لقطة للبرلمان المصري
لقطة للبرلمان المصري

في مشهد نادر للمعارضة تحت قبة البرلمان المصري خلال السنوات الأخيرة، طالبت النائبة المصرية، مها عبد الناصر، بإقالة الحكومة ومحاسبة المسؤولين فيها، على إهدار المال العام، وفشل إدارة الدولة. 

جاءت المطالبة وسط تصاعد غضب بعض النواب خلال مناقشة التقرير العام للجنة الخطة والموازنة بشأن حساب ختامي الموازنة العامة للدولة للعام 2020-2021، الذي أظهر أخطاء في كيفية إدارة المنح والقروض والمشروعات والاستثمارات، وصفتها عبد الناصر بـ"الخطايا" في حديث لها مع موقع "الحرة". 

وخلال الجلسة العامة في البرلمان، قالت عبد الناصر، إن الملاحظات الأساسية التي أوردتها لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، في تقريرها، كفيلة ليس فقط بالرفض ولكن بإقالة الحكومة. 

ودعت النائبة مجلس النواب، لإعادة قراءة الصفحات من 16 إلى 25 في التقرير المكون من أكثر من 300 صفحة، مشيرة إلى أنها تحتوي على الملاحظات الأساسية والتي تظهر فشلا إداريا واضحا وتجاوزات تستدعي تحويل مسؤولين للتحقيق بتهمة إهدار المال العام، حسب قولها.

وأضافت عبد الناصر خلال الجلسة العامة في مجلس النواب، "هذه الحكومة أفقرت المصريين وأغرقتهم في الديون وليس لديها أي فكر، وحولت مصر لبيئة طاردة للاستثمار، وبدلا من أن تأتي بالاستثمارات، تفرض ضرائب على المواطنين"، مطالبة الحكومة إما بالإستجابة لجميع الملاحظات أو الرحيل. 

وقالت عبد الناصر في حديثها لموقع "الحرة" قائلة: لاحظنا الكثير من المشكلات لدى الحكومة الحالية، منها زيادة الصرف على المشروعات خلال العمل عليها، نتيجة عدم وجود دراسة جدوى جيدة قبل البدء فيها. 

وأوضحت أنه بعد البدء في المشروع يتم اكتشاف أنه كان يجب أن ينفق عليه أكثر من ذلك، فيتم الإنفاق أكثر ثم أكثر، وهذه من أسوأ الأشياء التي رأيناها. 

وأضافت أن "مشكلة أخرى كبيرة تمثلت في أن هناك قروضا ومنحا لا يتم الاستفادة بها، أو أنها تصرف في غير الأغراض التي جاءت لأجلها". 

وتوضح: "على سبيل المثال قرض تنمية الصعيد، لجنة الخطة والموازنة في ملاحظاتها قالت إنه تم الحصول منه على أموال تم شراء بها سيارات فارهة لبعض المسؤولين ويتم تجديد هذه السيارات كل عام، ويجب أن يتم تحويل هذه الوقائع للنيابة العامة ليتم التحقيق فيها، فضلا عن أن الجهاز المركزي للمحاسبات حول بالفعل بعض الوقائع للنيابة العامة ولم يتم الفصل فيها أو أن نتائج التحقيقات لم تعد لنا، وهي أحدى المشاكل التي نواجهها". 

وأشارت إلى أن التقرير أوضح في المقابل، أنه لم يتم الاستفادة إلا بستة في المئة فقط من مخصصات البحث العلمي. 

وقالت "كيف يتم هذا ونحن في عام كورونا، بالرغم من أن الحكومة كان يجب أن تركز على البحث العلمي لإيجاد حلول للوباء، هذا يؤكد على فشل إداري جديد". 

واتهمت الحكومة بالفقر الفكري وأنها لا تفكر إلا في كيفية الضرائب على المواطنين، "وليس هناك فكر لإدارة الهيئات الاقتصادية بشكل جيد".

