في أحد منازل محافظة الجيزة المصرية، لم تكن الطفلة أسماء تعيش مثل باقي الأطفال، أقاربها جميعا يذهبون إلى المدرسة كل صباح، ويتحدثون عن الفصول والدروس والأحلام والأمنيات في المستقبل، لكنها لم تكن مثلهم، لأنها بلا أوراق رسمية وليس لها حتى شهادة ميلاد رسمية تؤكد بياناتها ووالديها، رغم أنها تبلغ من العمر 13 عاما.
خلال السنوات الماضية، حاول والدها طرق كل الأبواب لاستخراج أوراق رسمية لها، لكن كل محاولاته باءت بالفشل فلم يستطع إنهاء الإجراءات لإثبات بيانات ابنته، التي فوجئ بها قبل عامين، ولم يكن يعرف عنها شيئا.
صدفة
حكى أحمد.ص قصته لموقع "الحرة"، منذ اكتشف، بالصدفة، أن له بنتا لم يكن يعرف عنها شيئا، من زيجة سابقة لم تستمر سوى عدة أشهر، أثمرت طفلة جميلة، ليس لها أي أوراق ثبوتية، أو شهادة ميلاد، ولا تعرف القراءة والكتابة، ولم تدخل المدرسة.
يقول الأب: "تزوجت عام 2008 من سيدة كانت تكبرني بعدة أعوام زواجا عرفيا، لم يدم الزواج طويلا، فبعد ثلاثة أشهر انفصلنا أنا وزوجتي، وبدأ كل منا حياة أخرى بعيدا عن الآخر، ولم نلتق طوال تلك السنوات، حتى فوجئت قبل عامين بأحد معارفي يخبرني أن زوجتي السابقة توفيت، فذهبت لتأدية واجب العزاء في السيدة التي كانت يوما ما زوجتي، وهناك اكتشفت المفاجأة التي لم تخطر على بالي مطلقا.
عرف أحمد أن زوجته رزقت بطفلة منه، بات عمرها 13 عاما، وحين انفصلا كانت زوجته حاملا بها، ولم تخبره عنها بعد انفصالهما وقررت تربيتها بمفردها، ولم تستخرج لها أي أوراق ثبوتية حتى وفاتها.
بعدما أفاق الأب من الصدمة، توجه إلى بيت زوجته المتوفية بعد يومين من رحيلها، وأخذ ابنته إلى بيته لتعيش معه، ومع أولاده، لكنه لم يجد لها أي أوراق، فذهب أولا إلى أحد المعامل الطبية الشهيرة، وأجرى تحليلا لإثبات النسب، ظهرت نتيجته بعد 21 يوما، لتؤكد أن الطفلة الصغيرة ابنته بالفعل.
وأضاف: "حاولت أن أجد أي أوراق لابنتي فلم أعثر على شيء، يقتصر الأمر على ورقة صغيرة مدون بها تاريخ ميلادها فقط، وتاريخ التطعيمات الإجبارية الخاصة بها حين كانت في شهورها الأولى، فبدأت أسأل عن الإجراءات الخاصة بإصدار شهادة ميلاد لها وحاولت أن أنهي تلك الإجراءات طوال العامين الماضيين، ولم أستطع بسبب الإجراءات والأوراق المطلوبة التي لم تكن لدي ولا يمكنني الحصول عليها".
خلال تلك الفترة لاحظ أحمد ضيق ابنته من كونها ليست مثل أبناء عائلته الذين يدرسون في المراحل التعليمية المختلفة، فبدأ يعلمها القراءة والكتابة بواسطة مدرسين، إلى أن يجد حلا لأزمة الأوراق الرسمية .
اختارت اسمها بنفسها
كانت الطفلة الصغيرة تصر أن يسميها "أسماء" لأنها تحب هذا الإسم وتريد أن يكون اسمها الرسمي في الأوراق الثبوتية، لكنه فشل في ذلك أكثر من مرة على مدار اشهر طويلة طرق خلالها أبواب المكاتب الحكومية في المحافظة التي يسكن فيها.
وذات يوم لاحظ أحد زبائن الأب، الذي يعمل ميكانيكي سيارات، أنه مهموم بأمر ما، فسأله عن السبب، ليحكى له الأب قصته، فعرض عليه المساعدة أن يتحدث مع مسئولي مؤسسة – أطفال مفقودة- إحدى المؤسسات المدنية المعنية بحقوق الأطفال، التي تحظى بانتشار كبير على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما حدث بالفعل.
نشرت المؤسسسة القصة، لتصل إلى مسؤولي مكتب حماية الطفل بالنيابة العامة المصرية، فتواصلوا مع المؤسسة للحصول على البيانات ووسيلة الاتصال بالأب والطفلة.
يقول الأب: "فجأة تلقيت اتصالات من جهات عدة تحاول مساعدتي لإنهاء أزمة ابنتي، واستخراج شهادة ميلاد لها، وبالفعل توجهت إلى النيابة، وأصدروا قرارا لي ،باستخراج شهادة ميلاد لابنتي باسمي، كأي طفلة عادية.
لم يكن إنهاء تلك الإجراءات سهلا، كما يقول أحمد، فبعض الموظفين كانوا متعنتين في التعامل معه، حتى رغم صدور قرار النيابة بإنهاء إجراءات ابنته.
لكن القرار تضمن أن يكون إسم الأم اعتباريا اختارته النيابة العامة وفقا للقوانين، وهو ما دفع الموظفين للحديث معه بشكل غير لائق، لكنه في النهاية استمر في رحلته لتحقيق حلم ابنته باستخراج أوراق رسمية لها وشهادة ميلاد تحمل الاسم الذي اختارته لنفسها.
سيبدأ الأب، خلال الأيام المقبلة، إلحاق ابنته بالمدارس لتواصل تعليمها بشكل رسمي بعد انتهاء معاناته، وقد اختتم حديثه بأنه لم يكن يعرف شيئا عن عالم مكاتب الطفل والأسرة، التي بات يتردد عليهما باستمرار طوال العامين الماضين، وهاله ما رأى من مشكلات وأزمات، يحاول أصحابها إنهاءها، ويأمل أن تكلل مساعيهم بالنجاح، مثلما استطاع أن ينهي أزمته.
