أثار خبر إلقاء القبض على سيدة مصرية بسبب انتحالها صفة طبيبة نساء وتوليد، الأسبوع الجاري، جدلا في مصر وصل صداه للإعلام، خاصة أنه يأتي بعد بضعة أيام من ضبط عامل بمحل كشري يدير مركزا طبيا للعلاج الطبيعي.
وتكرار مثل هذه الوقائع في الفترة الأخيرة يسلط الضوء على ضوابط ممارسة مهنة الطب في مصر وآليات الرقابة المفروضة على مثل هذه الجرائم.
ووفقا لما جاء في بيان النيابة العامة المصرية، مساء الثلاثاء، ونشرته صحيفة الأهرام الحكومية المصرية، "أوقفت أجهزة الأمن المصرية سيدة بحي المطرية شرق القاهرة انتحلت صفة طبيبة بشرية، وأجرت عمليات جراحية وقيصرية لتوليد السيدات في المستشفيات الخاصة نظير حصول المستشفيات على نسبة من العمليات التي تجريها".
وأوضح البيان أنه "تم ضبط السيدة وعدد من الأدوات الطبية ومخدر موضعي في إحدى غرف شقتها التي خصصتها كعيادة للكشف على السيدات". مضيفا أن "السيدة اعترفت بانتحالها صفة طبيبة بشرية، وإنشاء حساب عبر موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) لمزاولة نشاطها واستقطاب زبائنها".
وقبل بضعة أيام، قررت النيابة المصرية حبس عامل بمحل كشري في محافظة السويس شرق البلاد، بتهمة مزاولة مهنة الطب البديل والحجامة تحديدا منذ سنتين دون ترخيص. وذكر بيان للنائب العام، في ٢٤ فبراير الجاري، أن المتهم انتحل صفةَ طبيب وأدار مركزا طبيا يعالج المواطنين من أمراض خطيرة، وأمرت بحبسه أربعةَ أيام احتياطيا على ذمة التحقيقات.
ومن جانبه، أكد مدير إدارة العلاج الحر ممارسة المتهم الطب دون ترخيص وعدم ارتباطه بنقابة الأطباء، حسبما جاء في بيان النيابة. وأوضح أنه "صيته ذاع لمعالجته بعض المرضى ووصفه العلاج لهم على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي، فيسبوك، وتحديدا أمراض الرئة والثعلبة وخشونة الركبة تحت مسمى مركز الرحمة للعلاج بالطب التكميلي".
ما ضوابط ممارسة الطب في مصر؟
في حديثه لموقع "الحرة" عن آليات وضوابط ممارسة مهنة الطب في مصر، قال أخصائي تقويم العظام المعتمد من الأكاديمية الدولية لطب العظام في الدنمارك، أحمد هاشم، إن مصر تفرض العديد من الإجراءات والقيود على الأطباء الذين يريدون فتح عيادات.
وأكد هاشم أنه "ليس من السهل فتح عيادة في مصر نظرا لأن الأمر يحتاج أعوام من الدراسة والخبرة".
وقال إن ممارسي المهنة يجب أن يتحولوا من درجة "ممارس عام" إلى أخصائي حتى يتمكنوا من فتح عيادات خاصة.
وأضاف "في البداية عندما يرغب أي طبيب في فتح عيادة مرخصة، لابد أن يكون حاملا لشهادة بكالوريوس الطب أو العلاج الطبيعي من إحدى الجامعات المسجلة والمعترف بها، وبعد ذلك يجب أن يمارس تكليفا في إحدى المستشفيات الحكومية لمدة عامين. ثم عليه أن يتعين في مستشفى حكومي ليمارس المهنة لمدة خمسة أعوام أخرى أو الحصول على الماجستير ليصل إلى درجة أخصائي لممارسة المهنة. ووقتها يمكنه فتح عيادة أو اثنتين فقط".
وبشأن التراخيص المطلوبة لفتح عيادة، قال هاشم: "يجب الحصول على التراخيص من ثلاث جهات، وزارة الصحية ومديرية الشؤون الصحية والعلاج الحر ... وبعد ذلك يجب الاشتراك في محرقة نفايات طبية ليحصل على الرخصة لفتح عيادة".