وأوضحت: "من ضمنها، هيئة السكك الحديد التي خسرت مليار جنيه، ووزير النقل يقول إن الخسارة حتى لا نرفع ثمن التذاكر، هناك طرق كثيرة جدا لزيادة الإيرادات، دون زيادة أسعار التذاكر التي يرفعونها في الأساس كل فترة، دون أي تحسين للخدمات، وهو ما قصدته بأن هذه الحكومة لديها فقر في الفكر، محطات القطارات في العالم كله يتم تأجير مساحات فيها لكافيهات ومحلات صغيرة لتبيع أشياء للناس، في مصر ليس لدينا ذلك إلا في محطة رمسيس فقط (محطة القطارات المركزية بوسط القاهرة)". 

وخلال الجلسة العامة، قال النائب أحمد الشرقاوي، إن "سياسة الاقتراض أو سيل الاقتراض الذي لا يتوقف، فضلا عن سقف الديون الذي ليس له حدود وصل بنا في نهاية المطاف  لـ5547 مليار جنيه من الدين العام"، مضيفا أن "ذلك ليس مسئولية وزير المالية فقط، لكن المسئولية تقع علي الحكومة بالكامل". 

وأضاف: "عندما نصل في النهاية لهذا الحجم من الاقتراض دون استثمار هذا الاقتراض  يعد بمثابة الكارثة الكبري، فكان من الأحري أن  نستثمر الاقتراض  في شيء كتعليم أبنائه، من خلال استمثار استراتيجي في التعليم، أو بناء مدن صناعية لتوفير فرص العمل، وغيرها من الأشياء التي كانت تؤدي إلي زيادة إيرادات الدولة  حتي لا نسدد ديون بديون وهذا ما يسمي بالكارثة". 

وأظهرت بيانات البنك المركزي، ارتفاع الدين الخارجي لمصر بنهاية الربع الثاني من العام المالي الجاري 2021-2022 بنحو 8.1 مليار دولار مقارنة بالربع السابق له من نفس العام المالي الجاري.

وبحسب تقرير المركزي عن الدين الخارجي المنشور على موقعه الإلكتروني، الاثنين الماضي، فإن إجمالي الدين الخارجي لمصر ارتفع إلى 145.529 مليار دولار بنهاية الربع الثاني من العام المالي الجاري (أكتوبر إلى ديسمبر) مقابل 137.420 مليار دولار في الربع السابق له (يوليو إلى سبتمبر).

ومثلت الديون طويلة الأجل النصيب الأكبر من الديون، بقيمة بلغت 132.7 مليار دولار بنهاية الربع الثاني من العام المالي الجاري، مقابل 125.939 مليار دولار في الربع السابق له من نفس العام بحسب بيانات المركزي.

وبلغت نسبة الديون قصيرة الأجل 12.842 مليار دولار من إجمالي الدين الخارجي، خلال الربع الثاني من العام المالي الجاري مقارنة بنحو 11.480 مليار دولار في الربع السابق له من نفس العام.

وكانت الحكومة المصرية، اعترفت بأن هناك مشاورات مع صندوق النقد الدولي للحصول على برنامج تمويلي جديد، مطالبة المصريين بترشيد الاستهلاك. 

كما كشفت وكالة بلومبرغ، أن مصر تجري محادثات مع صندوق النقد الدولي بشأن دعم محتمل يمكن أن يشمل قرضا جديدا، بسبب الضغوطات الاقتصادية الناجمة عن الحرب في أوكرانيا. 

واقترضت مصر حوالي 20 مليار دولار من صندوق النقد الدولي منذ عام 2016، مما جعلها في المرتبة الثانية بعد الأرجنتين في الحصول على مساعدات من الصندوق منذ الثمانينيات. 

وفي عامي 2020 و2021، أنفقت الحكومة المصرية أكثر من 40 في المئة من إيراداتها في خدمة ديونها، ومن المتوقع أن تستمر في ذلك في 2022، بحسب تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال". 

