يعيش في مصر نحو 4 ملايين سوداني
يعيش في مصر نحو 4 ملايين سوداني

انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي المصرية، خلال الأيام الماضية، هاشتاغات تنادي بترحيل المهاجرين من مصر، في حين أفادت تقارير محلية بتوجه الحكومة نحو تحديد ما يمكن أن "تتحمله" الدولة من مصروفات لرعايتهم.

ولوحظ خلال الأيام الماضية انتشار دعوات تطالب بإبعاد اللاجئين، وخاصة السوريين، الذين يعيش العديد منهم في مصر منذ اندلاع الحرب الأهلية في سوريا منذ أكثر من 10 سنوات.

وعقب تداول مقاطع عديدة على وسائل التواصل خلال السنوات الماضية أشادت بحفاوة استقبال المصريين للمهاجرين مقارنة بدول أخرى، خرجت الدعوات الأخيرة لتثير جدلا بين مصريين ومهاجرين أو متعاطفين معهم وصلت إلى حد التلاسن وتبادل الشتائم، وذلك عبر هاشتاغات مثل #مقاطعه_محلات_السوريين و#ترحيل_اللاجئين_مطلب_شعبى.

ويرى مشاركون في الجدل أن اللاجئين السوريين أضافوا للاقتصاد المصري واستثمروا الأموال التي ساهمت في تعزيزه، لكن تعليقات أخرى تضمنت هجوما شديدا على هؤلاء، وكتب مدون في رسالة للاجئين: "كنت نفعت نفسك في بلدك وما كنت لاجئ".

وتزعم هذه المدونة المصرية التي ظهرت في مقطع فيديو أنها تخشى من أن السوريين "تغيرت معاملتهم وباتوا يطالبون بدخول البرلمان والجيش":

وفي المقابل، يرى آخرون أن التعليقات تحمل "عنصرية" تجاه السوريين في مصر، واستغربوا انطلاق هذه الدعوات رغم أن المصريين أيضا يعيشون في دول أخرى مثل دول الخليج منذ عقود ولم يطالب أحد بترحيلهم.

وفي أغسطس 2022، قدرت المنظمة الدولية للهجرة أعداد المهاجرين الذين يعيشون في مصر بـ 9 ملايين شخص من 133 دولة: السودانيون (4 ملايين) والسوريون (1.5 مليون) واليمنيون (مليون) والليبيون (مليون). وتشكل هذه الجنسيات الأربع 80 في المئة من المهاجرين المقيمين حاليا في البلاد.

وفي أعقاب الصراع في السودان الذي بدأ في أبريل الماضي، أفاد وزير الخارجية المصري، سامح شكري، لرويترز في أغسطس الماضي بأن مصر استقبلت أكثر من 250 ألف شخص من السودان، ثم ارتفع هذا العدد إلى 317 ألف شخص في نوفمبر الماضي، وفق المفوضية السامية للاجئين التابعة للأمم المتحدة.

وتعتبر المنظمة الدولية للهجرة أن المهاجر هو "أي شخص يتحرك أو ينتقل عبر حدود دولية أو داخل دولة بعيدا عن مكان إقامته المعتاد، بغض النظر عن الوضع القانوني للشخص".

وقال وزير الصحة المصري، خالد عبدالغفار، الاثنين، إن هناك حوالي 9 ملايين مهاجر ولاجئ يعيشون في مصر من نحو 133 دولة، بنسبة 50.4 في المئة ذكور، و49.6 في المئة إناث، وبمتوسط عمري يصل إلى 35 سنة، ويمثلون 8.7 في المئة من حجم سكان مصر.

ولفت الوزير إلى أن 56 في المئة منهم يقيمون في 5 محافظات: القاهرة، والجيزة، والإسكندرية، والدقهلية، ودمياط، وهناك 60 في المئة من المهاجرين يعيشون في مصر منذ حوالي 10 سنوات، و6 في المئة يعيشون باندماج داخل المجتمع المصري منذ نحو 15 عاما أو أكثر، بالإضافة إلى أن هناك 37 في المئة منهم يعملون في وظائف ثابتة وشركات مستقرة.

