برأس مفصول عن جسد ملقى في قارعة الطريق كان المشهد الأقسى في الواقع الصحفي المصري خلال السنوات الأخيرة، بعد أن وجُد جثمان الصحفي المصري، عماد الفقي، منتحرا من شرفة مكتبه في صحيفة الأهرام أكبر المؤسسات الصحفية في مصر.
إقدام "الفقي" على الانتحار فجر تلالا من الأحزان بين جموع الصحفيين المصريين على واقع مهنتهم، وما آلت إليه أوضاعها بعد حديث كثيرين منهم عن دوافع اقتصادية ومشكلات تعرض لها زميلهم على مدار سنوات دفعته للانتحار بربط رأسه في حبل مثبت في شرفة مكتبه في الأهرام، ومع تلال الأحزان، اندفع عشرات الصحفيين يحكون عن أزمات اقتصادية واجتماعية تحاصرهم، مرجحين أن تكون واحدة من أكبر الدوافع التي أدت بزميلهم لشنق نفسه ليتخلص من تلك الأزمات.
محمود كامل، عضو مجلس نقابة الصحفين المصريين تحدث عن واقعة انتحار "الفقي" واصفا في منشور له عبر فيس بوك ما تعرض له الفقي بـ "الاضطهاد الممنهج" من رئيس تحرير صحيفة الأهرام، علاء ثابت، وقال إن واقعة الانتحار هي بمثابة "رسالة من مكان حدوثها لكل من يمارس الاضطهاد بحق الصحفيين ويقهرهم".
كامل قال لموقع "الحرة" إن "أوضاع الصحفيين الاقتصادية المتأزمة لا فرق فيها بين المؤسسات الصحفية المملوكة للحكومة أو المؤسسات الخاصة فكلاهما يواجه أزمة مرتبات متدنية وأوضاع اقتصادية واجتماعية تدفع من يستطيع منهم أن يعمل في أكثر من مكان إلى القيام بذلك أو بالعمل في مهن لا علاقة لها بالصحافة حتى يستطيع أن يفي باحتياجاته المعيشية".
وأضاف أن "المؤسسات الصحفية القومية أي المملوكة للحكومة بها ميزة نسبية تتعلق بالأمان الوظيفي الذي يجعل فصل من يعملون بها خيارا مستبعدا لكن هناك سلطات مهولة لرؤساء التحرير تمنكهم من فعل ما يريدون بشأن الصحفيين فيما يتعلق بالامتيازات المالية والحوافز والأرباح والمكافآت وكذلك الترقيات لأن العامل الأساسي في ذلك يكون لاختيارات رؤساء التحرير الذي يقوم بالأساس على الثقة وليس على الكفاءة المهنية وبالتالي يحرم السواد الأعظم من الصحفيين من تلك الامتيازات خاصة من لايحظون بثقة رؤساء ومسئولي التحرير".
وعن الصحف الخاصة أو الحزبية يرى عضو مجلس إدارة الصحفيين أن "الأمور من سيء لأسوء، فتتسع أزمات الصحفيين فيها للفصل التعسفي بسهولة والتعنت الكبير مع الصحفيين بدءا من الرواتب المتدنية للغاية وحتى إنهاء علاقة العمل بشكل متعسف يجعل الكثيرين من الصحفيين يدخلون في نزاعات قضائية تمتد لشهور طويلة في المحاكم".
دوي الغضب الذي أحدثته وفاة صحفي الأهرام وما تبعه من جدل كبير حول مسؤولية ما تعرض له في صحيفته للتسبب في انتحاره جعل علاء ثابت رئيس تحرير الأهرام يرد على ما أثير في هذا الشأن عبر فيسبوك نافيا كل ماتردد عن ذلك قائلا: "يؤسفني أن أشارك مضطرا في جدل عقيم لتصحيح معلومات كاذبة هي استغلال كريه لمشاعر التعاطف والحب الجارف الذي تدفق من محبي الزميل الراحل عماد الفقي بعد مأساة رحيله المؤلمه، وأؤكد جازما قاطعا أن كل ما نشره محمود كامل عضو مجلس نقابة الصحفيين هو كذب محض وافتراء من وحي الخيال يسعى لتحقيق أغراض غامضة غير مفهومة عبر الاتجار بمأساة الزميل الراحل مستشهدا بسجلات مؤسسة الأهرام والهيئة الوطنية للصحافة على عدم حدوث خصم أي من الأرباح أو الحوافز للصحفي المتوفي منذ عام 2017".
وأعلن "ثابت" اتخاذه إجراءات قانونية بحق عضو مجلس نقابة الصحفيين، محمود كامل، وتقديم بلاغ رسمي ضده والذي رد هو الآخر ببيان رسمي طالب فيه رئيس مجلس إدارة الأهرام بالتحفظ على الملف الوظيفي والمالي للصحفي المنتحر ليكون تحت تصرف الجهات القضائية التي تتولى مسؤولية التحقيق في الواقعة.
وعلى مدار الأيام الماضية لم تهدأ عاصفة الجدل حول الأزمات التي يعاني منها الصحفيون المصريون ودور نقابة الصحفيين والمؤسسات التي تقوم على حماية حقوقهم في حل هذه الأزمات التي يرى "كامل" وهو صحفي بجريدة الأخبار المملوكة للحكومة أنها لا تقدم الحماية المطلوبة لهم لأسباب متعددة أولها أن أغلب رؤساء التحرير العاملين في الصحف الحكومية يحظون بالحماية من الإجراءات النقابية لأن أغلب أعضاء مجلس النقابة رؤساء تحرير معينون كما أن آليات تلقي الشكاوى من الصحفيين تتطلب أن تقوم لجنة التسويات المنوط بها بحث تلك الشكاوى بتقديم رأيها لمجلس النقابة الذي لا يقوم باتخاذ القرارات اللازمة فيها أو يأخذ وقتا طويلا في مناقشتها حتى يصل لقرار لأنه بالأساس ينعقد على فترات متباعدة جدا وتكون مناقشة تلك الأمور في آخر جدول أعماله.
