في عام واحد فقد الجنيه المصري نصف قيمته مقابل الدولار الأميركي
في عام واحد فقد الجنيه المصري نصف قيمته مقابل الدولار الأميركي

بينما تشهد مصر أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخها، كشف خبراء اقتصاد أن نقص العملة الصعبة في البلد أدى إلى ظهور عدة أسعار مختلفة للدولار في الأسواق المصرية.

وفقد الجنيه المصري خلال عام واحد ما يقرب من نصف قيمته مقابل الدولار الأميركي في حين تراجعت احتياطات البلاد من العملات الأجنبية.

ويبلغ سعر الدولار حاليا نحو 31 جنيها، مقابل 15,6 في مارس 2022.

6 أسعار للدولار؟

في تصريح لموقع "الحرة"، يتحدث الخبير الاقتصادي المصري، عبدالنبي عبدالمطلب، عن وجود ستة أسعار مختلفة للدولار في مصر، ثلاثة رسمية ومثلها في السوق الموازية "السوداء".

والسعر الرسمي الأول هو الذي حدده البنك المركزي والجهاز المصرفي ويتراوح بين 30.85 إلى 31 جنيه لكل دولار، وفقا لحديثه.

ويشير الخبير الاقتصادي إلى سعر رسمي آخر للدولار تسعر به الدولة المنتجات التي تبيعها وتحتكرها مثل "الوقود والمواد التموينية".

وهناك سعر رسمي ثالث للدولار تتعامل به الدولة مع المستوردين، وفيه تضاف "نسبة تحوط" تتراوح بين 10 إلى 20 بالمئة إلى السعر المعتمد لدى البنك المركزي.

ثلاثة أسعار بالسوق الموازية؟

في السوق الموازية "السوداء" هناك ثلاثة أسعار مختلفة للدولار، السعر الأول يتراوح بين 39 إلى 41 دولارا لكل جنيه، حسبما يوضح عبدالمطلب.

وفي السوق الموازية يوجد سعر آخر يستخدمه تجار الذهب لتسعير منتجاتهم، ويتراوح بين 41 حتى 44 جنيها لكل دولار.

ويوضح عبدالمطلب أن هناك سعرا ثالثا غير رسمي للدولار، يستخدمه تجار السيارات والأجهزة الإلكترونية وغيرها في تسعير منتجاتهم.

وتتفق مع الحديث السابق، الباحثة الاقتصادية، نانسي عوني، التي تتحدث عن فوضى بأسعار الدولار في السوق المصرية.

تقول عوني إن هناك حاليا أكثر من سعر للدولار، ورغم تسعيره رسميا بما يقارب 31 جنيه، لكنه وصل إلى 41 بالسوق السوداء، وتجاوز الـ42 جنيها في سوق الذهب.

في المقابل، ينفي الباحث الاقتصادي المصري، أحمد أبوعلي، وجود "فوضى بأسعار الدولار في مصر"، متحدثا لموقع "الحرة"، عن سعرين للعملة الأميركية الأول هو المتعارف عليه في السوق المصرفي، والثاني بالسوق الموازية.

ندرة ومغالاة بالتسعير

يتحدث الخبير الاقتصادي المصري، مدحت نافع، لموقع "الحرة"، عن أزمة جديدة تتعلق بـ"ندرة الدولار وعدم قدرة البنوك على توفيره إلا بصعوبة".

ولذلك لا يجزم مدحت نافع، بسعر واضح ومحدد للدولار، ويقول إن "الندرة الشديدة تتسبب في مغالاة البعض في التسعير".

لكنه يوضح أن السعر الذي يعكس تنافسية الاقتصاد ومؤشر سعر الصرف الحقيقي الفعال كان يشير إلى قيمة تقترب من 24 جنيها للدولار.

ويقول "إذا افترضنا أن تغير الظروف يقتضي مراجعة هذا السعر فإنه لن يزيد الا بحدود 20 بالمئة، لكن الجنيه يتعرض لضغط شديد نتيجة عدم اليقين".

وبذلك اتسعت الفجوة بين السعر في "الأسواق الموازية" وبين السوق الرسمية، ويجب زيادة الإيرادات الدولارية في أقرب وقت ممكن للوفاء بالالتزامات قبل أن يسوء الوضع أكثر، وفقا لحديث نافع.

تداعيات فوضى سعر الدولار

يقول عبدالمطلب إن تلك الفوضى تؤدي داخليا إلى "ذبذبة الأسعار نحو الصعود"، ما قد يؤدي لمشكلات ربما تصل لـ"عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي".

