أثارت جريمة القتل التي تعرضت لها إحدى الطالبات بجامعة المنصورة المصرية على يد زميل لها نحرا بسكين، ردود فعل عنيفة داخل المجتمع المصري، خاصة بعد أن ربط بعض المتابعين بين عدم ارتداء المجني عليها الحجاب وبين الجريمة التي تعرضت لها.
وبلغت ذروة الجدل مع تعليق الداعية الإسلامي الشهير، مبروك عطية، في مقطع فيديو قال فيه إن ارتداء السيدات للحجاب وظهورهن كـ"القفة"، على حد وصفه، هو الذي سيحميهن من القتل.
حديث "عطية" وتناول بعض المعلقين على منصات التواصل الاجتماعي حول ارتداء النساء للحجاب ضمانة لعدم التعرض للمضايقات التي تصل للقتل كما حدث مع طالبة جامعة المنصورة، أفضى إلى دعوات بمحاكمة الرجل ومحاسبته قضائيا باعتبار ما قاله تحريضا ضد النساء والفتيات غير المحجبات واستمرارا لظاهرة الأطروحات الدينية المتشددة التي يتبناها بعض الدعاة على شاشات التليفزيون أو على منصاتهم في وسائل التواصل الاجتماعي.
ويرى الدكتور سعيد المصري، أستاذ علم الاجتماع في جامعة القاهرة، أن "رجال الدين يتدخلون في أمور لا تخصهم سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي يرجع إلى زيادة حضورهم في المجال العام، بما يتحول إلى وصاية على المواطنين في سلوكياتهم وتصرفاتهم".
وأضاف في حديث مع موقع "الحرة" أن "دور رجل الدين هو تعليم الناس أمور دينهم فقط دون التدخل في كل شيء بالتعليق أو إبداء الرأي، لأن الأمر يبدو وكأنهم يفهمون في كل شيء ويعلقون على كل شيء سواء كانت لديهم معلومات عنه أو لا وفي كل المجالات".
وأضاف "كما أن هناك في مصر تيارا دينيا وثقافة دينية تعمل بقاعدة 'من ليس معنا فهو ضدنا'، وتتبنى فكرة مفادها 'متى وُجِد الدين في الحياة فنحن بخير، وإن لم يكن فنحن لسنا بخير'، وهي فكرة متجذرة منذ عدة عقود ومنها جاء طرح زي الفتاة القتيلة على يد زميلها للبحث عن خطأ فيها لأنها غير محجبة".
وأوضح المصري أن "وجود الجرائم في المجتمع أمر طبيعي فلا يوجد مجتمع خال من الجرائم، حتى التي تبدو متحضرة يوجد بها جرائم عنيفة رغم محاولات ربط نسب الجرائم بمعدلات الأخلاق التي تتمتع بها المجتمعات وهي محاولات غير مجدية على الإطلاق، لأن ما يحرك سلوك الناس هو الرغبات والمصالح والحاجات الإنسانية، وبالتالي تخلق هذه الأمور صراعات تفضي في بعض الأحيان إلى جرائم كالتي حدثت أمام جامعة المنصورة".
وأشار إلى أن "هناك أمورا يمكن أن تؤدي إلى الضبط الاجتماعي وتقليل نتائج الصراعات بين أفراد المجتمع، مثل الأعراف والدين والعادات والتقاليد، لكنها لا يمكن أبدا أن تكون المتحكم فيه والمسيطر عليه، ورجال الدين دائما ما يتكلمون في المثل العليا بعيدا عن الحقائق الموجودة على الأرض بأسلوب الوعظ الذي يعتبر نوعا من أنواع السيطرة على أفراد المجتمع بنزع الإرادة عنهم".
ولفت إلى نقص البيانات الإحصائية عن الجرائم في مصر، مؤكدا أن "تلك البيانات تساعد في الدراسة بالطريقة التي تعطي للمتخصصين القدرة على تحليل وفهم العوامل المتعلقة بظواهر العنف وارتكاب الجرائم والنتائج المترتبة عليها للعمل على الحد منها ومحاصرتها بشكل علمي بدلا من حديث الشيوخ وتدخلهم في كل شيء".
وأعلن المجلس القومي للمرأة في مصر عن التقدم ببلاغ للنائب العام ضد الشيخ عطية بسبب ما قاله وطالب باتخاذ الاجراءات الجنائية ضده.
وعبرت رئيس المجلس، مايا مرسي، عن استنكارها لما أدلى به عطية من حديث بشأن زي النساء مشيرة إلى أنه "لا يصدر عن رجل دين".