وأشادت المنظمة الدولية للهجرة في تقرير في أغسطس 2022 بـ"الخطاب الإيجابي للحكومة المصرية تجاه المهاجرين واللاجئ على أنه عامل جذب للمهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء مؤخرا إلى مصر"، مشيرة إلى أنه "لطالما كانت مصر سخية" في إدراج هؤلاء "في النظم الوطنية للتعليم والصحة، على قدم المساواة مع المصريين في كثير من الحالات".

في غضون ذلك، أوردت صحف مصرية من بينها اليوم السابع والشروق أن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، عقد اجتماعا، الاثنين، "لمتابعة ما تتحمله الدولة المصرية من مساهمات لرعاية ضيوفها".

وحضر الاجتماع العديد من الوزراء من بينهم وزراء التموين والتجارة الداخلية، والصحة والسكان، والتضامن الاجتماعي، والتنمية المحلية، والتربية والتعليم والتعليم الفني، ووزير العمل.

وأشار رئيس الوزراء في مستهل الاجتماع إلى أن اللقاء "يستهدف استعراض ومتابعة ما تتحمله الدولة المصرية من مساهمات نظير رعاية ضيوفها من مختلف الجنسيات الذين تصل أعدادهم طبقا لبعض التقديرات الدولية إلى أكثر من 9 ملايين ضيف.

وأكد مدبولي أهمية "تدقيق" هذه الأعداد، وفى الوقت ذاته "حصر وتجميع ما تتحمله الدولة مقابل ما يتم تقديمه من خدمات في مختلف القطاعات لضيوف مصر".

 الخبير الاقتصادي، خالد الشافعي، قال لموقع "الحرة" إن تحرك الحكومة يهدف إلى "تحديد حجم الاستفادة من السلع والخدمات التي تقدم لللائجين لتحديد حجم الإنفاق"، مشيرا إلى حالة "إرهاق للموازنة العامة" تستدعي هذا التحرك.

وقال الشافعي إن مصر "تعاني من أزمة في الدولار وزيادة في الإنفاق" جعلها تنتبه لمثل هذه القضايا.

وكان رئيس الوزراء المصري قد قال في اجتماع للحكومة المصرية، الأسبوع الماضي، إن حكومته تنوي اتخاذ إجراءات لترشيد الإنفاق على دعم الطاقة وبعض السلع، بعدما ارتفعت مستوياته خلال السنوات القليلة الماضية.

تكرار وقائع التعدي والتحرش ومحاولات الاغتصاب على فتيات وسيدات مصريات من قبل بعض سائقي سيارات التطبيقات الذكية
رئيس الحكومة يشرح خطة مصر "للعودة إلى معدلات 2021"
أكد رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، الأربعاء، حدوث زيادة في أسعار الكهرباء، مشيرا إلى أنها كانت ضرورية من أجل تقليل الدين الحكومي، وقال إن الدولة تحتاج حتى عام 2025 من أجل العودة إلى الوضع الذي كان عليه الاقتصاد المصري في عام 2021.

وفي اجتماع الحكومة، الاثنين، أشار رضا حجازي، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني إلى زيادة أعداد الطلاب الأجانب وهو ما رفع من مساهمات الدولة المصرية في حصول هؤلاء الطلاب على الخدمات التعليمية، ودعا الوزارة إلى التوسع في إقامة مزيد من الفصول الجديدة، بما يسهم في استيعاب حجم الزيادة في عدد الطلاب اللاجئين.

وتطرق وزير الصحة والسكان إلى تكلفة الخدمات الصحية المقدمة للمهاجرين واللاجئين في مصر، وكذا تكلفة دعم البنية التحتية الصحية اللازمة لتقديم الخدمات الطبية.

وتناول وزير التموين، خلال الاجتماع، ما تتحمله الوزارة في قطاع التموين، لتوفير احتياجات الملايين من المهاجرين، سواء من السلع الأساسية، أو من غيرها، فيما استعرضت وزيرة التضامن الاجتماعي ما توفره الجمعيات الأهلية للاجئين في مصر، سواء من حيث تقديم معونات غذائية، أو مساعدات صحية وتعليمية.