وخارجيا، تسببت تلك الفوضى في تأجيل بعض الشركات والمؤسسات لقرار الاستثمار داخل مصر، أو الإقبال على أسهم الشركات المصرية في البورصة، حسبما يوضح عبد المطلب.

وفي فبراير، أعلن مجلس الوزراء المصري، عن طرح مصر أسهم في نحو 32 شركة، وذلك على مدار عام كامل، يبدأ من الربع الحالي من عام 2023، وحتى نهاية الربع الأول من عام 2024، سواء عن طريق الطرح العام من خلال البورصة، أو لمستثمر استراتيجي، أو كليهما.

مجلس الوزراء يعلن أسماء 32 شركة المقرر طرح أسهم بها بالبورصة أو لمستثمر استراتيجي أعلن مجلس الوزراء،...

Posted by ‎رئاسة مجلس الوزراء المصري‎ on Wednesday, February 8, 2023

من جانبها ترى عوني أن "تضارب سعر الدولار" في مصر، قد أضر بالاستثمارات الداخلية، وتسبب في توقف الاستثمار الخارجي.

وتدفع الضغوط الاقتصادية والمالية المستمرة بعض المستثمرين إلى تعليق خططهم مؤقتا في مصر، على غرار ما أعلنته شركة الدار العقارية الإماراتية مؤخرا، وفقا لحديث الباحثة الاقتصادية.

وفي 3 مايو، أعلنت شركة الدار العقارية إنها ستؤجل أي استثمارات أخرى في مصر لحين استقرار الأوضاع هناك، وفقا لـ"رويترز".

وقال الرئيس التنفيذي للشؤون المالية والاستدامة للدار العقارية، فيصل فلكناز، في مداخلة إعلامية "نتخذ نهجا حذرا للغاية في إطلاق المشاريع، ولن نضخ مزيدا من الأموال في الأعمال إلى أن تستقر الأمور أكثر".

وأشار إلى أن الشركة تبقي على نظرة متفائلة للأوضاع في مصر على المدى الطويل.

وفي مطلع مايو، قالت الشركة المتحدة للإلكترونيات (اكسترا) السعودية أنها قررت وقف خططها التوسعية في مصر بعد دراسة جدوى.

وذكرت الشركة في إفصاح للبورصة السعودية (تداول) أن الأثر المالي السلبي المتوقع لإلغاء خططها التوسعية في مصر يبلغ حوالي 38 مليون ريال بما يعادل 10.13 مليون دولار، وفقا لـ"رويترز".

ويرى أبوعلي أن هناك أزمة اقتصادية عالمية يعاني منها كافة دول العالم، بسبب تداعيات جائحة كورونا وتوقف سلاسل الإمداد لفترة طويلة، فضلا عن آثار الحرب الروسية الأوكرانية، ولا يمكن حصر تلك الأزمة في مصر وحدها، وفقا لحديثه.

تخفيض جديد لسعر الجنيه؟

وبحسب عبدالمطلب، مصر مضطرة حاليا لـ"خفض سعر الجنيه" مرة أخرى، فالسلع المستوردة مكدسة في الموانئ، والبنوك لا تستطيع تمويل احتياجات "إفراجات الموردين للإفراج عن البضائع".

ويوضح أن مصر ملتزمة أمام صندوق النقد الدولي بـ"سعر صرف مرن"، ولذلك فالتخفيض أقرب من رفع قيمة الجنيه.

وقبل منتصف يونيو القادم سيكون هناك "تخفيض جديد لقيمه العملة المصرية"، وسط توقعات بوصول سعر الدولار لـ40 جنيه أمام الدولار، يرجح عبدالمطلب.

ويتفق معه نافع، الذي يؤكد أن "تخفيض سعر الجنيه" قادم لا محالة.

ومن جانبها ترجح عوني اتجاه البنك المركزي لتحرير سعر صرف الجنيه، وقد يصل للمستويات التي يباع بها في السوق الموازية،  لكن بشكل تدريجي.

ومن خلال تلك الخطوة ستتمكن مصر من القضاء على السوق السوداء، وإعادة جذب المستثمرين وبث الثقة مرة أخرى في أداء الجنية المصري، وفقا لحديثها.

من جانبه يوضح أبوعلي أن كافة المؤشرات والتصريحات الرسمية الصادرة عن جميع الجهات الاقتصادية المعنية لا تشير لـ"خفض مرتقب" لسعر الجنيه في مصر، وتستعبد ذلك.

