أدى الانخفاض الحاد في قيمة الجنيه إلى زيادة الضغوط على المستهلكين
هبوط الجنيه المصري في السوق السوداء بسبب توقعات خفض قيمته (تعبيرية)

استمرارا لنزيف الجنيه المصري أمام الدولار، ذكرت وكالة "بلومبيرغ" الأميركية، الإثنين، أن الجنيه فقد قيمته بأكثر من 6 في المئة مقابل الدولار الأميركي في السوق السوداء، خلال الأسبوع الماضي، وذلك بسبب رهانات المتداولين على تخفيض آخر لقيمة العملة المحلية في وسط تصاعد الضغوط على الاقتصاد المصري.

وقال عدد من المتداولين إن الجنيه جرى تداوله، الإثنين، بنحو 33.5 للدولار في السوق الموازية، مقابل 31.5 للدولار، مطلع الأسبوع الماضي. ونقلت "بلومبيرغ" عن عدد من الأشخاص، الذين طلبوا عدم الكشف عن هويتهم، قولهم إنهم يسعون إلى تخزين العملات الأجنبية قبل التخفيض المحتمل لسعر الصرف الرسمي. وتم تداول الجنيه عند حوالي 30.73 للدولار في السوق الرسمية، الإثنين.

وخفضت الحكومة المصرية قيمة عملتها ثلاث مرات في السنة الماضية، وتقول إنها تتحول إلى سعر صرف أكثر مرونة. وأعقب التخفيضات السابقة فترات طويلة من الاستقرار.

لكن يستعد تجار العملة في السوق السوداء حاليا أيضا لمزيد من الانخفاض في قيمة الجنيه، بحسب "بلومبيرغ".

وأوضحت الوكالة أن آخر تخفيض لقيمة العملة، في يناير، أدى إلى تجميد مؤقت للنشاط في السوق السوداء.

لكن التداول في السوق السوداء ينتعش مرة أخرى مع توقع انخفاض آخر في السعر الرسمي، ونقلت الوكالة عن مصادرها قولهم إن التجار حريصون على الشراء والاحتفاظ بالدولار على أمل تحقيق أرباح أكبر في وقت لاحق، 

وعادت الفجوة بين سعر صرف الجنيه المصري الرسمي، وسعر العقود الآجلة غير القابلة للتسليم للاتساع مرة أخرى، بعدما تراجعت تكلفة التأمين على الديون المصرية إلى أدنى مستوياتها خلال العام الحالي، وسط مخاوف من المخاطر المحيطة بالاقتصاد المصري، وسياسات التشديد النقدي من جانب البنوك المركزية الرئيسية في العالم لمكافحة التضخم.

وشهدت العقود الآجلة للجنيه أجل 12 شهر، ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الجنيه إلى 36.699 جنيه، وهو الأعلى تاريخيا، في حين انخفضت العقود الآجلة للجنيه لمدة شهر واحد بنسبة 3.5 في المئة منذ نهاية فبراير إلى 32.4 للدولار، وفقاً لبيانات "بلومبيرغ".

وفي هذه الأثناء، ارتفعت تكلفة التأمين على الديون السيادية المصرية بنحو 55 نقطة إلى 1047 نقطة، وهو أعلى مستوى خلال 2023.

وتعيش مصر أسوأ مرحلة لها منذ سنوات فيما يتعلق بنقص الدولار، وفق ما تراه "بلومبيرغ"، التي أوضحت أنه مع تزايد الضغوط على الجنيه في الآونة الأخيرة، تكافح مصر لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة لتزيد تدفقات النقد الخارجية إلى سوق الدين المحلي.

ولتعزيز مواردها المالية، حصلت مصر على اتفاقية بقيمة 3 مليارات دولار مع صندوق النقد الدولي بالإضافة إلى 13 مليار دولار من الودائع من دول الخليج. وتنتظر تلك الدول مزيدًا من الوضوح والشفافية بشأن مسار وقيمة الجنيه كما تريد إثباتات على أن السلطات المصرية تقوم بإصلاحات اقتصادية عميقة قبل تقديم مزيد من التعهدات الاستثمارية.

ويقدر صندوق النقد الدولي فجوة التمويل الخارجي في مصر بنحو 17 مليار دولار على مدى السنوات القليلة المقبلة. ويتوقع أن يساعد برنامجه في حصول مصر على حوالي 14 مليار دولار إضافية من الشركاء الدوليين والإقليميين.

