكبر متلق للدعم العسكري الأميركي بعد إسرائيل. لكن على الرغم من ارتباطات مصر العسكرية التقليدية، تعتبر القاهرة شراكتها المتنامية مع الصين فرصة استراتيجية لتنويع مصادر التدريب والتسليح.

"إعادة تقييم القاهرة لتحالفاتها وعلاقاتها مع واشنطن تُعتبر خطوة كبيرة، وتمثل هذه الوضعية فرصة كبيرة للصين ولمصر"، يقول بيران.

تحولات استراتيجية قيد التشكل

بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، تُثير هذه المناورات تساؤلات حول أهداف التعاون المصري الصيني، خاصة في ظل التنافس الاستراتيجي المحتدم بين واشنطن وبكين على النفوذ.

من زاوية أخرى، تشير المناورات أن الصين تحاول اختبار قدراتها على تنفيذ عمليات عسكرية مشتركة بعيدة عن قواعدها الرئيسية، وتقييم درجة التوافق التشغيلي بين أنظمتها العسكرية وأنظمة دول أخرى ذات خصائص مختلفة.

ويذهب إيلان بيرمان، نائب رئيس مجلس السياسة الخارجية الأميركية، في حديثه مع موقع "الحرة" إلى أن "المناورات الجوية الصينية المصرية "نسر الحضارة 2025" تتجاوز الإطار التقني للتدريبات العسكرية لتُمثل مؤشرا جيوسياسيا بالغ الأهمية". 

وتحمل المناورات في طياتها رسائل إقليمية ودولية متعددة الأبعاد، خصوصاً بعد إعادة الولايات المتحدة صياغة سياستها الخارجية على مستوى العالم، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط، مما يخلق كثيرا من الفراغ السياسي.