وحسب الباحث الاقتصادي فإن الدولة المصرية تركز حاليا على إصلاح عجز الموازنة العامة وتحفيز الإيرادات وتقليل النفقات وتدعيم الاستثمار.

ويقول "يجب تعزيز الحصيلة الدولارية داخل الجهاز المصرفي وتقوية قيمة العملة المحلية، وزيادة الصادرات لتحقيق استقرار للجنيه أمام الدولار".

التخفيض الحل؟

حسب نافع، لن يكون تخفيض سعر الجنيه هو الحل، في ظل ندرة الدولار وعدم وجوده.

وأي تحريك للسعر في ظل عدم وجود دولار يعني "انتظار خفض تال"، ما يعني استمرار هبوط الجنيه دون أرضية، وارتفاع العملة الأميركية دون سقف، وفق نافع.

ويقول عبدالمطلب إن "التخفيض لن يكون الحل للأزمة الاقتصادية التي تشهدها مصر"، لكن الدولة "مجبرة".

وكل دوائر صنع القرار تؤكد أن التخفيض سيؤدي لمشكلات لا حصر لها "سواء للدولة أو لجميع طبقات المجتمع"، وفق عبدالمطلب.

ويضيف "عندما يتم تخفيض قيمة العملة في ظل حالة من عدم الاستقرار يصبح لذلك آثار سلبية على جميع مجريات الحياة في الدولة".

عبدالناصر

التسجيل يعود للثامن من أغسطس 1970، ثلاث سنوات تقريباً بعد حرب عام 1967 التي سطّرت هزيمة قاسية لمصر، أطلق عليها العرب مصطلح "النكسة"، وقبل أقل من شهرين على وفاته في 28 من سبتمبر من ذلك العام.

جمال عبد الناصر، الزعيم المصري الذي نال شعبية كبيرة في العالم العربي، بسبب أفكاره "العروبية"، وخطاباته الحماسية التي تدعو إلى النضال والقتال من أجل نيل الحقوق، ظهر في التسجيل المأخوذ من لقاء جمعه بـ"تلميذه" الزعيم الليبي معمر القذافي، وكأنه شخصيه أخرى غير معروفة لملايين العرب. 

وأثار التسجيل جدلاً كبيراً على مواقع التواصل الاجتماعي.

فالشائع عن الرجل مقولات من وزن "ما أُخذ بالقوة، لا يُسترد بغير القوة"، و"القومية العربية هي التي تقرر كل شيء"، و"الوحدة العربية هي أملنا في تحرير فلسطين، وعودة حقوق شعب فلسطين". لكن التسجيل أظهر عبد الناصر في شخصية سياسية بعيدة عن هذه المقولات التي تعجّ بالحماسة والطوباوية. 

ظهر في التسجيل شخصاً أكثر واقعية، وأقل حماسة للحلول الراديكالية، منتقداً المزايدات على مصر، بشأن الحرب، ومعلناً أنه لا يريد أن يحارب: "من يريد أن يحارب، فليأت ويحارب، وحلوا عنا بقى".

في مقطع آخر من التسجيل يسأل القذافي عبد الناصر عن مشروع روجرز (مبادرة لوقف اطلاق النار بين مصر واسرائيل قدمها وزير خارجية الولايات المتحدة وليام روجرز في الخامس من يونيو 1970) وعما إذا كان عبد الناصر مستعداً للمضي فيه. فيجيب بالإيجاب. 

يسأل القذافي: "ممكن تعترف بإسرائيل"، فيرد عبد الناصر: "اتفاقية الهدنة فيها إقرار بإسرائيل، أنا ماضي مع إسرائيل سنة 49 عن الحكومة المصرية ده اسمه acknowledgement وفيه فرق بينه وبين الـ recognition (الاعتراف)". 

ثم يأتي دور عبد الناصر ليسأل: "إذا خيرت بين الإقرار بوجود إسرائيل وتحرير الضفة الغربية والقدس وغزة، أو لا تقر بوجود إسرائيل وتبقى القدس وغزة والضفة الغربية جزء من اسرائيل؟ فيسأله القذافي: "ليه نفترض هذا الافتراض مش ضروري تبقى محتلة؟". 

"هتبقى يا أخ معمر" يقول ناصر، "قولي هنحرر امتى؟ يا أخ معمر هنحرر بعد 20 سنة؟ عملية قيام إسرائيل خدت 50 سنة والتوسع الجديد خد 20 سنة، مفيش خطة عربية ولن تكون هناك خطة عربية موحدة أبداً، ده واقع العالم العربي". 