وفي تعليقه على أزمة السوق السوداء، يرى الخبير الاقتصادي، علاء عبدالحليم، أن انتشار التوقعات والتكهنات بحدوث انخفاض جدي في الجنيه وربما يصل إلى ٣٥ جنيه للدولار بالطبع ستكون نتيجتها انتعاش السوق السوداء، وفق تعبيره.

مؤشرات أخرى ساهمت في انخفاض الجنيه وفق ما يراه الخبير الاقتصادي في حديثه لموقع "الحرة"، من أهمها تأجيل شراء السعودية للبنك المصري المتحد بقيمة ٦٢٠ مليون دولار، بالإضافة إلى الإشاعات بشأن وجود خلافات على تقييم أصول وخصوم البنك.

وقال عبدالحليم إنه من العوامل التي تسببت أيضا في اهتزاز السوق، وبالتالي خفض قيمة الجنيه، هو إعلان الحكومة نيتها بيع بعض الشركات المطروحة في الخصخصة الجديدة بالجنيه المصري وليس اشتراط الدفع بالدولار، علما أن التحويل لقيمة الصفقة سيكون من خلال النظام البنكي المصري بالدولار الأميركي لكن مقوما بالجنيه المصري.

وعما إذا كان هذا التخفيض غير الرسمي لقيمة الجنيه سيؤثر على عملية خفضه رسميا وعما إذا كان سيؤثر على سعر الجنيه مقابل الدولار بعكس ما كان متوقعا، قال عبدالحليم: "صراحة هي معركة عض أصابع بين البنك المركزي والجهات الخارجية. لكن لا أحد يستطيع أن يعرف هل سيصمد النظام البنكي المصري أو سندخل في تعويمات أخرى وليس تعويما واحدا فقط؟".

وأكد الخبير الاقتصادي أنه بدون حل تكدس البضائع في الموانئ المصرية، ووجود قيود على فتح الاعتمادات للسلع الوسيطة، سيستمر تواجد السوق الموازية.

وبشأن إمكانية أن تسيطر الحكومة على عمليات شراء الدولار في السوق السوداء، يرى عبدالحليم أن معالجة الأمر تتطلب العديد من الأمور، أبرزها تحسين فرص الاستثمار في مصر وتحسين بيئة العمل وتيسير الإجراءات للمستثمرين المحليين والإقليميين والدوليين، وبدون ذلك ستستمر هذه المشكلة لفترة طويلة، خاصة في ظل التأثيرات الخارجية القوية سواء من الحرب الأوكرانية أو رفع الفائدة في مختلف دول العالم وارتفاع سعر الدولار عالميا مقابل باقي العملات.

وتحدث الخبير الاقتصادي عن ضرورة أن يكون اقتصاد مصر جذابا ومقنعا للمستثمر المحلي أولا "وإلا لن يأتي لك مستثمر أجنبي أو حتى إقليمي، وذلك باستثناء امتلاكك موارد معدنية أو بترول وغاز".

وأوضح عبدالحليم أن الشركات العالمية تستطيع أن تعمل حتى في ظل الحروب الأهلية مثل الكونغو وأنغولا، لكن يجب أن تعطيها المعطيات اللازمة للنجاح وأهمية الاستثمار في هذه الدول.

ومن جانبه، قال الخبير الاقتصادي، هاني توفيق، إن "الأزمة ليست أزمة سوق سوداء أو دولار أو نقص العملة الأجنبية، بل أزمة الجنيه في حد ذاته. ويجب لفت النظر لعدم الخلط بين ارتفاع سعر الدولار الناتج عن شحه، والارتفاع الناتج عن طباعة الجنيه".

وأضاف في حديث لموقع "الحرة" أن "موارد مصر الدولارية التي تأتي من التصدير، وقناة السويس، وتحويلات المصريين بالخارج، والاستثمار الأجنبي المباشر، والسياحة، بلغت عام ٢٠٢٢ حوالي ١٢٠ مليار دولار (٥٣ + ٨ + ٣٣ + ١٢ +١٣ مليار على الترتيب). وهذا يكفي حجم استيرادنا البالغ ١٠٠ مليار، كما يغطي جزءا كبيرا من الدين الخارجي".

