تتمتع مصر بشواطئ خلابة تسعى إلى استغلالها
تتمتع مصر بشواطئ خلابة تسعى إلى استغلالها

شغل اسم "رأس الحكمة" الرأي العام المصري، خلال الأيام الأخيرة، وبات الحديث الأول لوسائل الإعلام وتعليقات المراقبين والمستخدمين على وسائل الإعلام، مع أحاديث ارتفاع الأسعار، وذلك بعد الحديث عن تدفق أموال إماراتية للاستثمار في هذه المنطقة الساحلية في شمال غرب مصر.

وبين حديث عن "بيع" أو "استثمار"، لم يصدر، حتى نشر هذا التقرير، أي تصريح رسمي من القاهرة بشأن الأنباء التي أشارت إلى أن مستثمرين إماراتيين سوف يضخون نحو 22 مليار دولار في مشروع لتنمية رأس الحكمة.

وجاء في تقرير لصحيفة "اليوم السابع" أن قيمة المشروع تبلغ 22 مليار دولار تقريبا، وسيتم تنفيذه بالتنسيق مع وزارة الإسكان.

ولم يتضح إذا كان هذا المبلغ هو كلفة الأرض، أم إجمالي قيمة الاستثمار المستهدف.

ووسط غياب أي تصريح رسمي، تداولت صحف مصرية ما نشرته قناة "القاهرة الإخبارية" نقلا عن "مصدر مسؤول" إن مصر تعكف حاليا على إنهاء مخطط تنمية منطقة رأس الحكمة بالساحل الشمالي.

وقال المصدر إنه "يجري بالفعل التفاوض مع عدد من الشركات وصناديق الاستثمار العالمية الكبرى للوصول إلى اتفاق يتم إعلانه قريبا عن بدء تنمية المنطقة، البالغ مساحتها أكثر من 180 كيلومترا مربعا، بما يمكن الدولة المصرية من وضعها على خريطة السياحة العالمية خلال 5 سنوات على الأكثر".

وجاء في صحيفة اليوم السابع: "اقترب الاتفاق بين الحكومة المصرية وعدد من الشركات والجهات الإماراتية على تنمية مدينة رأس الحكمة في الساحل الشمالي".

وعلمت "صحيفة المال" أن المشروع المرتقب "يتضمن إتمام اتفاقيات بين وزارة الإسكان المصرية وعدة جهات سيادية إماراتية أبرزها وزارة المالية، لتنفيذ عقود شراكات بنظام الحصة العينية والنقدية، مع سداد الطرف الإماراتي نحو 22 مليار دولار نظير شراء أراض بتلك المنطقة".

وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، ردد البعض أن الحكومة المصرية لجأت إلى "بيع أرض رأس الحكمة" من أجل الحصول على مليارات الدولارات.

وسبق أن أعلنت مصر عن بيع أصول للدولة للمساعدة في تمويل أقساط الديون الخارجية الثقيلة المستحقة هذا العام وإفساح المجال للقطاع الخاص، في إطار حزمة دعم مالي بقيمة 3 مليارات دولار وقعتها مع صندوق النقد الدولي في ديسمبر 2022.

من جانبه، أكد الإعلامي ومقدم البرامج المصري الشهير، أحمد موسى، وجود مشروع استثماري في منطقة رأس الحكمة، وقال في برنامجه "على مسئوليتي" المذاع على قناة "صدى البلد": "مشروع رأس الحكمة أحد مشروعات مخطط التنمية المصرية 2052”.

لكنه أكد أن "ما يحدث هو استثمار، وليس بيعا مطلقا"، وأوضح أن: "مشروع رأس الحكمة سيكون أكبر من مدينة العلمين الجديدة"، وهي مدينة قريبة بالساحل الشمالي ضخت فيها الحكومة الأموال.

ما هي رأس الحكمة؟

هي قرية تابعة لمدينة مرسى مطروح، على الساحل الشمالي لمصر، شرق مدينة مرسى مطروح. وتمتد شواطئها من منطقة الضبعة في الكيلو 170 بطريق الساحل الشمالي الغربي وحتى الكيلو 220 بمدينة مطروح التي تبعد عنها 85 كم.