وبدوره، عرض وزير العمل أعداد من حصلوا على تصاريح العمل بصورة رسمية، مشيرا إلى أن العدد بسيط للغاية ولا يتناسب مع الأعداد المعلنة.

ومن جانبه، أكد وزير التنمية المحلية، أنه يتم إجراء رصد لتمركزات وأعداد اللاجئين بمختلف المحافظات، وفرص العمل التي يعملون بها، وما يتمتعون به من خدمات.

وتم خلال الاجتماع الإشارة إلى أن وزارة الداخلية أهابت بكل المتواجدين على أرض مصر بالبدء في اتخاذ إجراءات إثبات الإقامة الخاصة بهم، وذلك اعتبارا من أول يناير 2024.

ويرى الخبير الاقتصادي المصري أن العديد من رجال الأعمال العرب، سواء السوريين أو الليبين أو السودانيين، أطلقوا العديد من المشروعات سواء في مجالات خدمية أو صناعية أو غيرها، لكن بقية المهاجريين اعتمدوا على ما تقدمه الكومة المصرية من دعم للسلع والخدمات.

وأشار إلى ارتفاع قيم الإيجارات بسبب قدوم هؤلاء، ما سبب ضغطا على المواطنين المصرين غير القادرين على تحمل هذه الزيادات. ويوضع أنه مع فرار السودانيين من الحرب، حدثت زيادة في أسعار العقارات في العديد من المحافظات.

وكشفت بيانات منظمة الدولية للهجرة  أن 15 في المئة من المهاجرين الدوليين في مصر (بين 1.1 إلى 1.3 مليون) يمكن اعتبارهم مهاجرين "مستضعفين" أو أشخاصا موضع اهتمام للمنظمة الذين قد أن تكون في حاجة إلى مساعدة مخصصة.

وتورد المفوضية السامية قصة أسرة سودانية تكشف مدى المتاعب التي يواجهها العديد من اللاجئين السودانيين في مصر من أجل الحصول على الخدمات الصحية والتعليمية، وتقول إنه مع ارتفاع معدلات التضخم وتكاليف المعيشة في مصر، يصارع اللاجئون من أجل تغطية حتى احتياجاتهم الأساسية.

وتقدم منظمة الهجرة الدعم النقدي والإسكان والمواد الغذائية وغير الغذائية، والتعليم، والمساعدات الصحية للاجئين في مصر، وتعمل مع الحكومة المصرية "بشكل مستمر على تطوير سلسلة من الآليات والدعم لضمان احتياجات الحماية المهاجرين والاستفادة من إمكانات التنمية للمهاجرين في مصر".

لكن بيانات المنظمة الدولية كشفت أيضا أن أكثر من ثلثى سكان مصر (37 في المئة) يعملون في وظائف ثابتة وشركات مستقرة، ما يشير إلى أن المهاجرين في مصر "يساهمون بشكل إيجابي في سوق العمل ونمو الاقتصاد المصري".

وتقول إنه على سبيل المثال، يعتبر السوريون الذين يشكلون 17 في المئة من أعداد المهاجرين الدوليين في مصر من "أفضل الجنسيات التي تساهم بشكل إيجابي في سوق العمل والاقتصاد المصري".

وقدرت حجم الأموال التي استثمرها 30 ألف مستثمر سوري مُسجل في مصر بنحو مليار دولار، "ما يعكس أهمية تعزيز اندماج المهاجرين لأثره الإيجابي على المجتمعات المُضيفة".

وتوقع الشافعي أن "تقونن" الحكومة وضع المهاجرين على أرض مصر، من خلال إيجاد الحلول الإيجابية التي تعود على المجتمع المصري والاقتصاد المصري سواء من خلال "الإضافة أو الترشيد أو تعميق العلاقات بدولهم الأصلية".