كما طالبت مجموعات من النساء والمعنيين بحقوق الإنسان النائب العام بالتدخل لوقف ما يحدث من تحريض ضد النساء والفتيات باعتبارهن ضحايا قادمات في تلك المعركة، ولأن المحرّض يعد شريكا في الجريمة وتقدموا ببلاغ للنائب العام مطالبين بقانون موحَّد للعنف يحمي النساء في مصر ولا يحمي الجناة.
وفي بيان لهم صحبته حملة توقيعات، انضمت لها عشرات من النساء والرجال، قالوا: "أما عن رأي رجال الدين فلا يمكن إغفال دور عبد الله رشدي في تطبيع خطاب التحريض على العنف تجاه النساء من خلال كتاباته على السوشيال ميديا وبعده جاء مبروك عطية بتعليق 'لو حياتك غالية عليكي اخرجي من بيتك زي القفة'، وهذه الجملة التي تبيح قتل النساء وتبرر للجاني فعلته، فلم يكتفوا بما حدث للفتاة وبما يحدث كل يوم لكل فتاة داخل المنزل أو خارجه بل يأتوا الينا بتلك العبارات التي تحرض على العنف".
من جانبها، أعلنت النيابة العامة إحالة المتهم بقتل طالبة جامعة المنصورة للمحاكمة الجنائية بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار بعد أن أفضت تحقيقاتها إلى أدلة تشير إلى أن المتهم ارتكب جريمته بعد تخطيط كامل لذبح المجني عليها وتحدد الأحد القادم موعدا لمحاكمته وفق ما نسب له من اتهامات تحمل أقصى عقوبة في قانون العقوبات المصري.
الدكتور أسامة عبيد، أستاذ القانون بجامعة القاهرة، قال لموقع "الحرة" إن "ما يثار حول علاقة زي الفتاة المجني عليها بالجريمة التي تعرضت لها لا علاقة له بالقانون مطلقا ولا يمكن أن يكون له أثر في وقائع مثلها".
وأضاف أن "القانون لا ينظر بعين الاعتبار لمسألة زي المرأة مطلقا وأن هذه القضية مثلا نسب للمتهم فيها اتهام القتل مع سبق الإصرار وهو اتهام له دلالة على توافر الظروف المشددة للعقوبة والتي تصل إلى أقصى عقوبة وهي الإعدام شنقا".
وبسبب الجدل الذي امتد عبر وسائل التواصل الاجتماعي حول ما حدث في المنصورة أصدر مركز الأزهر العالمي للفتوى بيانا قال فيه إن: " الإنسان بنيان الله وحياة الإنسان ملك لخالقه، والاعتداء على حقّه في الحياة جريمة نكراء من أكبر الكبائر، سواء أكان الاعتداء من الإنسان على أخيه الإنسان، أو من الإنسان على نفسه بالانتحار، وقتل النفس التي حرّم الله، كبيرة من أبشع الجرائم، غلّظ عليها الإسلام العقوبة".
وأضاف الأزهر أن "توقيع أقصى العقوبات على المُجرمين المُتجاوزين حدود الدين والإنسانية بجرائمهم البشعة، ورؤية الناس لمآلهم ونهايتهم، يزجر عن ارتكاب جرائم مُماثلة، وينشر الأمن وبساط عدالة القانون في المُجتمع، والانتقاص من أخلاق المُحجَّبة أو غير المُحجَّبة؛ أمرٌ يُحرِّمه الدِّين، ويرفضه أصحاب الفِطرة السَّليمة، واتخاذه ذريعة للاعتداء عليها جريمة كبرى ومُنكرة".
عواصف الجدل العنيف التي تسبب فيها حديث الشيخ عطية دفعه للإعلان عن "إجازة" من الظهور الإعلامي قد يعود منها أولا يعود موضحا في مقطع فيديو على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك أنه لم يتطرق لكون الفتاة المجني عليها في حادث المنصورة محجبة من عدمه وإنما جاء بشكل عام بعيدا عن الحادث.
المحامية نهاد أبو القمصان، رئيسة المركز المصري لحقوق المرأة، قالت لموقع "الحرة" إن "ما يفعله بعض الشيوخ لا علاقة له بالدين، وإنما هم يحاولون جذب المتابعين بسبب هوس السوشيال ميديا عن طريق إصدار الآراء الغريبة الشاذة".
وأوضحت أن "هؤلاء الشيوخ في سبيل تحقيق متابعة عالية يرتكبون جرائم يعاقب عليها القانون، وبخلاف التحريض على النساء والفتيات فإن الشيخ مبروك عطية ارتكب جريمة ازدراء الدين الإسلامي بسبب وصفه للحجاب بالقفة أثناء حديثه".