ويوضح الخبير الاقتصادي المصري، عادل عامر، في تصريحات لموقع الحرة، أن القرية أنشأها الملك فاروق، آخر ملوك مصر، عام 1948، لتكون منتجعا للأسرة المالكة والوزراء.

ويشير إلى أن نظام الحكم في ذلك الوقت أدرك الأهمية الكبيرة لهذه المنطقة بسبب موقعها الاستراتيجي وشواطئها الخلابة.

لكن القيادات السياسية لم تتخذ أي خطوات نحو تنمية القرية على مر العقود الماضية لأسباب اقتصادية، إلى أن جاءت القيادة السياسية الجديدة لتعيد إحياء المشروع من أجل خلق قيمة مضافة للاقتصاد المصري، وفق عامر.

وتشير صحيفة "الأخبار" المصرية إلى أن تنمية رأس الحكمة "جزء من مخطط الدولة المصرية 2052 لتنمية الساحل الشمالي، وجعل المدينة على خريطة السياحة العالمية، خلال 5 سنوات، كأحد أرقى المقاصد السياحية على البحر المتوسط والعالم".

وفي 2019، عقد وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، اجتماعا، لمتابعة "مشروع تخطيط ووضع الأسس والمبادئ التصميمية لمدينة رأس الحكمة الجديدة"، وأوضحت الوزارة حينها أن الرؤية المقترحة لمدينة رأس الحكمة الجديدة، أكدت أن المدينة ستكون مقصدا سياحيا عالميا".

وحددت أهدافا من بينها خلق مساحة مستدامة ﻋﻠﻰ البحر المتوسط تنافس مثيلاتها عالميا وتجمع بين اﻟﺣﯾﺎة الشاطئية والحيوانية والنباتية واﻟﺻﺣراء، وتحقيق مجتمع حضري مستدام.

وعددت صحيفة "اليوم السابع"، في تقرير سابق، الأسباب التي تجعل منطقة رأس الحكمة مستقبل الاستثمار السياحي في مصر، مشيرة إلى إنشاء طريق "فوكا" الذي يربط بين العاصمة القاهرة والساحل الشمالي ليختصر المسافة الحالية بينهما.

وتشير إلى أن الشريط الساحلي للمدينة، بطول 50 كيلو مترا، يتمتع بشواطئ خلابة من الرمال الناعمة الصفراء إلى المياه الفيروزية.

كما يعد إنشاء مدينة مليونية في منطقة العلمين، وما يتبعها من أنشطة صناعية وتجارية وسكنية، تجربة ستتيح لمنطقة "رأس الحكمة" الواعدة نشاطا سياحيا كبيرا خلال الـ20 عاما المقبلة.

وتشير كذلك إلى أن المنطقة تزخر بمقومات السياحة الثقافية والتاريخية وهذا النمط من السياحة يشجع على إقامة سياحة المهرجانات والاحتفالات.

وتوضح قناة القاهرة الإخبارية، في أخر تحديثاتها عن المشروع، أنه تم الانتهاء من أعمال الرفع المساحي لها خلال الفترة الماضية، وبدأت أعمال التنفيذ الرسمية ودخول المعدات لمواقع العمل.

تقارير متضاربة

والاثنين، أوردت وكالة رويترز أن أسهم شركتي التنمية العقارية في مصر، "إعمار مصر للتنمية" المملوكة لرجل اعمال إماراتي، وشركة طلعت مصطفى، ارتفعت  بعد تقارير عن تفاوضهما للحصول على مساحات كبيرة من الأراضي لإقامة مشروعات سياحية على ساحل البحر المتوسط في مصر.

وارتفع سهم "إعمار مصر" 8.37 في المئة إلى 5.31 جنيه مصري، بعد أن قفز 19.8 في المئة الأحد.