وفي شرحه للسبب وراء الارتفاع المستمر في سعر الدولار مقابل الجنيه مؤخرا، قال الخبير الاقتصادي إنه "بالإضافة إلى الإرباك الذي سبّبه خروج الأموال الساخنة الفجائي، فإن السبب الرئيسي في التضخم على المدى الأطول هو عجز الموازنة المصرية، أي الفرق بين إيرادات الدولة ومصروفاتها".

وأضاف: "عجز الموازنة يتفاقم سنة بعد الأخرى، ما بين دين محلي يعادل تقريبا حجم الناتج المحلي الإجمالي، والاقتصاد غير الرسمي والتهرب الضريبي غير المسبوق في قيمته، بالإضافة إلى المعاشات وحجم المرتبات الحكومية الباهظة التي لا يقابلها إنتاج، والدعم الذي تزداد قيمته عاما بعد الآخر".

واستكمل توفيق حديثه عن مصادر الإنفاق بالعملة المحلية التي تسبب عجزا في الموازنة، قائلا إن "التوسع في الإنفاق الحكومي على المشروعات الجديدة، ومصروفات خدمة الدين التي تعادل وحدها ١١٠ في المئة من الدخل القومي المصري بأكمله".

وتابع: "هذا العجز الكبير في الموازنة تتم تغطيته بمزيد من المديونية الحكومية عاما تلو الآخر، والتي يتم تمويلها بطباعة النقود بالجنيه المصري بالطبع، وهي نقود غير مغطاة بإنتاج سلع وخدمات، الأمر الذي يؤدي حتما إلى تضخم بلغ مؤخرا أكثر من ٣٠ في المئة في سنة واحدة".

واستكمل: "وبما أن قيمة العملة تتدهور سنويا بسبب معدل التضخم المحلي، فمن المتوقع أن يستمر هذا التدهور سنة تلو الأخرى".

وفي حديثه عن حل هذه الأزمة، طالب توفيق بإزالة معوقات الاستثمار الموجودة في مصر حاليا سواء المحلية أو الأجنبية، لزيادة الإنتاج والتشغيل وبالتالي الضرائب، ومن ثم وقف عجز الموازنة وطباعة النقود".

واختتم حديثه، قائلا: "باختصار، لخفض سعر الدولار أمام الجنيه وإنهاء السوق السوداء، يجب عمل إصلاح مؤسسي شامل لتحويل مصر من اقتصاد استهلاكي إلى اقتصاد إنتاجي وتحقيق فائض في الموازنة العامة للدولة" .

مصر تفرض رسوما جمركية كبيرة على الهواتف المحمولة المستوردة - رويترز
مصر تفرض رسوما جمركية كبيرة على الهواتف المحمولة المستوردة - رويترز

أعلنت السلطات المصرية، الإثنين، بدء تعطيل عمل الهواتف التي لم تسدد الرسوم الجمركية المحددة وفق قرار حكومي.

وأعلن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، في بيان، بدء "إيقاف الأجهزة المخالفة وغير مسددة الرسوم عن العمل اليوم، على كافة شبكات المحمول في مصر".

ودعا الجهاز في بيانه المستخدمين إلى تسديد الرسوم المستحقة "لضمان عمل أجهزتهم".

وقبل 3 أشهر، أوضحت وزارة المالية في بيان مشترك مع وزارة الاتصالات، كيفية التعامل مع الهواتف التي ستدخل البلاد في المستقبل.

وحسب البيان، تم إطلاق "منظومة إلكترونية" ستتيح تسجيل الهواتف المستوردة عبر تطبيق يسمى "تليفوني" من دون الحاجة للرجوع لموظفي الجمارك.

ومن خلال التطبيق، يمكن الاستعلام عن قيمة الرسوم المستحقة وسدادها "أونلاين" خلال مهلة 3 أشهر.

ويتيح التطبيق الاستعلام الإلكتروني عن أكواد الأجهزة الأصلية "لحماية المواطنين من الأجهزة المُهربة والمُقلدة وغير المطابقة للمواصفات".

وأعفى القرار المواطنين القادمين من الخارج من الجمارك، وذلك في "حال الاستخدام الشخصي للهواتف لفترة انتقالية مدتها 3 أشهر".

وتسري هذه المنظومة فقط على الأجهزة الجديدة المستوردة من الخارج ولا تسري على تلك سبق شراؤها من السوق المحلية أو من الخارج وتم تفعيلها قبل الأول من يناير، أي أن هذه المنظومة لن تطبق بأثر رجعي.