ويعتقد أن القانون هو الذي سيحدد طبيعة العلاقة مع المشاريع التي أطلقها المهاجرون في مصر،  ومن بينها تلك التي تخص السوريين. وقال: "إذا سلكوا المسلك القانوني لشغل هذه الأعمال، سيكون مرحبا بهم" مشيرا إلى أن هناك توجها حكوميا نحو استقطاب المستثمرين لمزيد من توطين الصناعات والخدمات".

القطاع الصناعي في مصر يساهم بنسبة 16 بالمئة في الناتج المحلي الإجمالي
القطاع الصناعي في مصر يساهم بنسبة 16 بالمئة في الناتج المحلي الإجمالي

منذ عقود ظل تطوير القطاع الصناعي في مصر على "رأس أولويات" الحكومات المتلاحقة كما كانت تُعلن، حيث المزيد من الخطط التي تأمل من خلالها في إحلال الواردات بالسلع المنتجة محليا، وذلك في سبيل الهدف الأكبر المتمثل في تخفيف الضغط على موارد البلاد من العملات الأجنبية.

وتحدث وزير الصناعة والنقل المصري، كامل الوزير، مؤخرا في مقابلة تلفزيونية عما أسماه "صناعة الدولار" في مصر، من خلال تطوير القطاع الصناعي، إذ يقول: "النهاردة لما نطور الصناعة ونزود إنتاجنا من الصناعة، فاحنا هنصنع الدولار"، ويشير إلى أن "هذا سيسهم في تراجع سعر صرف الدولار إلى 25 جنيها بدلا من 50 جنيها" على حد قوله.

ويوضح في مقابلة بثتها قناة "إكسترا نيوز" المحلية، الثلاثاء، أن الحكومة الجديدة، لديها خطة "عاجلة" لمدة 3 سنوات لتطوير القطاع الصناعي، بهدف استبدال الواردات السلعية بالإنتاج المحلي، مما يوفر للدولة المزيد من العملة الصعبة.

ومنذ أكثر من 3 أعوام وحتى مارس الماضي، كانت مصر تعاني نقصا حادا في العملات الأجنبية بسبب ما يقول مسؤولون إنه يرجع إلى "الأزمات العالمية.. من جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا وصولا إلى الحرب في قطاع غزة"، الأمر الذي أدى إلى أزمة اقتصادية خانقة مع تراجع الإنتاج المحلي وارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات قياسية.

لكن منذ مارس الماضي، تحسنت التدفقات الدولارية إلى البلاد مع سماح البنك المركزي في السادس من الشهر ذاته، بانخفاض الجنيه بأكثر من 60 بالمئة، على خلفية الاتفاق مع صندوق سيادي تابع لحكومة أبوظبي، على ضخ استثمارات بنحو 35 مليار دولار، لتنمية منطقة "رأس الحكمة"، وكذلك الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، على استئناف برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تم التوافق بشأنه في ديسمبر 2022.

"خفض سعر الدولار؟"

ومع ذلك، يرى خبراء الاقتصاد أن الحديث عن استهداف سعر صرف للدولار في السوق المصرية لا يجب أن يقترن بخطط تطوير الصناعة في البلاد، حيث يقول الخبير الاقتصادي، محمد فؤاد، إن "استهداف سعر صرف للعملة المحلية ليس بالهدف المهم اقتصاديا، إذ إن المرساة النقدية لأي دولة هي معدلات التضخم وليست أسعار الصرف".

ويضيف لموقع "الحرة" أن "الحديث عن تخفيض سعر صرف الدولار أمام الجنيه ليس إنجازا اقتصاديا، وليس أمرا من المفترض أن يتمحور الحديث حوله في الوقت الراهن، خصوصا مع إعلان البنك المركزي قبل أكثر من 4 أشهر استهداف التضخم فقط بالتزامن مع تعويم الجنيه".

ويتابع فؤاد، وهو برلماني سابق، أن "سعر صرف الدولار إشكالية طاغية في مصر على مدار 25 و30 عاما الماضية، حيث استخدم هدف خفض سعر الصرف كمقياس لنجاح أي مرحلة اقتصادية، خصوصا مع ربط ذلك بتطوير القطاع الصناعي. لكن في الحقيقة قوة العملة ليست مقياسا على النجاح".