ما عقوبة انتحال صفة طبيب في مصر؟
تنص المادة 10 من قانون مزاولة مهنة الطب على أنه "يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سنتين وبغرامة لا تزيد على 200 جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من زاول مهنة الطب على وجه يخالف أحكام هذا القانون، وفي حالة العودة يحكم بالعقوبتين معا".
ودعا الدكتور كريم سالم، أخصائي طب الأسنان في المستشفى الجوي التابع للحكومة في مصر، إلى "ضرورة تغليظ عقوبة انتحال صفة طبيب لتتناسب مع المخاطر التي تهدد حياة المرضى".
وأشار إلى أنه في أغسطس الماضي، تقدم أحد نواب مجلس الشعب بمشروع قانون يغلظ العقوبة لتصل إلى عشر سنوات سجن و100 ألف جنيه لمن ينتحل صفة طبيب، وتحويل الجريمة من جنحة إلى جناية، لكن لم يحظ القانون بالموافقة اللازمة حتى الآن.
وبشأن احتمالية تساهل بعض موظفي الجهات المانحة للتراخيص مع بعض المواطنين، نفى الدكتور سالم في حديثه لموقع "الحرة" أن يكون لدى أي موظف في الجهات الرقابية الثلاث صلاحية أو إمكانية إعطاء ترخيص عيادة بدون استيفاء جميع الشروط المطلوبة.
وقال: "رغم أننا نشهد في مصر الكثير من وقائع انتحال صفة طبيب وممارسة المهنة بدون ترخيص، إلا أنه من الصعب أن يأتي الفساد من داخل الجهات الرقابية، لأن الإجراءات ذاتها لا تسمح بذلك".
واتفق سالم مع هاشم، قائلا إنه يحمّل المرضى بعض المسؤولية، لأن المريض يجب أن يكون على وعي بحقوقه، ومن الطبيعي أن يطلب رؤية التصريحات وتراخيص العيادة.
وتجنبا لأي حرج سواء للمريض نفسه أو للطبيب المعالج، أعطى هاشم بعض المؤشرات التي يجب على أي مريض أن يبحث عنها بمجرد دخوله أي عيادة. وقال: "وزارة الصحة تلزِم الطبيب أن يعلق على حائط العيادة جميع شهاداته العلمية، وتراخيص العيادة، والبطاقة الضريبية، وطفاية الحريق. وعندما لا يجدها المريض، يجب أن يكون على وعي بأن هذه العيادة غير مرخصة".
كيف يمكن تطوير آليات الرقابة على العيادات؟
وفيما يخص مسؤولية وزارة الصحة بشأن تكرار وقائع الانتحال والتزوير، اتفق الطبيبان، هاشم وسالم، على أن الحكومة تتحمل المسؤولية الأكبر فيما يحدث، خاصة مع توفر تقنيات تكنولوجية حديثة تسهل عملية مراقبة عمل الأطباء.
وأوضح سالم أن "الآلية المستخدمة من قبل وزارة الصحة حتى اليوم هي أنها تعتمد على إدارة العلاج الحر لإرسال موظفيه في البلاد لمتابعة عمل العيادات".
وتساءل "كيف يمكن لإدارة واحدة أن تسيطر وتراقب عمل جميع العيادات في بلد يتجاوز تعداد سكانه ١٠٠ مليون نسمة؟".
ويرى هاشم أن الخلل في منظومة الرقابة في مصر يمكن حلها بسهولة، مثلما فعلت أغلب دول العالم المتقدم، عن طريق إنشاء قاعدة بيانات شاملة تضم جميع أسماء الأطباء المسجلين في النقابة المصرح لهم بالعمل وفتح عيادات.
ولضبط آليات الرقابة على الطب وتسهيل وتفعيل عمل إدارة العلاج الحر، أشار الطبيب المصري إلى أنه يجب إلزام جميع العيادات بتركيب كاميرات وأن يكون من حق العلاج الحر متابعتها داخل جميع العيادات في مصر، كما يجب السماح للحكومة، ممثلة في الجهات الأمنية بمراقبة هذه الكاميرات لمنع أي جرائم أو حوادث تعدٍّ سواء على المرضى أو حتى الفريق الطبي.
ولم يستجب المتحدث باسم وزارة الصحة المصرية، حسام عبدالغفار، لطلب موقع "الحرة" الحصول على تعليق حتى موعد نشر التقرير.
