تتصاعد الأزمة الاقتصادية التي يعيشها المواطن المصري، حيث تشهد أسعار السلع والخدمات زيادات متتالية، والتي كان آخرها رفع أسعار المحروقات لتنذر بسلسلة جديدة من الارتفاعات.
معدلات التضخم في مصر شهدت زيادات قياسية، إذ ارتفعت لأعلى مستوى في خمس سنوات، فيما تتراجع القدرة الشرائية للمواطنين بسبب تراجع قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية، ناهيك عن الارتفاعات التي تشهدها الأسواق العالمية.
وأقرت مصر، الأربعاء، حزمة من القرارات من بينها العودة إلى العمل بالتوقيت الصيفي من أجل "ترشيد استهلاك الطاقة"، إضافة إلى رفع الحد الأدنى للأجور، وزيادة أسعار المحروقات، وحديث عن زيادة ستلحق بأسعار الكهرباء.
ويؤكد خبراء اقتصاديون تحدثوا لموقع "الحرة" أن المواطن المصري أمام مرحلة "صعبة" و"حرجة"، فيما يتوقع أن "ينزلق العديد ممن هم ضمن الطبقة الوسطى ليصبحوا ضمن طبقة الفقراء".
"التضخم الحلزوني"
أستاذة الاقتصاد في جامعة القاهرة، عالية المهدي، قالت إنه منذ، مارس من عام 2022، "دخلت الأسعار في السوق المصرية في سلسلة ارتفاعات، إذ تشير التقديرات الرسمية لمعدلات التضخم أنها تجاوزت 30 في المئة، فيما تؤكد تقديرات غير رسمية أنها تجاوزت هذا الرقم بكثير".
وأضافت في رد على استفسارات موقع "الحرة" أن زيادة أسعار المحروقات ستنعكس على أسعار بقية السلع والخدمات، خاصة تكاليف النقل، ما يعني الدخول في متوالية بزيادة كلف الإنتاج أي ارتفاع في معدلات التضخم".
وأوضحت المهدي أنه "حتى مع قرار الحكومة المصرية برفع الحد الأدنى للأجور، مطلع فبراير، إلا أن هذا الأمر سيغذي أيضا معدلات التضخم، لأنها زيادة غير مرتبطة بحلقة الإنتاج في البلاد".
وأقرت الحكومة المصرية زيادة الحد الأدنى لأجور للعاملين بالدولة بحسب درجاتهم وزيادة المعاشات بنسبة تصل إلى 15 في المئة، إلى جانب رفع الدرجات المالية للمستفيدين من برنامج المساعدات الاجتماعية "تكافل وكرامة" بنسبة 25 في المئة.
وقالت وزارة البترول المصرية في بيان إن لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية رفعت في مراجعة ربع سنوية، الخميس، أسعار الوقود المحلي بمقدار 0.75 جنيه للبنزين 80 وجنيها للبنزين 92 و0.75 جنيه للبنزين 95، فيما بقي سعر السولار دون تغيير.
وقال البيان: "في ظل تذبذب أسعار خام برنت وسعر صرف الجنيه مقابل الدولار، قررت لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية... التوصية بتعديل الأسعار الحالية السائدة فى السوق المحلي".
وعدلت اللجنة أسعار بيع منتجات البنزين، لتصبح كالآتي "8.75 جنيه للتر البنزين 80 و10.25 جنيه للتر البنزين 92 و11.50 جنيه للتر البنزين 95". وتم الإبقاء على سعر السولار عند 7.25 جنيه اعتبارا من الخميس.
الخبير الاقتصادي المصري، وائل النحاس، يوضح أن الاقتصاد المصري انخرط في مرحلة "التضخم الحلزوني إذ أنه دخل في متوالية بزيادة معدلات التضخم من 6 في المئة في سنوات سابقة لتتجاوز 31 في المئة مؤخرا".
ويرى في رد على استفسارات موقع "الحرة" أن "الفئات العاملة والكادحة هي الأكثر تأثرا بقرار زيادة أسعار المحروقات، والذي أقرته الدولة المصرية من أجل تلبية متطلبات صندوق النقد الدولي لتخفيف أعباء الدعم"، مشيرا إلى أن هذا القرار كان متوقعا منذ يناير الماضي.
ويؤكد النحاس أن "الحكومة المصرية لديها ضوء أخضر لرفع الدعم بالكامل، لذلك سنشهد سلسلة من الارتفاعات في أسعار المحروقات خلال الفترة المقبلة، والتي ستتبعها زيادات في الأسعار في المواد والسلع والخدمات ومدخلات الإنتاج".
وكشفت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر، مطلع فبراير، أن تضخم أسعار المستهلكين في مدن البلاد قفز إلى معدل أعلى من المتوقع بلغ 25.8 في المئة على أساس سنوي، في يناير، من 21.3 في المئة، في ديسمبر، وهو أسرع معدلاته في أكثر من خمس سنوات.
أسباب الأزمة الاقتصادية
ويلخص النحاس الوضع في مصر بأن "الحكومة في مأزق، والمواطن في مأزق"، مشيرا إلى أن العديد من الإجراءات الحكومية جاءت "متأخرة، وكان يجب أن تتم بشكل تدريجي حتى لا تعرض المواطن المصري للصدمة".
وتدعم الحكومة المصرية بشكل جزئي أسعار بعض المحروقات إذ أنها منذ العام 2016 تنفذ برنامجا للاصلاح الاقتصادي شمل إزالة الدعم الحكومي عن المواد البترولية.