ويؤكد الخبير الاقتصادي على أن "خطط تطوير الصناعة المحلية يجب أن تستند على زيادة مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد خلال المرحلة المقبلة، من المستوى الحالي الذي يدور حول 16 بالمئة".

وتراجعت مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي خلال العقدين الماضيين إلى 16 بالمئة حسب بيانات وزارة التخطيط المصرية، من 26.4 بالمئة في عام 2003، وفقا لتقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2004 الصادر عن صندوق النقد العربي.

وفي تقرير سابق قبل أكثر من عام، تكشفت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية أن أداء القطاع الصناعي بالبلاد، جاء دون المستوى المأمول خلال العام المالي قبل الماضي 2022\2023، حيث سجل معدل نمو سالب عند 3.4 بالمئة، بسبب وجود طاقات إنتاجية معطلة نتيجة صعوبة تدبير النقد الأجنبي بالقدر الكافي لاستيراد مكونات ومستلزمات الإنتاج الوسيطة من الخارج، وتأخر عمليات الإفراج الجمركي عن هذه المكونات الأجنبية.

وحسب الخبراء الذين تحدثوا مع موقع "الحرة" فإن مستلزمات الإنتاج المستوردة من الخارج تُشكل النسبة الأكبر من مكون الصناعة المحلية في مصر بما يتراوح بين 50 و70 بالمئة".

فيما يذكر وزير الصناعة والتجارة السابق، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية، عام 2022، أن مستلزمات الإنتاج تمثل 56 بالمئة من إجمالي الواردات.

وخلال التسعة أشهر الأولى من العام المالي الماضي 2023\2024، بلغ حجم واردات إلى مصر نحو 52.9 مليار دولار، فيما بلغت الصادرات 24.1 مليار دولار، حيث سجل ميزان المدفوعات عجزا بنحو 28.8 مليار دولار، حسب بيانات البنك المركزي.

"تحديث خطة قديمة"

والخطة "العاجلة" التي تحدث عنها وزير النقل والصناعة، الذي يشغل أيضا منصب نائب رئيس الوزراء، تستند على 152 فرصة استثمارية محددة على المستوى القومي بهدف توطين وتعميق التصنيع المحلي، حيث يقول إن "تحقيقها يحتاج إلى إنشاء حوالي 13 ألف مصنع جديد في البلاد".

ومع ذلك، يعتبر فؤاد أن "الخطة التي تحدث عنها الوزير ليست بالجديدة بل كان معمولا بها منذ أكثر من 3 أعوام، حيث شملت في عام 2022 نحو 83 فرصة استثمارية، وتم تحديثها لتضم 152 فرصة استثمارية".

ويقول فؤاد لموقع "الحرة" إن "الفرص الاستثمارية التي تتحدث عنها الحكومة في إطار خطتها العاجلة تستهدف في الأساس إحلال الواردات بالسلع المحلية، وليس الهدف منها تعزيز الصادرات السلعية للبلاد".

وفي بيان نشرته هيئة الاستعلامات المصرية، قبل أسبوع تقريبا، تشير الحكومة إلى أن برنامج عملها الذي يحمل عنوان "معا نبي مستقبل مستداما" يعمل على اتخاذ خطوات جادة لتنفيذ خطة استثمارية لتوطين وتعميق الصناعة المحلية بهدف زيادة مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة معدل نمو الصادرات بما يتجاوز 15 بالمئة سنويا.

وتستورد مصر أغلب مستلزمات الإنتاج الصناعي من الخارج، وهو الأمر الذي يقول الخبير الاقتصادي، مدحت نافع، إنها "من ضمن أبرز العقبات التي تواجه خطط تطوير الصناعة المصرية في الوقت الراهن".

ويضيف نافع في حديثه لموقع "الحرة": "إلى جانب الصعوبات فيما يتعلق بتوفير الطاقة، فإن المكون الأجنبي في الصناعة المصرية لا يزال كبيرا، ومن ثم فإن مدخلات الإنتاج المستورد ستشكل ضغوطا أيضا على موارد البلاد من العملات الأجنبية".