وقال أسامة مراد محلل سوق الأوراق المالية والرئيس التنفيذي لشركة "أم باور" للاستثمارات إن أسهم "إعمار مصر" ارتفعت بسبب تقارير تفيد بأنها ستقوم بتطوير منطقة رأس الحكمة.

وأورد موقع "أخبار البورصة" أن سهم الشركة الإماراتية ارتفع منذ بداية جلسة الخميس الماضي وحتى الآن بنسبة تصل إلى 38 في المئة، لكن الشركة نفت في إفصاح موجه للبورصة المصرية، خلال جلسة الأحد، وجود أي أخبار جوهرية غير معلنة.

وقالت مجموعة "طلعت مصطفى القابضة" في إفصاح للبورصة المصرية إنها تقوم بتقييم مشروع لتطوير 5540 فدانا (23.3 كيلومتر مربع) من الأراضي، على ساحل البحر المتوسط أيضا.

وارتفعت أسهمها 10.3 في المئة، الاثنين، إلى 37.50 جنيها.

وتوقع عادل عامر، في تصريحاته لموقع الحرة، ضخ 36 مليار دولار في مشروع رأس الحكمة، إلا أن البعض شكك في صحة الأرقام الواردة بالفعل عن ضخ 22 مليار دولار.

وكتب حازم عمر، رئيس حزب الشعب الجمهوري،: "عندما يكون إجمالي حجم أصول الشركة الإماراتية حول العالم أجمع مقدرا بـ38 مليار دولار، فمن المستحيل أن تستطيع ضخ سيولة نقدية فورية قدرها 22 مليار دولار".

وركزت التقارير الواردة في الصحف المصرية على المردود الاقتصادي الناتج عن ضخ 22 مليار دولار في البنك المركزي المصري.

وكتبت صحيفة اليوم السابع: "معروض دولاري كبير في الأسواق خلال أيام.. تنمية رأس الحكمة يوفر سيولة دولارية تصل لـ22 مليار دولار.. تأثيرات مباشرة على أسعار الدولار في السوق السوداء ليتراجع من 70 إلى 56 جنيها حاليا".

ويقول عامر لموقع الحرة إن الأموال المستهدفة ستدخل خزينة البنك المركزي المصري، وهو ما سيحقق التوازن الدولاري في السوق، الذي يساعد جزئيا في القضاء على أسعار السوق السوداء، كما سيتيح ذلك فتح الاعتمادات لاستيراد المواد الخام وتشغيل المصانع المتوقفة عن العمل.

وكان خبير مصرفي، تحدث مع موقع الحرة، قد عزا تحسن سعر صرف الجنيه أمام الدولار، مؤخرا، إلى ما يتداوله الإعلام المصري عن اقتراب الاتفاق مع صندوق النقد على قرض جديد، فضلا عن الحديث عن مشروع "رأس الحكمة".

ويتوقع عامر أن تضيف رأس الحكمة إلى الدخل القومي المصري من خلال السياحة والاستثمار العقاري والمشروعات التجارية.

ويرى أن من أهم أهداف المشروع اجتذاب الكثافة السكانية في القاهرة والمحافظات، وبالتالي استغلال الرقعة غير المستغلة في هذه المنطقة. ويقول عامر إن "الخطط التنموية المصرية بعيدة المدى تستهدف استغلال الاماكن الخالية وتنميتها".

ويشير إلى أن العلمين الجديدة، وهي مدينة أخرى في المنطقة تم ضخم استثمارات هائلة فيها، استطاعت أن تحقق مردودا اقتصاديا من خلال المشروعات السياحية وتنظيم المهرجانات والأحداث الثقافية.

وكتبت إلهام أبو الفتح في "صدى البلد" أن تنمية رأس الحكمة يأتي في إطار مخطط للتنمية العمرانية لمصر 2052 "لتنمية منطقة الساحل الشمالي لاستيعاب الزيادة السكانية، وخلق أنشطة اقتصادية وفرص عمل لآلاف الشباب للعمل في السياحة والخدمات الترفيهية والصناعات التكنولوجية، والمراكز التجارية والإدارية للشركات العالمية مع توفير الخدمات التعليمية والصحية المتميزة.

