بعد مرور تسع سنوات على وعد الرئيس عبد الفتاح السيسي، شعبه بإنعاش الاقتصاد وبناء دولة جديدة، لا يجد المصريون ما يدعوهم إلى الابتهاج بل تتعالى أصوات الضجر من أزمة طاحنة، مع انخفاض غير مسبوق في سعر العملة المحلية.
ويكافح عشرات الملايين من المصريين من أجل توفير المواد الغذائية الأساسية لأسرهم في ظل غلاء أسعار منتجات يزيد سعرها بشكل يومي تقريبا، وتدهور قيمة الجنيه وارتفاع معدل التضخم إلى أكثر من 20 في المئة.
الأسعار مش غالية بس، الأسعار مش منطقية ومرعبة، علبة جبنة فيتا بريزيدن التتراباك نص كيلو بـ 75 جنيه! يعني إيه كيلو الفيتا كدة بـ 150 جنيه!!
— محمد سيد (@mohamedmsayed) January 16, 2023
ضحك الرجل المسن وقال: احنا نعمل زي المذيع ابن ،،،،،،،،،،،، لما اللحمة تغلى نجيب فراخ، ولما البيض يغلى نبيض احنا !
— Gamal Eid (@gamaleid) January 11, 2023
يضحك المصريين من غلبهم، لكنه ضحك كالبكاء
ويرى خبراء اقتصاديون تحدث معهم موقع "الحرة"، أن الاقتصاد المصري أصبح يعاني من ثلاث مشاكل رئيسية هي التضخم والمديونية المرتفعة ونقص في العملة الصعبة، والتي وصلت جميعها على أرقام قياسية، موضحين أيضا الحلول التي يمكن أن تنتهجها الحكومة إذا أرادت الخروج من الأزمة.
وتقول أستاذة الاقتصاد بجامعة القاهرة، عالية المهدي لموقع "الحرة"، نحن في مرحلة حرجة جدا، وليس لها إلا حلول واضحة، في حين يصف الخبير الاقتصادي، وائل النحاس، الأزمة بأنها معقدة.
التضخم
ومع فقدان الجنيه المصري نصف قيمته مقابل الدولار منذ مارس، ارتفع التضخم في مصر التي تستورد غالبية احتياجاتها من الخارج، إلى 21,9 في المئة، مقابل 6.5 في المئة في الشهر نفسه من العام السابق. وزاد سعر السلع الغذائية بنسبة 37,9 في المئة، وفق الأرقام الرسمية.
ولكن أستاذ الاقتصاد بجامعة جون هوبكنز في ميريلاند ستيف هانك المتخصص في التضخم البالغ الارتفاع، يقول إن نسبة التضخم الحقيقية السنوية "تصل إلى 88 في المئة".
وترى المهدي أن "وصول التضخم إلى أكثر من 21 في المئة حتى بحسب الأرقام الرسمية، أمر يجب التوقف أمامه"، معتبرة أنه "مرتفع للغاية"، مؤكدة أنه "يجب على الحكومة هنا التدخل لضبط الأسعار، وخفض إنفاقها الإجمالي سواء كان قطاعا عاما أو جيشا".
ومن أجل احتواء التضخم، رفع البنك المركزي سعر الفائدة إلى 25 في المئة، وهو رقم قياسي لم يكن متوقعا.
وخلال عام جمعت البنوك المصرية، أكثر من تريليون جنيه من العملاء في الشهادتين مرتفعتي الفائدة أجل سنة 18 و25 في المئة اللتين تم طرحهما بالتزامن مع الموجة الأولى لتحرير سعر الصرف في 21 مارس الماضي، والرابع من يناير الجاري على التوالي، مع بدء اتجاه البنك المركزي لاتباع سعر صرف مرن لصرف الجنيه.
لكن المهدي تقول إن "رفع سعر الفائدة إلى هذا الحد ليس سببا كافيا لاحتواء التضخم أو خفضه، لأن أموال الودائع في معظمها كانت موجودة في البنوك بالفعل، فقط انتقلت من حساب إلى حساب آخر للحصول على الفائدة الأعلى".
ويقول النحاس لموقع "الحرة" إن "مصر جمعت 350 مليار جنيه من الودائع ذات نسبة 25 في المئة، و750 مليار جنيه في مارس الماضي"، متسائلا عن سبب جمع كل هذه الأموال من المصريين من جانب الحكومة التي يتهمها بأنها تساهم في صناعة التضخم.
