على الرغم من الوعود الرسمية المتكررة بالقضاء على الإرهاب في مصر، إلا أن سيناء شهدت، السبت، هجوما جديدا شنته "عناصر تكفيرية" أسفر عن قتل 11 جنديا بينهم ضابط.
وقال بيان للجيش المصري إن "مجموعة من العناصر التكفيرية قامت بالهجوم على نقطة رفع مياه شرق القناة وتم الاشتباك والتصدي لها من العناصر المكلفة بالعمل في النقطة ما أسفر عن استشهاد ضابط و10 جنود وإصابة 5 أفراد".
وجاءت هذه العملية التي أدانتها الولايات المتحدة عقب أيام من احتفال سكان الشيخ زويد ورفح شمالي شبه جزيرة سيناء بالعودة إلى مناطقهم بعد سنوات من الغياب جراء انتشار تنظيم ولاية سيناء التابع لتنظيم داعش الإرهابي.
وفي هذا الصدد، يرى خبراء تحدثوا لموقع قناة "الحرة" أن الإرهاب في سيناء تراجع بشكل كبير من قبل التنظيمات المتطرفة وأن مثل هذه العملية هي محاولة لـ "إثبات الوجود".
وقال الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، في بيان، إن هذه "العمليات الإرهابية الغادرة لن تنال من عزيمة وإصرار أبناء هذا الوطن وقواته المسلحة في استكمال اقتلاع جذور الإرهاب".
وقال مساعد وزير الداخلية الأسبق، اللواء محمد نور الدين، إن "العمليات الإرهابية تكاد تكون توقفت بفضل جهود القوات المسلحة والشرطة ورجال قبائل سيناء في تطهير البؤر الإرهابية بمختلف مسمياتها".
وأضاف نور الدين في حديثه لموقع قناة "الحرة" أن عدد ضحايا العملية من قتلى وجرحى يؤكد أن "عدد المهاجمين يفوقهم بـ 3 أضعاف أو أكثر أثناء الهجوم"، مرجحا أن يتم القبض على المنفذين قريبا.
وكان المتحدث العسكري باسم الجيش المصري، غريب عبدالحافظ، قال في البيان إن القوات المصرية طاردت "العناصر الإرهابية" وحاصرتهم في إحدى المناطق المنعزلة في سيناء.
من جانبه، يعتقد المدير التنفيذي للمركز الوطني للدراسات، هاني الأعصر، أن تفاصيل الهجوم تشير إلى أن "دوافع التنظيم الإرهابي انحسرت بالأساس في محاولة إثبات أنه ما زال يملك القدرة على توجيه ضربات موجعة للدولة المصرية، خاصة بعد تراجع معدل العمليات التي ينفذها التنظيم في شبه جزيرة سيناء بشكل ملحوظ".
وقال الأعصر لموقع "الحرة" إن معدلات العمليات انخفض لمستوى غير مسبوق بعد أن سجل عمليتين فقط في مارس، وهو أدنى معدل للعمليات الإرهابية منذ بدأ التنظيم نشاطه في هذا النطاق الجغرافي، وفقا للأعصر الذي يقود أيضا مشروع مؤشر الإرهاب الشهري للشرق الأوسط والمنطقة العربية الصادر عن المركز الوطني للدراسات.
وأضاف: "مع تراجع قدرات التنظيم؛ تتراجع قدرته على توجيه ضربات موجعة للدولة المصرية؛ فبالرغم من كثرة الأهداف السائلة التي يسهل استهدافها كالكنائس والأسواق والمرافق الحيوية، فإن تنفيذ المزيد من العمليات ضد هذه الأهداف يتطلب منه تجاوز تمركزات القوات واختراق خطط التأمين".
وأشار إلى أن ذلك "أمر ليس بالسهل على التنظيم تنفيذه في ظل الوضع الحالي، ولكن لا يجب استبعاده أيضا".