وقالت عبد الناصر لموقع "الحرة" إن ارتفاع الديون مشكلة كبيرة وأنه يجب أن يكون هناك سقف للإقراض، ولا يكون هو الشيء المستمر، بالإضافة إلى أننا نطالب طوال الوقت بأن تكون هناك خطة من الحكومة لكيفية سداد الديون والقروض لأنها تحمل أعباء على الأجيال المقبلة وليس علينا نحن فقط". 

وكشفت عن أن تقرير لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب كشف عن تحميل فوائد على موازنة الدولة من قروض لا يتم استغلالها أساسا ولا صرفها، مشيرة إلى أن 51 في المئة من الموازنة يتم صرفها في خدمة الدين سواء أقساط أو فوائد. 

من جانبه قال الخبير الاقتصادي، مدحت نافع، إن "الموازنة العامة للدولة تستهدف منذ سنوات تحقيق فائض أولي لكن نسبته ضعيفة للغاية وقدرته على استدامة الوضع المالي للموازنة بغرض تغطية الالتزامات الناشئة عن الديون مستقبلاً تكاد تكون منعدمة.

واعتبر نافع في حديثه مع موقع "الحرة"، أن قلق النواب من تضخم الدين العام وخاصة الدين الخارجي "مبرر"، خاصة مع مضاعفة الدين خلال عشر سنوات بأربع أمثال النمو. 

وأشار إلى ما ضاعف من استشعار القلق، "العدوى المالية الناتجة عن اضطراب سلاسل الإمداد والتشديد المالي لاحتواء التضخم في الولايات المتحدة وأوروبا وتبعات كوفيد-19، وحرب روسيا-أوكرانيا، وكلها ساهمت في تردى الأوضاع الاقتصادية في مصر وغيرها من الدول". 

وأكد نافع أن "ارتفاع مستويات الدين الخارجى من شأنه أن يبطئ من معدلات النمو فى الدول ذات الدخل المنخفض، خاصة إذا بلغت قيمة الدين، عند السداد، نسبة 50 في المئة من الناتج المحلى الإجمالى، أو بلغت صافى قيمته الحالية نسبة تتراوح بين 20 إلى 25 في المئة من الناتج المحلى الإجمالى للدولة الفقيرة. 

المصريون يشتكون من ارتفاع الأسعار

واتفق نافع مع طرح النائب أحمد الشرقاوي بأنه "يجب توجيه القروض إلى نشاط منتج وليس لسد الحاجات من الغذاء والضروريات، فما بالك بالكماليات". 

وارتفع معدل التضخم السنوي في مصر ليبلغ 12.1 في المئة لشهر مارس، مدفوعا بزيادة أسعار الغذاء وانخفاض قيمة العملة المحلية أمام الدولار الأميركي، إثر تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا.

ويشهد العالم زيادة ملحوظة في أسعار الحبوب والزيوت بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا نهاية فبراير.

ودفعت هذه الموجة من ارتفاع الأسعار، مصر إلى تخفيض قيمة العملة المحلية، إذ خسر الجنيه المصري نحو 17 في المئة من قيمته أمام الدولار في 21 مارس ليسجل سعر بيع العملة الخضراء أكثر من 18 جنيها.

وأبربل الجاري، أعلن البنك المركزي المصري انخفاض احتياطي النقد الأجنبي للبلاد بقيمة أربعة مليارات دولار ليسجل 37 مليار دولار، والذي يعد كافيا لتغطية خمسة أشهر من الواردات السلعية.

ويعد هذا الانخفاض الأول منذ قرابة عامين.

وعزا البنك المركزي المصري، في بيان على موقعه الرسمي، انخفاض الاحتياطي إلى اضطراب الأوضاع الاقتصادية، نتيجة الأزمة الروسية الأوكرانية و"لتغطية احتياجات السوق المصري من النقد الأجنبي وتغطية تخارج استثمارات الأجانب ولضمان استيراد سلع الاستراتيجية".

