مصر تطلب قرضا جديدا من صندوق النقد الدولي
مصر تطلب قرضا جديدا من صندوق النقد الدولي

للمرة الرابعة في 6 سنوات، ستحصل مصر على قرض من صندوق النقد الدولي، لتوفير احتياجاتها من العملات الأجنبية اللازمة لشراء المواد الغذائية وسد ديونها الخارجية.

وأعلن صندوق النقد الدولي، الأربعاء، أن مصر التي تضررت بشدة من ارتفاع أسعار السلع الأساسية الناجم عن الغزو الروسي لأوكرانيا قدمت إليها طلبا للحصول على قرض جديد.

وقالت رئيسة بعثة الصندوق إلى مصر، سيلين آلار، في بيان إن "التغير السريع في البيئة العالمية وتأثير التداعيات المرتبطة بالحرب في أوكرانيا يفرضان تحديات مهمة على البلدان في مختلف أنحاء العالم، ومنها مصر".

وتثير عمليات اقتراض الحكومة بصفة مستمرة من صندوق النقد تساؤلات عن سبب عمليات الاقتراض المستمرة، وتأثيرات ذلك على الاقتصاد والمواطن، وكيف سترد مصر هذه الديون، التي بلغت أكثر من 137 مليار دولار في 2021، بحسب قناة "سي إن بي سي"؟.

وترى مديرة أبحاث المكتب الإقليمي لمؤسسة فريدرش إيبرت، سلمي حسين، أن اللجوء للصندوق "مهم لإعادة الثقة في الاقتصاد المصري"، مشيرة إلى أن القرض سيوفر سيولة للحكومة، ويطمئن المقرضين وبنوك الاستثمار العالمية أن مصر دولة آمنه يستطيعوا إقراضها دون الخوف على استرداد أموالهم.

وأرجعت حسين في حديثها مع موقع "الحرة" اقتراض مصر للمرة الرابعة من الصندوق إلى أن حجم المبالغ المطلوب من القاهرة سددها للديون الخارجية "أكبر من قدرتها على السداد".

وأشارت إلى أنه خلال الأسابيع الماضية خرجت الكثير من أموال المستثمرين من مصر بعد رفع سعر الفائدة في الولايات المتحدة، وتوقعت بخروج المزيد خلال الشهور القادمة.

وأوضحت أن هذه الأموال "الساخنة" التي تبحث عن أعلى سعر فائدة، مهمة لمصر لسد التزاماتها بشكل منتظم. 

"ليست مؤشرا إيجابيا"

من جهته، يرى أستاذ اقتصاديات التمويل بجامعة القاهرة، حسن الصادي، أن عمليات الاقتراض المتتالية "ليست مؤشرا إيجابيا للاقتصاد المصري". 

وأضاف الصادي في حديثه مع موقع "الحرة" أن مصر لجأت لصندوق الدولي هذه المرة بسبب عدم قدرتها على توفير العملات الأجنبية لتلبية احتياجات خدمة الدين، وسد العجز في الميزان التجاري وميزان المدفوعات، وتوفير العملات للازمة لعملية الاستيراد.

أما الخبير الاقتصادي رشاد عبدة، فقد أرجع ذلك إلى تراجع إيرادات مصر من السياحة بسبب الحرب الروسية على أوكرانيا، مشيرا إلى أن 34% من السياح القادمين إلى مصر من هاتين البلدين.

بالإضافة إلى ارتفاع فاتورة شراء المنتجات من الخارج مثل الحبوب والطاقة، ولسد عجز لجأت مصر للصندوق، بحسب تصريحات عبدة لموقع "الحرة".

ومصر التي تعتمد بشكل كبير على واردات القمح وزيت دوّار الشمس من روسيا وأوكرانيا تضرّرت بشدة من الارتفاع الراهن في أسعار السلع الأساسية. وبلغ معدل التضخّم في مصر 10% على أساس سنوي في فبراير، في ارتفاع يعزوه الخبراء بشكل أساسي إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 20%.

ودفعت الضغوط التضخمية الكبيرة الناجمة عن الحرب ووباء كورونا البنك المركزي المصري إلى رفع سعر الفائدة الرئيسي للمرة الأولى منذ 2017.

وأدى قرار البنك المركزي إلى تراجع سعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار من 15.6 إلى أعلى من 18 جنيها في المتوسط.

ومن المحتمل أن يضيف ذلك عبئا ثقيلا على الطبقتين المتوسطة والفقيرة في مصر. وشهدت مصر خلال الأيام الماضية ارتفاع كبير في أسعار السلع بلغت أكثر من 50%.