"مزيد من الجهد"
ويذهب اللواء نور الدين في ذات الاتجاه بقوله إن عام 2015 شهد 500 عملية من هذا النوع أسفرت عن مقتل آلاف الضحايا مقارنة مع الاستقرار الكبير الذي تعيشه سيناء في 2022.
وقال إن استهداف محطة رفع مياه يعمق كراهية سكان سيناء لهذه التنظيمات على اعتبار أن هذه الأهداف المدينة تضر في مصالح الناس.
ومع ذلك، قال إن الفكر الإرهابي متغلغل ويحتاج لمزيد من المجهد حتى يلفظ أنفاسه تماما، كون هناك من يأوي ويساعد مثل هذه العناصر لتنفيذ مثل هذه العمليات.
وتابع قائلا: "جاءت هذه العملية الانتقامية لتقوية الروح المعنوية وإثبات وجودهم في موقع قد يبدو وأنه منعزل في وقت لم يشير البيان الرسمي إلى دمار أو تلفيات".
ويعاني شمال شبه جزيرة سيناء بصورة خاصة من انتشار جماعات مسلحة منذ سنوات، ويعلن الجيش المصري دوريا القضاء على "عناصر تكفيرية" في سياق مواصلته عمليات "مكافحة الإرهاب"، وينعى كذلك عددا من جنوده.
وأشار الأعصر إلى إن موقع العملية الجغرافي بعيد نسبيا عن مواقع اعتيادية لتنفيذ مثل هذه العمليات، وأن في ذلك إشارة إلى "تراجع قدرة التنظيم عن تنفيذ عمليات إغارة نيرانية على مواقع أمنية أو عسكرية ذات تأمين عالي"، مشيرا إلى أنه "مر يؤكده انحسار عمليات التنظيم خلال الأشهر الأخيرة في أنماط كاشفة عن تراجع القدرات العسكرية للتنظيم كعمليات القنص عن بُعد وزرع العبوات الناسفة".
ومضى في قوله: "بالتالي فإن اختيار هدف مدني ذو تأمين محدود وكذا اختيار نطاق جغرافي غير اعتيادي يعطي التنظيم فرصة لنجاح العملية وتحقيق الأغراض الدعائية من خلالها".
"طبيعة صحراوية صعبة"
وتواجه مصر منذ سنوات تصاعدا في أنشطة الإسلاميين المتطرفين في شمال ووسط سيناء، خصوصا بعد إطاحة الجيش بالرئيس الإسلامي الراحل محمد مرسي عام 2013 في أعقاب احتجاجات شعبية حاشدة ضد حكمه.
ويعد استهداف الأهداف المدنية غير الأمنية والعسكرية ليس بالأمر الجديد، حيث اعتاد التنظيم في أوقات سابقة استهداف المرافق الخدمية كأعمدة الكهرباء ومحطات المياه وأعمال البناء والتشييد لبعض المشروعات.
وأكد الأعصر أن "الدولة نجحت في تحجيم التنظيم ومحاصرته بشكل جيد، إلا أن القضاء على التنظيم بشكل نهائي في تقديري يحتاج بعض الوقت، خاصة وأن ثمة عوامل كثيرة يجب أخذها في الاعتبار منها على سبيل المثال اتساع النطاق الجغرافي لشبه جزيرة سيناء والبيئة الصحراوية والجبلية وهما عاملان في صالح التنظيم ويشكلان تحدي كبير أمام الدولة، بالإضافة إلى ذلك امتداد الحدود البرية والبحرية والتي يأتي من خلالها الدعم المالي واللوجيستي للعناصر الإرهابية".
أما اللواء نور الدين فيقول إن الإرهاب "آفة عالمية عانت منها كبرى دول العالم" حتى وسط المدن، موضحا أن الطبيعة الصحراوية والمناطق الشاسعة تختلف في سيناء، لكنه أكد أن مصر قطعت شوطا كبيرا في القضاء الكامل على الإرهاب.