اللجوء للقضاء أحد الحلول التي يتجه نحوها الصحفييون في مصر لحل أزماتهم وفق ما يقتضيه القانون في مصر لكنه حل يتطلب وقتا طويلا حتى يحصلون على أحكام قضائية بمنحهم حقوقهم التي تكون في الغالب تعويضات مالية يصفها المحامي مالك عدلي بأنها تكون مبالغ مالية زهيدة بعد فترة من التقاضي أمام المحاكم.
عدلي قال لموقع "الحرة": "في آخر سنتين فقط لدي ما يقارب 150 دعوى قضائية تتعلق بحقوق صحفيين تعرضوا للفصل التعسفي أو حرمان من حقوقهم المالية والوظيفية، وأغلب تلك القضايا يربحها الصحفيون سواء ضد المؤسسات الصحفية الحكومية أو الخاصة لكن في النهاية تكون الأحكام التي يحصل عليها الصحفيون متضمنة مبالغ مالية قليلة لأن رواتب الصحفيين منخفضة وهي الأساس الذي تبنى عليه قيم التعويضات وفقا للقانون في مصر".
وأضاف أن قانون تنظيم الصحافة في مصر يعطي الحق لنقابة الصحفيين أن تكون شريكا في النزاعات بين الصحفيين والمؤسسات التي يعملون بها سواء في الأمور المتعلقة بحقوقهم أو في الأمور المتعلقة بالفصل التعسفي لكن هذه الأمور القانونية يتم تجاهلها تماما وتفعل المؤسسات الصحفية ما تريد من تلقاء نفسها دون الرجوع لنقابة الصحفيين.
عاصفة الجدل حول أزمات الصحفيين وحقوقهم بعد انتحار صحفي الأهرام من داخل مكتبه دفعت نقيب الصحفيين المصريين، ضياء رشوان، إلى إصدار بيان دعى فيه إلى احترام حرمة الموت وحق الصحفي الراحل وأسرته في تجنب طرح تأويلات للحادث وأسبابه دون تحقق وانتظار نتيجة التحقيقات التي تجريها النيابة العامة بوصفها صاحبة الحق دون غيرها في توصيف الواقعة وكشف ملابساتها وأسبابها، وأكد على أن نقابة الصحفيين تتابع عن كثب مع مؤسسة الأهرام هما ستنتهي إليه التحقيقات مع تقديم الدعم الكامل لأسرة الصحفي المتوفي.
وتزامنا مع الحديث المثار حول الأزمة دعا صحفيون مصريون في بيان لهم إلى تنظيم مؤتمر لإنقاذ مهنة الصحافة عقب إجازة عيد الفطر على أن يكون هذا المؤتمر وسيلة لفتح كل الملفات بدءا من أزمات المؤسسات الصحفية والأجور المتردية وعلاقات العمل والحصار القاسي المفروض على المهنة منذ عدة سنوات فضلا عن دور نقابة الصحفيين في الدفاع عن مهنتهم والعاملين فيها واصفين رحيل زميلهم عماد الفقي بأنه جرس إنذار هو الأقوى منذ سنوات والمؤشر الأقوى والأبرز الكاشف لأحوال مهنة الصحافة وأوضاع الصحفيين لاسيما الشباب منهم.
نقيب الصحفيين السابق، يحي قلاش، قال لموقع "الحرة" إن "وضع الصحافة في مصر أصبح شديد الخطورة ولا يجوز استمراره سواء على مستوى الأوضاع المهنية أو الاقتصادية والاجتماعية واصفا ما يحدث في المؤسسات الصحفية بالجمود الشديد الذي يؤدي لاحتضار مهنة الصحافة وعدم ثقة القراء فيها".
وأضاف أن "الهامش الذي كان موجودا في الصحافة المصرية وكان يسمح بتقديم ألوان صحفية مختلفة تعبر عن شخصية الصحف وتمايزها اختفى تماما وبالتالي ازدادت الأمور تعقيدا على المستوى المهني والاقتصادي للمؤسسات الصحفية والصحفيين بشكل غير مسبوق، كما أن باب الحوار على مستوى أوضاع الصحفيين مغلق إلى حد كبير ونقابة الصحفيين التي تعد الممثل الأول والشرعي للصحفيين والتي مهمتها الأولى حماية أعضائها والبحث عن حقوقهم لا تقوم بالدور المنوط بها مما يزيد الأمر تعقيدا".
ويرى قلاش أن " الخطوة الأولى لإيجاد حلول حقيقية لتلك الأزمة يتمثل في ضرورة وجود حوار حول أوضاع الصحفيين بشكل عام سواء مهنية أو اقتصادية بمشاركة كل الأطراف التي لها صلة بهذه الأزمات والتي تعد نقابة الصحفيين أولها لتعود لوضعها الطبيعي ودورها في سماع أعضائها من كافة المؤسسات ومساعدتهم وحل مشاكلهم لمصلحة الجميع كما حدث في المؤتمر الذي عقد عام 2004 ونتج عنه تغييرات جوهرية فيما يتعلق بأزمات الصحفيين وقتها مثل النص في الدستور على مواد تمنع الحبس في قضايا النشر وعدم استمرار رؤساء التحرير في الصحف الحكومية في مواقعهم سنوات طويلة دون تغيير.