بدا عبد الناصر في التسجيل، بالنسبة إلى كثير من المعجبين بشخصه ومشروعه السياسي، وكأنه يخون نفسه وأفكاره. وانقسمت الآراء، لا سيما في ظل الحرب الدائرة في غزة، بين من وجد في تصريحه انقلاباً على الصورة الشائعة عنه، وبين من رأى في وجود خطابين، واحد جماهيري وآخر براغماتي في الغرف المغلقة، أمراً شائعاً في السياسة ويعبر عن واقعية عبد الناصر. 

وعقب نشر التسجيل، دعا عدد من أعضاء البرلمان المصري إلى إقرار قانون لحرية المعلومات يتيح وصولاً أوسع إلى السجلات الحكومية التاريخية.

الجدل حول التسجيلات كان له وقعه في المجتمع المصري، خصوصاً لجهة السؤال عن كيفية استجابة مصر للتطورات على الساحة الفلسطينية، وعما إذا كان يجب أن تقف على الحياد، أو تستجيب للمطالب بالتدخل، مع ما يحمله ذلك من احتمالات جر البلاد إلى صراعات إقليمية مستقبلية، وهي المعضلة نفسها التي دارت حولها تسجيلات عبد الناصر.

ابنة الزعيم المصري الراحل، هدى جمال عبد الناصر أدلت بدلوها مدافعة عن أبيها: "الزعيم الراحل لم يتخل يوماً عن دعم القضية الفلسطينية التي كانت حاضرة في كل الأوقات وكانت في صدارة المشروع القومي العربي".

لكن الواقع أن عبد الناصر معروف بالنسبة لدارسيه من المؤرخين، ببراغماتيته، وفي تقبله لوجود دولة إسرائيل، ولم يكن يدعو إلى "ازالتها من صفحة الوجود" كما فعل بعده روح الله الخميني ونظامه في إيران.

المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه، المعروف بمواقفه الداعمة للقضية الفلسطينية، يقول في إحدى مقابلاته إن عبد الناصر كان يخوض مفاوضات مكثفة مع الإسرائيليين في الخمسينيات، وأن هذا الأمر غير معروف بشكل واسع لدى الجمهور العربي.

وبحسب بابيه، عبّر عبد الناصر في جولات المفاوضات تلك عن قبوله بدولة إسرائيلية من دون النقب (لكي يبقي على ممر بين مصر والعالم العربي)، وقبوله فكرة وجود كيان سياسي إسرائيلي يشعر فيه اليهود بالأمان، وأن عبد الناصر لم يكن معادياً لليهود ولم يكن يريد الحرب، لكنه كان يقول إنه لا يستطيع تخطي المسألة الفلسطينية. 

ويقول بابيه إن إسرائيل في حينها هي التي كانت ترفض مبادرات السلام، ولكن غالبية الناس في الشرق الأوسط يعتقدون بالعكس. 

وليس بعيداً عن هذا السياق، يذكر الباحث الأميركي دانيال غورديس في كتابه "إسرائيل: تاريخ موجز لأمة تولد من جديد"، معلومة عن دعوة وجهها جمال عبد الناصر في نيسان من العام 1070 إلى ناحوم غولدمان رئيس المجلس الصهيوني العالمي (الذي عقد هرتزل أولى جلساته في بازل في العام 1897)، للسفر إلى القاهرة لبحث احتماليات إيجاد حل للصراع العربي الإسرائيلي.

رئيسة وزراء إسرائيل في حينها غولدا مائير، لاعتقادها أن دعوة عبد الناصر بمثابة فخ، ضغطت على غولدمان كي لا يلبي الدعوة، بحسب غورديس. 

ويتحدث الكاتب الأميركي عن أمر لافت حدث بعد رفض هذه الدعوة، يتمثل في قيام مجموعة من الطلاب الاسرائيليين بإرسال رسالة إلى مائير في ٢٨ من شهر أبريل نفسه، سألوا فيها عن أفق الصراع في ظل حرب بلا مستقبل، "بينما أضاعت حكومتنا العديد من فرص السلام"، كما جاء في الرسالة.

بعدها بشهور قليلة توفي عبد الناصر بذبحة قلبية. لكن هذه الحادثة التي يذكرها غورديس، ومعها تسجيلات ناصر مع القذافي المثيرة للجدل، تغري بافتراض ان ناصر مات وفي نفسه شيء مما ذهب إليه من بعده خليفته في حكم مصر أنور السادات في العام 1977، حينما ذهب إلى إسرائيل ووقع معها معاهدة سلام تاريخية. 

فهل كان سلام السادات، امتداداً لرغبة ناصر بعقد سلام مع إسرائيل؟