ويوضح نافع الذي شغل سابقا منصب مساعد وزير التموين والتجارة الداخلية، أن "الصناعة المصرية ذات مكون محلي ضعيف، وتحتاج إلى طاقة مكلفة للغاية وليست متوفرة بالشكل الكافي الآن، كما تحتاج إلى عملة صعبة لاستيراد مكونات الإنتاج، وهي أيضا قد تواجه فيها مشكلات".

وخلال يوليو الجاري، أعلنت مصانع مصرية، وفي مقدمتها العاملة بقطاع البتروكيماويات، عن توقف العمل نتيجة نقص إمدادات الغاز الطبيعي، بسبب أزمة الطاقة في البلاد، قبل أن تعلن الحكومة في وقت لاحق من ذات الشهر، انتهاء الأزمة من خلال التعاقد على جميع شحنات الوقود التي تكفي لإنهاء انقطاع التيار الكهربائي.

القطاع الخاص 

ويشتكي المستثمرون المحللون من عقبات عدة تواجههم خلال عمليات إصدار التراخيص اللازمة لمصانعهم الجديدة أو القائمة، وهو الأمر الذي يؤكده الخبراء خلال حديثهم، إذ يقول نافع إن "هناك عقبات أخرى سواء للمشروعات الصناعية أو غير الصناعية متعلقة بإصدار التراخيص وتخصيص الأراضي وتعدد جهات الولاية على الأراضي".

فيما يقول فؤاد إن "أي خطط حكومية تهدف إلى تطوير الصناعات المحلية وتحقيق الاكتفاء الذاتي من خلال تقليل الاعتمادية على الغرب وتوفير العملة الصعبة، لن يكتب لها النجاح إلا من خلال مساهمة القطاع الخاص على مستوى واسع النطاق".

ويستشهد فؤاد خلال حديثه بـ"تجربة دول أميركا اللاتينية، التي اعتمدت في القرن الماضي على الاستثمار في الصناعات المحلية عن طريق عدة طرق منها تأميم المصانع وفرض تعريفات جمركية وزيادة الضرائب، حيث تطلب هذا من الدولة لعب دور متزايد في الصناعة وهو ما عظم في وقت لاحق من الفساد وأدى إلى غياب المنافسة".

ويتابع فؤاد: "أدت الحماية الزائدة للصناعات المحلية في هذه الدول إلى غياب المنافسة، وتراجع الإنتاجية وساهم على المدى الطويل في ارتفاع الدين العام، حيث إنه بحلول الثمانينيات، تخلفت دول عدة من أميركا اللاتينية عن سداد ديونها السيادية فيما عرف تاريخيا بأزمة ديون أميركا اللاتينية".

ويشير البرلماني السابق إلى أن "خطط تطوير الصناعة أمر يجب أن يعتمد بشكل إساسي على الميزة التنافسية التي توفرها الدولة".

ويؤكد هذا أيضا وزير النقل والصناعة، والذي يشير إلى أنها "خطة قصيرة الأجل لتطوير الصناعة، لكنها تأتي أيضا ضمن استراتيجية شاملة مرتبطة برؤية مصر 2030 لزيادة مساهمة الإنتاج الصناعي إلى 20 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي".

ويضيف الوزير خلال المقابلة: "النهاردة أنت علشان تحقق الهدف محتاج عدد كبير من المصانع ومحتاج مساحة شاسعة من الأراضي، فضلا عن تذليل صعاب كثيرة قد تواجه الناس، فأنت هتاخد أكثر من 3 سنوات لكن الثلاث سنوات دي نقدر نسميها الخطة العاجلة، علشان نقوم من العثرة اللي أحنا فيها".

ويرى فؤاد أن "زيادة مساهمة الصناعة في الناتج المحلي خلال السنوات المقبلة إلى 20 بالمئة، مع توقعات نمو الاقتصاد المصري بين 4 و5 بالمئة خلال هذه السنوات، يعني أن الناتج الصناعي ستجاوز 100 مليار دولار عند ناتج محلي إجمالي يبلغ 571 مليار دولار بحلول 2030، وهو الأمر الذي يصعب تحقيقه من الأساس".