وفي مسعى من الحكومة لتخفيف الأزمة، اتخذت خطوات للسيطرة على ارتفاع الأسعار، ومن بينها رصد حزمة إغاثة بقيمة 130 مليار جنيه.

كانت وكالة التصنيف الائتماني "فيتش" قالت الأسبوع الماضي إن الحرب في أوكرانيا ستزيد من الضغوط الاقتصادية في مصر، ومنها "انخفاض تدفقات السياحة الوافدة، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، وتحديات فيما يتعلق بالتمويل".

"طمأنة المستثمرين"

ويقول جيمس سوانستون، الخبير الاقتصادي في مؤسسة "كابيتال إيكونوميكس" البريطانية للأبحاث الاقتصادي، لوكالة أسوشيتدبرس إن الزيادات في أسعار الفائدة وخفض قيمة الجنيه المصري كانت مقدمة لتأمين حزمة تمويل جديدة من صندوق النقد الدولي.

وأضاف سوانستون "الدعم المالي الجديد من صندوق النقد الدولي سيساعد بالتأكيد في طمأنة المستثمرين بشأن التزام مصر بسياسة اقتصاد كلي متحفظة".

ويعتبر هذا هو القرض الرابع الذي ستحصل عليه مصر في 6 سنوات فقط، منذ أن أطلقت القاهرة برنامجا اقتصاديا إصلاحيا برعاية صندوق النقد الدولي في نوفمبر 2016.

وبناء على هذا البرنامج منح الصندوق القاهرة قرضا بحوالي 12 مليار يورو مقابل إجراءات تقشفية صارمة، بما في ذلك خفض قيمة الجنيه وإعادة النظر في نظام دعم المواد الغذائية الأساسية.

وبعد تفشي وباء كورونا وتضرر الاقتصاد بشكل كبير، اضطرت للحصول على قرض بآلية التمويل السريع بقيمة 2.77 مليار دولار، كما حصلت على قرض ثالث بقيمة 5.2 مليار دولار ضمن برنامج الاستعداد الائتماني.

وحصلت القاهرة على الدفعة الأخيرة من هذا البرنامج في يونيو 2021.

تأثير على المواطنين

وأكد الصادي أن الدخول في حلقة مفرغة من الاقتراض "سيزيد من الأعباء على الاقتصاد، وبالتالي لن يكون الناتج المحلي كافيا لسداد هذه الديون"، مشيرا إلى أن الاقتراض يكون مناسبا في حالة استخدمه لبناء مشروعات إنتاجية وليس لعمليات الاستيراد.

وأكد أن المشروعات القومية التي نفذتها الدولة بالقروض السابقة "لم تظهر آثارها على الاقتصاد المصري حتى الآن.

وأوضح أن عمليات الاقتراض المستمرة ستزيد من الأعباء على الميزانية، مما سيؤدي إلى ارتفاع مستويات التضخم وارتفاع الأسعار وتدهور مستوي معيشية المواطنين.

وأشار الصادي أن الصندوق يطلب شروطا إصلاحية قاسية وستكون أقسى من المرات السابقة.

وشملت الإصلاحات السابقة التي طلبها الصندوق: تدابير تقشف صارمة مثل خفض دعم الوقود وزيادة أسعار كل السلع بدءا من أسعار تذكرة مترو الأنفاق إلى تكاليف المرافق، ما شكل عبئا ثقيلا على معظم سكان البلاد الذين يزيد عددهم عن 103 ملايين نسمة، 29.7 بالمائة منهم يعيشون في فقر، بحسب الاحصاءات الرسمية.

وتتفق الباحثة سلمى حسين مع هذا الرأي، مؤكدة أن عمليات الاقتراض من الصندوق لها آثر "سلبي على المواطن بشكل كبير"، لأنها تدفع الحكومة لرفع الدعم عن بعض السلع مثل الطاقة مما قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتدهور مستوى المعيشية للمواطنين.

وأشارت أنه لا يوجد مبرر لرفع سعر الفائدة بشكل كبير في مصر لجذب القروض الخارجية، وأكدت أن الفائدة تقلل من قدرة الحكومة على الإنفاق على التعليم والصحة والمساعدات الاجتماعية ودفع إعانات البطالة.

من جانبه، يقول عبدة إن مصر اضطرت لطلب هذه القروض بسبب الظروف التي مرت بها بدءا من ثورة يناير وجائحة كورونا وأخيرا الحرب في أوكرانيا.

وأكد أنه "لن يكون لهذا القروض أي تأثير على الاقتصاد المصري"؛ لأن مصر لديها مصادر متنوعة للدخل تستطيع سدادها، مشيرا إلى أنه لم يحدث من قبل أن امتنعت مصر عن سداد ديونها، وتابع: "لذلك الصندوق لم يعارض بسبب التزامنا بعمليات السداد وشروط الإصلاح".