وقال "احتواء التضخم من خلال جمع الأموال عندما تكون هناك وفرة في السلع، لكن الآن معظم المصريين متقشفين فعلا، من يشتري البضائع هو من معه أموال فقط، وهذا لا يحل أزمة التضخم".
وأوضح أن "الحكومة تساهم في تعقيد الأزمة ورفع معدل التضخم من خلال تحميل المستوردين غرامة تأخير، وفرق سعر العملة من أجل الإفراج عن بضائعه في الموانئ بالرغم من أن الحكومة هي التي كانت قد صنعت الأزمة من خلال فتح الاعتمادات المستندية وعدم توفير الدولار للمستوردين، ما يجعل التجار يرفعون الأسعار على المستهلكين".
واعتبر أن ما حدث "شيء غريب"، مضيفا أنه "كان يجب على الدولة أن تتحمل غرامة تواجد البضائع في الموانئ والجمارك لأنها هي التي صنعت الأزمة، وكان يجب عليها تحمل فرق سعر الصرف أو على الأقل جدولة هذه المديونية حتى لا يشعر المستهلك بقفزة في الأسعار".
وقال: نحن في ورطة، وأرى بعض التجار يتخارجون من السوق المصري بسبب خسارتهم لأموالهم".
"لا مشروعات جديدة"
وترى المهدي أنه يجب على الحكومة خفض الإنفاق العام من أجل احتواء التضخم.
وبحسب ما نشر في الجريدة الرسمية الأسبوع الماضي، فقد قررت الحكومة المصرية "تأجيل تنفيذ أية "مشروعات جديدة لم يتم البدء فيها ولها مكون دولاري واضح"، من أجل ترشيد الإنفاق العام لمواجهة الأزمة الاقتصادية.
لكن المهدي ترى أن هذا لا يكفي، موضحة أن "هناك بندَين لن نستطيع أن نخفض الإنفاق فيهما، الأجور وسداد أقساط الديون، سيظل بند واحد هو الإنفاق الاستثماري الحكومي العام، وهو يعني عدم إنشاء مشاريع جديدة مثل كباري أو طرق، حتى لو بالجنيه المصري أو على الأقل خفضها للنصف"، لأن مشاريع جديدة يعني طبع نقود وبالتالي زيادة في التضخم".
وأنفقت الحكومة بسخاء على البنية التحتية على مدى السنوات القليلة الماضية، بما في ذلك على بناء شبكة واسعة من الطرق والجسور، فضلا عن مدن جديدة. كما بدأت العمل في مشروع للسكك الحديدية فائقة السرعة ومحطة للطاقة النووية، تبلغ تكلفة كل منهما عشرات المليارات من الدولارات.
وبالرغم من أن النحاس يرى أن وقف تنفيذ مشروعات جديدة فيها مكون دولاري واضح أمر جيد، لكنه يشير إلى أن هذا القرار يكذب ما كانت تقوله الحكومة سابقا من أن الإنفاق على هذه المشاريع كان يتم من خارج موازنة الدولة.
مديونية كبيرة
خلال العشر سنوات الأخيرة، تضاعفت ديون مصر الخارجية بسبب القروض، حيث وصلت إلى نحو 160 مليار دولار، بعد أن كانت 40 مليار دولار تقريبا في 2013.
وكان صندوق النقد الدولي وافق يوم 17 ديسمبر الماضي على طلب مصر بالحصول على قرض جديد بقيمة ثلاثة مليارات دولار يصرف على مدار 46 شهرا على تسع شرائح متساوية بواقع 347 مليون دولار، كل ستة شهور.
لكن المهدي تقول لموقع "الحرة"، إن مصر لم تتسلم إلا 25 مليون دولار فقط من الدفعة الأولى، بسبب ديون على مصر لصالحه من قروض سابقة.
وتتناقض أرقام أقساط الديون المستحقة على مصر خلال العام الجاري ما بين 17 و21 و28 وبحسب البنك الدولي حوالى 42 مليار دولار، "لأنه ليست هناك شفافية"، بحسب المهدي.
وتقول "لنفترض أن أقساط الفوائد 20 مليار دولار، هذا رقم كبير جدا، يكلف الموازنة أكثر من 54 في المئة".
ويقول النحاس: "علينا أن ندفع تسعة مليارات دولار خلال شهري فبراير ومارس القادمين، ومثلهما تقريبا في النصف الثاني من العام الجاري". لكنه يتساءل عن كيفية توفير هذه الأموال.