وقالت إن الحكومة تريد تحويل رأس الحكمة "من قرية صغيرة إلى مدينة استثمارية من أحدث مدن العالم الساحلية" لضخ استثمارات بالعملة الأجنبية لتقليص نسبة التضخم والسيطرة على سعر الدولار.

وقالت إن مدينة العلمين الجديدة التي أصبحت واحدة من المدن العالمية تعمل طوال العام، وليس في الصيف فقط، وتجذب عدة أنواع من السياحة ومنها السياحة التعليمية بجامعاتها التي بدأت العمل بالفعل.

لكن آخرين، على مواقع التواصل، كانت لهم وجهات نظر أخرى.

وأكدت هذه المعلقة أهمية "مشروع رأس الحكمة وقرض من الصندوق" في حل الأزمة الحالية" لكنها اعتبرت أن "هذه حلول مؤقتة استطعنا أن نشتري بها بعض الوقت للتوصل لحلول مستدامة وإلا الأزمة ستتكرر":

في حين أشار آخرون إلى توجه الدولة نحو "المزيد من الانهيار والمزيد من الإفلاس":

رأس الحكمة يقع على الساحل الشمالي لمصر
قيمة الصفقة بلغت 35 مليار دولار

قالت وكالة التصنيف الائتماني فيتش، الجمعة، إن الصفقة المصرية البالغة 35 مليار دولار مع الإمارات لتطوير منطقة رأس الحكمة من شأنها أن تخفف ضغوط السيولة الخارجية وتسهل تعديل سعر الصرف.

وأضافت فيتش أن "مصر ستظل تواجه تحديات اقتصادية ومالية كبيرة تضع ضغوطا على وضعها الائتماني"، مبينة أنها "تتوقع تراجع التضخم في مصر على أساس سنوي في النصف الثاني من هذا العام بسبب أساس المقارنة المرتفع".

وأشارت الوكالة إلى أن "وضع الاقتصاد الكلي في مصر سيظل صعبا في العامين الماليين 2024 و2025 مع ارتفاع معدلات التضخم ونمو ضعيف نسبيا".

وكان رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي أعلن، الخميس، أن بلاده تسلمت خمسة مليارات دولار من الدفعة الأولى لصفقة رأس الحكمة المبرمة مع الإمارات وإنها ستتسلم خمسة مليارات أخرى، الجمعة.

ووقعت مصر اتفاقا مع الإمارات الأسبوع الماضي الجمعة لتطوير شبه الجزيرة الواقعة على الساحل الشمالي لمصر المطل على البحر المتوسط وتنفيذ مشروعات أخرى.

وقال مسؤولون مصريون وصندوق أبوظبي السيادي إن الصفقة بين مصر والصندوق لتطوير شبه جزيرة رأس الحكمة واستكمال مشروعات أخرى في مصر تشمل استثمارات بقيمة إجمالية 35 مليار دولار تصل في غضون شهرين.

وسيتم تحويل 11 مليار دولار من الصفقة من ودائع موجودة بالفعل.

وتقع رأس الحكمة على بعد نحو 200 كيلومتر غربي الإسكندرية في منطقة تضم منتجعات سياحية راقية وشواطئ ذات رمال بيضاء.

وتواجه مصر صعوبات بسبب النقص المستمر منذ فترة في العملة الأجنبية وتسارع التضخم، لكن السندات ارتفعت منذ الإعلان عن صفقة رأس الحكمة كما زادت قوة الجنيه المصري في السوق الموازية.

ومنذ وصول الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى السلطة، تلقت مصر عشرات المليارات من الدولارات في حزم إنقاذ من دول الخليج الثرية التي دعمت مسعى إطاحته بجماعة الإخوان المسلمين من الحكم في عام 2013.

لكن دول الخليج أشارت في الآونة الأخيرة إلى استعدادها لضخ أموال جديدة في مصر فقط مقابل أصول ذات قيمة أو استثمارات مربحة.