"أقل حدة"

ويرى عبدة أنه لا توجد علاقة بين الديون ومستوى المعيشة، وقال: "الولايات المتحدة أكبر دولة عليها ديون في العالم وبالرغم من ذلك اقتصادها قوي".

ويرى أن الشروط هذه المرة ستكون "أقل حدة" من المرات السابقة بسبب التعامل بين مصر والصندوق.

وفي بيانها قالت آلار إنّ "من شأن اتخاذ مجموعة من الإجراءات على صعيد السياسات الاقتصادية الكلية والهيكلية أن يسهم في التخفيف من أثر هذه الصدمة على الاقتصاد المصري، وحماية الفئات الضعيفة، والحفاظ على صلابة مصر وآفاق نموها على المدى المتوسط" .

وأضافت أنّ "الإجراءات التي اتخذتها السلطات المصرية مؤخّراً تمثّل خطوات جديرة بالترحيب بما تحققه من توسع في الحماية الاجتماعية الموجهة لمستحقيها وتطبيق للمرونة في حركة سعر الصرف".

ولفتت إلى أنّ "استمرار مرونة سعر الصرف سيكون عاملاً ضرورياً لاستيعاب الصدمات الخارجية وحماية هوامش الأمان المالية أثناء هذه الفترة من عدم اليقين".

وشدّد البيان على أنّ اتّباع القاهرة "منهجاً حذراً في السياستين المالية والنقدية سيكون أمراً ضرورياً أيضاً للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلّي".

وقالت حسين إن الصندوق يهمه فقط تخفيض عجز الموازنة مهما كانت الإجراءات، لأن ذلك يجعل قدرة الدولة على السداد أفضل.

وأشاد الرئيس عبد الفتاح السيسي، الأربعاء، ببرنامج الإصلاح، قائلا إنه يساعد حكومته على مواجهة التحديات العالمية بما في ذلك تداعيات الحرب في أوكرانيا.

وأضاف في تصريحات متلفزة أنه "بدون هذا البرنامج... لكان وضعنا أكثر صعوبة".

البنك المركزي المصري
البنك المركزي أشار إلى تراجع وتيرة التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي

أبقى البنك المركزي المصري أسعار الفائدة الرئيسية دون تغيير، الخميس، كما كان متوقعا، وأشار إلى تراجع وتيرة التضخم وتباطؤ النمو الاقتصادي.

وأبقت لجنة السياسة النقدية للبنك المركزي سعر العائد على الإيداع لليلة واحدة عند 27.25 في المئة وسعر العائد على الإقراض لليلة واحدة عند 28.25 في المئة.

وتوقع جميع المحللين الذين استطلعت رويترز آرائهم باستثناء واحد فقط، وعددهم 18 محللا، أن يُبقي المركزي على الفائدة دون تغيير، فيما أشار المحلل الوحيد إلى احتمال خفضها 100 نقطة أساس.

ويبقي قرار المركزي سعر العائد على الإيداع لليلة واحدة أقل من معدل التضخم الذي بلغ 27.5 في يونيو.

وتباطأ التضخم في يونيو للشهر الرابع على التوالي بعدما ارتفع في سبتمبر إلى مستوى غير مسبوق بلغ 38 في المئة.

وتوقعت لجنة السياسة النقدية في البيان "أن ينخفض التضخم بشكل ملحوظ خلال النصف الأول من 2025".

وقالت اللجنة "يشير تراجع تضخم السلع الغذائية بجانب تحسن توقعات التضخم إلى استمرار معدل التضخم في مساره النزولي".

وأضافت أن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي تراجع إلى 2.2 في المئة في الربع الأول من العام الجاري من 2.3 في المئة في الربع السابق.

وأوضح البيان "المؤشرات الأولية للربع الثاني من 2024 توضح استمرار وتيرة تباطؤ النشاط الاقتصادي، وعليه من المتوقع أن تشهد السنة المالية 2023/2024 تراجعا في نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي مقارنة بالسنة المالية السابقة قبل أن يعاود الارتفاع في السنة المالية 2024/2025".

ونما الاقتصاد المصري 3.8 في المئة في العام المالي 2022-2023.

ورفع المركزي المصري أسعار الفائدة 600 نقطة أساس في السادس من مارس في إطار اتفاق مع صندوق النقد الدولي، ليصل إجمالي الزيادات منذ بداية العام إلى 800 نقطة أساس.

وسمحت مصر في إطار الاتفاق بتراجع سعر صرف الجنيه بحدة أمام الدولار.