في مدرج الدراسات العليا بكلية الآداب بجامعة المنصورة، حققت السيدة آمال إسماعيل متولي حلما عمره 68 عاما بعد حصولها على درجة الماجستير بتقدير ممتاز وهي في الـ 80 من عمرها.
طوال تلك السنوات كانت آمال تشعر بغصة كبيرة بسبب تخلفها عن التعليم في بداية عمرها، فقد تزوجت في سن صغيرة وتوقفت عن التعليم في سن الثانية عشرة رغم حبها للتعليم والقراءة والمعرفة، لكن حلمها ظل يطاردها طيلة عقود طويلة حتى استطاعت أن تعود للتعليم وتبدأ من جديد في دراسة المرحلة الإعدادية ثم الثانوية ومنها إلى مدرجات الجامعة ثم الحصول على درجة الماجستير من كلية الآداب قسم الاجتماع في رسالة عنوانها "أسلوب الحياة الثقافية والاجتماعية للفئات العمرية المتقدمة في ضوء قضايا النوع الاجتماعي".
ماذا حدث قبل 68 عاما؟
وقالت آمال المولودة في عام 1943 في حديث لموقع "الحرة"، "ولدت في في محافظة الدقهلية، وكنت محبة للعلوم والقراءة خاصة وأن دراستي كانت في مدرسة تعلم بنظام فرنسي، لكن عند الثانية عشرة من عمري تزوجت من رجل أحبه، وطلب مني أن أتفرغ لبيتي وله وأترك التعليم، ولأني كنت أحبه استجبت لطلبه فقد كان الرجال حينها لا يحبون أن تخرج زوجاتهم من البيت، لكن كنت أشعر أن شيئا بداخلي يتألم بسبب ترك التعليم، ولأن زوجي كان يشعر بذلك ولمعرفته بحبي للقراءة كان طوال الوقت يحضر لي الكتب والمجلات لأقرأها في البيت ويقول لي إن التعليم ليس شرطا للثقافة والمعرفة، مستشهدا بالكثير من كبار الأدباء المرموقين الذين لم يتعلموا بشكل طبيعي وعلموا أنفسهم بأنفسهم".
ظل حلم السيدة آمال حبيس صدرها قرابة 40 عاما حتى سافر زوجها في إعارة لدولة ليبيا عام 1981، كانت أنجبت في سنوات زواجها 4 ابناء كلهم تعلموا في تخصصات مختلفة وحققوا مراكز علمية مختلفة فقررت هي العودة للتعليم دون أن يعلم زوجها، فذهبت لوزارة التربية والتعليم وقدمت أوراقها القديمة وسألت عن إمكانية العودة للتعليم من جديد وبالفعل التحقت بمدرسة البنات في مدينة المنصورة عاصمة محافظة الدقهلية التي تسكن فيها.
تقول آمال: "حين عاد زوجي من السفر فوجئ بأنني عدت للتعليم لكنه لم يبد امتعاضا ولكن أخبرني أنني لابد أن أسافر معه لأنه لم يعد يستطيع الإقامة في الغربة بمفرده، وأولادهم كبروا وأصبحوا يستطيعون الاعتماد على أنفسهم".
سافرت آمال مع زوجها ومرة أخرى تركت حلمها في مدينتها في مصر، وحين عادت بعد سنوات مع زوجها بعد انتهاء إعارته كان أولادها على مشارف الزواج فانشغلت معهم عن العودة للتعليم وأصيبت في هذه الأثناء بمرض السرطان ودخلت مرحلة علاج طويلة استمرت 3 سنوات كللت بالشفاء.
الحلم يتجدد في عمرالـ64
في عام 2007 توفى زوجها وعاشت 4 سنوات من التيه حزنا عليه وتذكرت في حديثها تلك الفترة قائلة: "كنت أحبه بجنون، وأعتقد أن امرأة لم تحب زوجها مثلي، لذلك عشت 4 سنوات من حياتي بعد وفاته في تيه كامل، وكان أبنائي يحاولون التخفيف عني طوال الوقت، وطلبت مني ابنتي أن أعود إلى التعليم الذي أحبه، فتذكرت زميلاتي اللاتي كن معي وكيف تقدموا في أعمالهم بعد إنهاء دراستهم وكيف أرى نفسي لا أقل عنهم.
عدت إلى الدراسة في عام 2007 ووضعت كل حياتي في التعليم حتى أنهيت دراستي في المرحلة الإعدادية بنجاح في جميع المواد ما عدا مادة الرياضيات التي لم أكن أفهمها مطلقا ورسبت فيها مرتين، لكن في الثانوية اخترت القسم الأدبي حتى أبتعد عنها.
تكمل آمال حكايتها، "كان ذلك في عام 2011 حين بدأت المرحلة الثانوية وحصلت على نسبة نجاح 83% ودخلت كلية الآداب، وكنت أتمنى دراسة اللغة التركية لأني زرتها بعد شفائي من السرطان في المرة الأولى مكافأة لي من أولادي على تحملي العلاج وتمسكي بالأمل في الشفاء قبل أن يهاجمني السرطان مرة أخرى وأدخل في صراع معه للمرة الثانية وأنتصر عليه مجددا بقوة إيماني وقناعتي بأن الشفاء منه صعب لكنه ليس مستحيلا.
لم أستطع دراسة الغة التركية التي أحببتها لكني قررت دخول قسم الاجتماع، وفوجئت بشابات صغيرات جميلات في عمر أبنائي وأصغر منهم يقومون بالتدريس بطريقة شيقة فأحببت علم الاجتماع ووجدت أنه علم يدور في فلك الحياة واحتفظت بكل محاضراتي في الكلية والدروس التي كنت أذاكرها حتى الآنحتى أنهيت دراستي الجامعية في عام 2018 وحصلت على ليسانس الآداب قسم الاجتماع بتقدير جيد مرتفع"
لدى السيدة آمال 10 من الأحفاد تتفاوت أعمارهم، لا تخلو الحياة بينهم من المشاكسة بسبب إصرارها على التعليم واختلاف طباع الأجيال فهي تحب التعليم وهم يطلبون منها أن تستمتع بحياتها ولا تشغل نفسها بالمذاكرة، ودائما ما تحاول أن تعلمهم حب القراءة ومطالعة الكتب وهم يحبون متابعة وسائل التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية لكنها لم تلتفت لحديثهم عن التوقف عن التعليم.
التقدير الذي حصلت به على الليسانس يسمح لها بالدراسة في الدراسات العليا فقدمت أوراقها وبعد إنهاء السنة التمهيدية اختارت موضوعا لرسالة الماجستير الخاصة بها وعملت عليها 3 سنوات حتى ناقشتها يوم الأحد الماضي وحصلت على الدرجة العلمية بتقدير ممتاز.
اختتمت آمال حديثها ل"الحرة" بأنها "لن تتوقف وستعمل على الحصول على الدكتوراة مثل أبنائها الذين حصلوا عليها في تخصصاتهم، في تعتقد أن عمرها 17 عاما وليس 80 عاما، ولا تعترف إلا بهذا العمر وتدرك قيمة ما حصلته من قراءاتها في المجالات المختلفة طيلة 65 عاما مضت لم تتوقف فيها يوما واحدا عن القراءة لمدة ساعتين على الأقل".