وتعد مصر من أكبر مستوردي القمح في العالم، وقد اعتمدت على روسيا وأوكرانيا في استيراد 85 في المئة من احتياجاتها منه، فضلا عن 73 في المئة من واردات زيت دوار الشمس. 

ورغم الكثير من الملاحظات على الحساب الختامي للموازنة، وإعلان أكثر من عشرة نواب رفضهم لها، فقد قرر البرلمان الموافقة عليه، محولا التوصيات للحكومة للنظر بشأنها. 

حركة عبور قناة السويس انخفضت بنسبة 42 بالمئة بسبب هجمات الحوثيين
حركة عبور قناة السويس انخفضت بنسبة 42 بالمئة بسبب هجمات الحوثيين

كشف البنك الدولي في تقرير حديث، حجم الخسائر التي ستتعرض لها قناة السويس المصرية خلال العام الجاري، إذا استمرت هجمات المتمردين الحوثيين في اليمن المدعومين من إيران، ضد سفن الشحن في مضيق باب المندب والبحر الأحمر.

وقال البنك الدولي في تقرير بعنوان "الصراع والديون في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"، إن استمرار الأزمة وانخفاض حركة عبور قناة السويس بنسبة 40 بالمئة خلال عام 2024، "يعني خسائر بقيمة 3.5 مليار دولار، والتي تمثل نسبة 10 بالمئة من صافي الاحتياطيات الدولية في البلاد".

وتُعد قناة السويس مصدرا رئيسيا للعملات الأجنبية لمصر، حيث بلغت إيراداتها 8.8 مليار دولار (25 بالمئة من صافي الاحتياطيات الدولية) في السنة المالية الماضية، كما كانت مسؤولة عن حوالي ثمن تجارة الشحن العالمية، بما في ذلك حوالي 30 بالمئة من حركة الحاويات في العالم، وفق التقرير.

ومنذ نوفمبر الماضي، صعّد الحوثيون هجماتهم ضد سفن الشحن في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، مما أدى إلى انخفاض حركة المرور في قناة السويس بنسبة 42 بالمئة بين نهاية ديسمبر 2023 وأوائل فبراير 2024، حسب البنك الدولي.

ويدعي الحوثيون أنهم ينفذون الهجمات تضامنا مع الفلسطينيين في غزة، في أعقاب الحرب التي اندلعت في 7 أكتوبر بعد هجوم حماس على إسرائيل.

لكن الكثير من السفن التي هاجموها ليست إسرائيلية أو متجهة إلى إسرائيل.

وحسب البنك الدولي، فإن مصر تعاني أكثر من غيرها ماليا بسبب تأثيرات أزمة قناة السويس والصراع في الشرق الأوسط، مما قد يؤدي إلى انخفاض الإيرادات وعائدات السياحة.

وأوقفت شركات الشحن العالمية الكبرى منذ العام الماضي عملياتها في قناة السويس، واضطرت إلى تحويل مسار السفن حول رأس الرجاء الصالح في إفريقيا، مما يضيف ما بين 7 إلى 10 أيام للرحلات، حسب ما جاء في التقرير.

وقال البنك الدولي إن "التأثير الاقتصادي للصراع في غزة ظل محدودا نسبيا على باقي دول المنطقة، لكن عدم اليقين قد ازداد"، مشيرا إلى أن استمرار الاضطرابات لفترة طويلة الأمد لحركة المرور عبر قناة السويس "يمكن أن يزيد من أسعار السلع الأساسية إقليميا وعالميا".

وأكد التقرير أن النمو الضعيف لاقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا المتوقع خلال عام 2024، وارتفاع المديونية وتزايد حالة عدم اليقين بسبب الصراع، كلها عوامل تؤثر على الاقتصادات في جميع أنحاء المنطقة.