ويرى أن الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد "سببها القرارات الرسمية التي اتخذت خلال آخر خمس سنوات، والتي ستدفع البلاد إلى حلقة من الركود، ما يعني زيادة في معدلات تسريح العمالة، سيتبعه إغلاق للعديد من الأعمال والشركات، ما يعني أنها لن تدفع أي ضرائب تساهم في الإيرادات العامة، أي أن الخزينة ستشهد تراجعا في الإيرادات المحلية".
وانتقد النحاس الجهات الرسمية بالقول إن "الحكومة المصرية تتصرف وكأنها إحدى الدول الغنية في مجموعة السبع، حيث ترى المسؤولين يركبون سيارات فارهة، وتجرى مناسبات واحتفالات ليست ضرورية".
ويقول: "لا يمكن أن يستمع المواطن المصري لخطابات تدعوه إلى تحمل الأوضاع الاقتصادية الصعبة، في الوقت الذي يرى فيه الجهات الرسمية تعيش وكأنهم في واقع اقتصادي منفصل تماما عما تعانيه البلاد"، داعيا المسؤولين إلى "أن يكونوا مثالا وقدوة للمواطنين المصريين عند الحديث عن التوفير وتحمل الأعباء التي تعانيها مصر".
وانتقد الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي في نهاية يناير وسائل الإعلام التي تظهر الأمر "كما لو كان نهاية العالم"، داعيا المصريين إلى التحمل و"التضحية"، بحسب تقرير لوكالة فرانس برس.
وتسعى مصر، وهي واحدة من خمس دول في العالم تعد الأكثر عرضة للعجز عن سداد ديونها الخارجية، إلى خفض استهلاكها المحلي من الطاقة من أجل زيادة كمية صادرتها من النفط والغاز وبالتالي زيادة مواردها بالدولار.
من جانبها ترى أستاذة الاقتصاد، المهدي أن الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد تتصاعد، وتعود أسبابها إلى "اقتراض المبالغ الذي انتهجته الدولة منذ 2014، إذ أنها مع انتهاء فترة الإعفاءات دخلت في مرحلة السداد، لتجد نفسها أمام أعباء متزايدة غير قادرة على تلبيتها".
وأوضحت أن الحكومة المصرية "وجدت نفسها بحاجة للجوء إلى صندوق النقد الدولي، والذي فرض لائحة من المتطلبات بتحرير أسعار صرف الجنيه، وإلغاء الدعم بهدف تقليل عجز الموازنة من دون النظر إلى أي أعباء مجتمعية قد يفرضها هذا الأمر".
وعرضت السلطات كذلك العديد من الأصول المملوكة للدولة للبيع، إذ أن القرض الذي حصلت عليه القاهرة، في أواخر عام 2022، من صندوق النقد الدولي بقيمة 3 مليارات دولار كان مصحوبا بشروط من بينها خصخصة العديد من الشركات العامة والإبقاء على سعر صرف مرن للجنيه المصري بحيث يعكس قيمته الحقيقية.
كيف سيتعامل المواطن مع زيادة الأعباء؟
وتشرح المهدي أن تأثير الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأسعار سيكون "سلبيا على كل طبقات المجتمع، ولكن الأكثر تضررا هم الطبقات محدودة الدخل والفقيرة، إذ ستقل قدرتهم على الشراء بشكل أكبر".
وقالت إن التعامل والتكيف مع زيادات الأسعار ستكون "عملية متفاوتة إذ سيتجه البعض إلى تقليل الاستهلاك، أو إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، والتي قد تعني انزلاق العديد ممن لا يزالون ضمن الطبقة المتوسطة ليصبحوا ضمن الطبقات الفقطيرة".
وتشير المهدي إلى أن بعض الأسر "تستطيع التأقلم لتحاول تحقيق عيش الكفاف، ولكن طبقات الفقر المدقع قد لا تستطيع النجاة إلا من خلال المساعدات والتكافل".
ويتفق النحاس مع المهدي بترجيحه أن "بقايا الطبقة المتوسطة ستنزلق ضمن طبقات الفقر والفقر المدقع"، مشيرا إلى أن "القرارات الحكومية راعت متطلبات صندوق النقد، ولم تنتبه لظروف المصريين".
ويقول إن "المواطن المصري سيحاول أن يتكيف بتقليل الاستهلاك، ولكن تفاقم الأوضاع الصعبة قد تحول من قدرته على ذلك"، متخوفا من أن "2023 سيكون من أصعب الأعوام التي سيعاني منها الناس في مصر إذ أنه سيكون أمام خيارات صعبة جدا".
وفي فبراير الماضي، قال نائب رئيس البنك الدولي لشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إن مصر من دول يشعر البنك بالقلق بشأنها في المنطقة.
وأكد فريد بلحاج لرويترز على هامش القمة العالمية للحكومات في دبي أنه "لدينا عدد من عوامل القلق في تلك البلدان (لبنان، تونس، مصر والأردن)"، من بينها مستويات الديون والتضخم المرتفع.
وأضاف "دور الدولة في الاقتصاد بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل عام دائما ما يكون مبعث قلق بالنسبة لنا"، مشيرا إلى أن هناك "جزءا" غير معلن من الدين العام، في إشارة إلى ديون الشركات المملوكة للدولة.
وقال بلحاج إن البنك الدولي خصص بالفعل 900 مليون دولار لمصر في السنة المالية الحالية التي تستمر حتى يونيو، وسوف "يرى كيف تسير الأمور، قد نخصص المزيد".
وأضاف أنه ستجري إحالة برنامج الشراكة مع مصر، الذي يمتد عادة لخمس سنوات، إلى مجلس البنك الدولي في 21 مارس لإقراره.