ويضيف: "في هذه الحالة يجب أن نعيد النظر في خطط الدولة أو التحدث عن أهداف تتماشى بشكل منطقي مع معدلات النمو المتوقعة للاقتصاد".

وحسب بيانات صدرت عن وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية في ديسمبر 2023، فإن الحكومة المصرية كانت تستهدف زيادة الإنتاج الصناعي من نحو 3.6 تريليون جنيه (75 مليار دولار) في العام المالي 2022\2023 إلى 4.3 تريليون جنيه (89 مليار دولار) في خطة العام المالي 2023\2024، على أن يصل إلى نحو 5.74 تريليون جنيه (120 مليار دولار) في نهاية خطة عام 2025\2026.

بدوره، يقول نافع إن بلاده في حاجة إلى تبني سياسات داعمة للتصدير لأن "الصادرات بمثابة ضامن أساسي لتحقيق الوفرة الدولارية في مصر، سواء كان ذلك من خلال تصدير السلع أو الخدمات".

ويضيف خلال حديثه: "هذا أيضا يرتبط باستقطاع الاستثمار الأجنبي المباشر الأكثر استقرارا وليس الأموال الساخنة سواء في مشروعات خدمية أو صناعية أو زراعية. هذا يعني ضرورة زيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية بشكل عام".

ويوضح نافع أن "ما تحتاجه الصناعة على المدى المتوسط، هو توفير العملات الأجنبية وكذلك إتاحة التمويل المحلي من خلال توقف الحكومة عن الاستدانة من البنوك لجعلها تتفرغ إلى تمويل المصانع والحد من العقبات التمويلية".

المصانع المتعثرة!

ويوجد في مصر مئات المصانع المتعثر، والتي حصلت على قروض من البنوك وأصبح أصحابها غير قادرين على سدادها. وتقدرها تقارير محلية بما يزيد عن نحو 13 ألف مصنع.

لهذا يقول الخبير الاقتصادي، خالد الشافعي إن "الصناعة المصرية بهيكلها الحالي لن تكون قادرة على تحقيق الأهداف التي ترجوها الحكومة المصرية خلال السنوات المقبلة".

ويضيف في حديثه لموقع "الحرة" أن "الحكومة في حاجة إلى البحث عما وراء تعثر هذا العدد الكبير من المصانع وإعادة هيكلتها مرة ثانية ومساعداتها على النفاذ إلى الأسواق المحلية في أقرب وقت وأيضا إمكانية التصدير في المستقبل".

ويعتبر الشافعي أن كل الإصلاحات التي تسعى بلاده إلى تنفيذها في القطاع الصناعي، يعتمد نجاحها على "مشاركة ومساهمة القطاع الخاص من خلال توفير المزيد من الحوافز الحكومية سواء للشركات المحلية والعالمية".

فيما يشير مساعد وزير التموين والتجارة الداخلية الأسبق، إلى الحوافز التي كان يقدمها البنك المركزي خلال السنوات الماضية إلى القطاع الصناعي من أجل توفير التمويلات للمصانع، لكنها وفق حديثه "خلقت تشوهات فيما يتعلق بأسعار الفائدة في البلاد، حيث كانت تتيح البنوك تمويلات بأسعار فائدة مخفضة مقارنة بسعر الفائدة الرئيسي".

ويضيف نافع: "بالنسبة لحوافز القطاع الصناعي، فإن المبادرات السابقة عبر البنك المركزي والجهاز المصرفي ولم تصل إلى مستحقيها وتسببت في تشوهات بأسعار الفائدة في السوق المصرية وأضرت بالجهاز المصرفي".

ويختتم حديثه بالقول: "لذا من الأفضل في المستقبل أن تتم هذه المبادرات والحوافز من خلال الحكومة، كما يجب أن تكون المبادرات مخصصة لصناعات بعينها خاصة التي تحقق أهداف بيئية وتنموية وذات قيمة مضافة كبيرة".