أزمة العملة الصعبة
وبسبب أزمة النقد الأجنبي التي ساهم فيها خروج قرابة 20 مليار دولار من مصر بسبب قلق المستثمرين عقب اندلاع الحرب في أوكرانيا، قامت معظم البنوك بتقييد السحب بالدولار خارج مصر، كما رفعت عمولة استخدام البطاقات الائتمانية في عمليات الشراء في الخارج من 3 في المئة إلى 10 في المئة.
وتراجع الاحتياطي من النقد الأجنبي في مصر إلى 34 مليار دولار مقابل 41 مليار في نوفمبر. ويشمل هذا الاحتياطي 28 مليار دولار من الودائع التي أودعتها دول الخليج الحليفة لمصر لدى البنك المركزي المصري، "يمكنها استردادها في أي وقت"، بحسب المهدي.
وجمعت مصر في الأيام القليلة الماضية حوالي 925 مليون دولار من مستثمرين وجهات دولية وسط تحركات تجريها الجهات الرسمية لبيع حصص حكومية في الشركات التي تمتلكها الدولة.
وتقول المهدي: "الحكومة لم تقل مصدر الـ925 مليار دولار، لكن ربما تكون هناك أموال دخلت مصر من خلال العرب الذين يشترون أصولا حكومية" مشيرة إلى أن هذه الأموال ربما ساهمت في استقرار سعر الصرف". وهو ما يختلف معه النحاس الذي يرى أن هذه الأموال ليست كافية لتحقيق الاستقرار في سعر صرف الجنيه.
وأكدت تقارير إعلامية أن صندوق مصر السيادي ضم عدة شركات تمهيدا لبيع حصص فيها، والتي تضم شركات تأمين وأخرى تعمل في مجال مشتقات النفط إضافة إلى مؤسسة مالية هامة.
وتأتي هذه الخطوات بعدما أقرت السلطات المصرية في نهاية ديسمبر الماضي "وثيقة سياسة ملكية الدولة" التي تحدد 62 من الأنشطة الاقتصادية التي ستنسحب الدولة منها لصالح القطاع الخاص.
وكانت الوثيقة مطلوبة من قبل صندوق النقد الدولي، للموافقة على القرض الأخير.
ويرى النحاس أن بيع شركات حكومية ناجحة "بمثابة ذبح الفرخة التي تبيض ذهبا"، موضحا أن "هذا يعني أن الدخل الذي كانت الدولة تحصل عليه سنويا من شركات الاتصالات أو أبو قير للأسمدة أو غيرها لن يتوفر في مقابل أموال آنية، هذا تفقير للمصريين مستقبلا من أجل دفع الديون الحالية".
ويضيف أن الأزمة الاقتصادية لن تحل بالمساعدات الخليجية، حيث أن دولا مثل الكويت بدأت تدرك أن صندوق النقد الدولي يدفع بالأزمة تجاههم.
وقال وزير المالية السعودي محمد الجدعان، الأربعاء، خلال مشاركته في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي في سويسرا، إن المملكة "اعتادت تقديم منح ومساعدات لحلفائها مباشرة دون شروط"، وهي تسعى لـ"تغيير ذلك".
وتؤكد المهدي أن حل أزمة نقص الإيرادات من العملة الأجنية أو عدم كفايتها "يجب العمل عليه من خلال تعظيم إيرادتنا من قطاعات مثل السياحة والصادرات الزراعية".
وتقول "كيف لدولة مثل مصر بما تمتلكه من إمكانات سياحية أن تتحصل فقط على عشرة مليارات دولار في العام، مقابل 150 مليار دولار تتحصل عليه دولة مثل إسبانيا، ونحو 80 مليار دولار في تركيا".
وتضيف: "يجب أيضا التركيز على الزراعة ودعم الفلاحين وتوفير مدخلات الإنتاج وكذلك الصناعة للتمكن من التصدير، ومن أجل ذلك، يجب تجميد أسعار الوقود والكهرباء لفترة، وليس زيادتهم كما تفعل الحكومة حاليا".
لكن النحاس يقول إن مصر تمكنت العام الماضي من تحصيل إيرادات قياسية من العملة الصعبة، بجملة 95 مليار دولار سواء من صادرات الغاز والنفط وقطاعات مثل السياحة وواردات قناة السويس وتحويلات المصريين بالخارج.
وتساءل: "أين ذهبت كل هذه الأموال"، مضيفا، "لنقل أن الحكومة دفعت على الأكثر 50 مليار دولار لاستيراد المنتجات، أين الـ45 مليار دولار المتبقية".
