أسعار الغذاء ترتفع لمستويات غير مسبوقة في مصر. أرشيفية
أسعار الغذاء ترتفع لمستويات غير مسبوقة في مصر. أرشيفية

للأسبوع الثاني على التوالي تتخذ مصر إجراءات للحد من كبح جماح التضخم، الذي وصل لمستويات غير مسبوقة في البلاد التي تعاني من أزمة اقتصادية، ويكشف مسؤولون ومختصون تحدث معهم موقع "الحرة"، عن أسباب تلك الخطوات المتتالية، وعلاقتها بـ"تخفيض مرتقب لسعر صرف الجنيه".

والأربعاء، أعلنت الرئاسة المصرية توجيه الحكومة لإصدار "حزمة اجتماعية عاجلة لتخفيف الأعباء المعيشية على المواطنين"، وذلك للمرة الثانية خلال أقل من 6 أشهر، وبعد أيام قليلة من رفع البنك المركزي المصري أسعار الفائدة 200 نقطة أساس لمواجهة التضخم.

والخميس الماضي، رفع المركزي المصري سعر الفائدة على الإقراض لليلة واحدة إلى 22.25 في المئة من 20.25 في المئة، كما رفع الفائدة على الإيداع لليلة واحدة إلى 21.25 في المئة من 19.25 في المئة، حسبما ذكر في "بيان".

وفي سبتمبر 2023، وجه الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، بزيادة علاوة "غلاء المعيشة الاستثنائية"، لكل العاملين بالجهاز الإداري للدولة، والهيئات الاقتصادية، وشركات قطاع الأعمال والقطاع العام، لتصبح 600 جنيه، بدلا من 300 جنيه.

ما وراء "توجيهات السيسي"؟

وفي تصريحات لموقع "الحرة"، يكشف رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب المصري، فخري الفقي، أن توجيهات السيسي جاءت لمواجهة "ارتفاع معدلات التضخم، ومواجهة ارتفاع الأسعار، وتمهيدا لتحريك متوقع لسعر صرف الجنيه".

وتهدف إجراءات الدولة المتعاقبة لـ"تخفيف الأعباء المعيشية على المواطنين في مواجهة الغلاء، وضمان انخفاض معدلات التضخم المرتفعة"، وفق الفقي.

وذكر "الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء" أن التضخم السنوي في المدن المصرية انخفض إلى 33.7 في المئة بشهر ديسمبر من 34.6 في المئة في نوفمبر ومن مستوى قياسي عند 38 في المئة في سبتمبر الماضي.

ويوضح الفقي أن "مرونة سعر صرف الجنيه مطلوبة، ووجود سعرين لصرف العملة المحلية قد يعوق الاستثمار والتحويلات وحصيلة السياحة"، في إشارة لتفاوت الأسعار بين السوق الرسمية والموازية.

وتسعى الدولة المصرية لتوحيد سعر الصرف، وذلك بتحريك سعر صرف العملة المحلية وتحقيق المرونة، ولكن لا يمكن القيام بذلك، دون وجود "حصيلة دولارية كافية"، حسبما يؤكد رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب المصري.

ويشير الفقي إلى أنه "عند وجود حصيلة دولارية كافية، فسعر صرف الدولار بالسوق السوداء سوف ينخفض".

وفي مصر، يبلغ سعر الدولار نحو 30.85 جنيها بالبنوك والسوق الرسمية، ووصل إلى نحو 71 جنيها في السوق الموازية "السوداء"، قبل أن ينخفض إلى 60 جنيها خلال الأيام الماضية.

ويؤكد الفقي أنه "لا يمكن تحقيق المرونة دون وجود ضمانات اجتماعية تحمي الطبقات الاجتماعية الأكثر احتياجا".

ويظهر مؤشر "هانك" للتضخم، الذي يعده بروفيسور الاقتصاد التطبيقي في جامعة جون هوبكنز، ستيف هانك، أن التضخم ارتفع لأكثر من 131 في المئة في مصر.

ويقيس المؤشر التضخم على أساس تعادل القوة الشرائية واحتساب أسعار الصرف في السوق السوداء.

كبح جماح "التضخم"

ويرى المحلل الاقتصادي، وائل النحاس، أن حزمة الدعم الاجتماعية الجديدة ستؤثر بشكل كبير في "الحالة المزاجية للمواطنين، وتخفف عنهم الضغط الذي تفاقم مع ارتفاع الأسعار لمستويات غير مسبوقة"، مشير إلى أن السلع زادت منذ بداية العام "بنسب تتراوح بين 30 إلى 50 في المئة".

ويوضح في حديث لموقع "الحرة" أن هذه الحزمة ستطال أكثر من 23 مليون شخص في مصر وهم "نحو 5 ملايين من العاملين في المؤسسات الرسمية والهيئات الاقتصادية، و5 ملايين من الذين يستفيدون من برنامج تكافل وكرامة، و13 مليونا من أصحاب معاشات التقاعد".

ويشرح أن هذه "الحزمة ستمتص الزيادة التي طالت الأسعار خاصة للسلع والخدمات الأساسية، من خلال الزيادات في الرواتب للموظفين أو حتى بالدعم المقدم للطبقات الأكثر تضررا".

ويقول النحاس إن هذه الحزمة، قد لا تعالج "الخلل الهيكلي الذي طال أسعار صرف الدولار خاصة بالتباين الهائل بين السعر الرسمي والسعر في السوق الموازية، إلا أنه سيمكن خاصة ذوي الدخل المحدود والمتدني من تجاوز أزمة التضخم".

ويؤكد أن الحزمة تتسق تماما مع متطلبات صندوق النقد الدولي الذي أكد على ضرورة وجود شبكة ضمان اجتماعي لحماية الطبقات محدودة الدخل.

ومؤخرا، شدد وفد صندوق النقد الدولي على "الأهمية الحاسمة لتعزيز الإنفاق الاجتماعي لحماية الفئات الضعيفة" و"ضمان ظروف معيشية مناسبة للأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط" في مصر.

ومن جانبه، يقول الخبير الاقتصادي المصري، علي الإدريسي، إن الحزمة "ستعزز من تلبية متطلبات صندوق النقد الدولي الذي أكد على ضرورة الحماية الاجتماعية"، ولكنها ليست بالضرورة تعني "أن التعويم قادم لا محالة".

ويضيف لموقع "الحرة" أن التوقيت "مناسب جدا لإطلاق هذه الحزمة قبل قدوم شهر رمضان، وبما سيساهم من تخفيف أثر التضخم على المواطنين من ذوي الدخل المحدود.. والتي ستشمل شريحة كبيرة من الأسر المصرية".

تفاصيل الحزمة الاجتماعية

الحزمة العاجلة التي وجه بها السيسي، بقيمة 180 مليار جنيه (حوالي 5.8 مليار دولار)، تتضمن:

- رفع الحد الأدنى للأجور 50 في المئة إلى ستة آلاف جنيه (194 دولارا) اعتبارا من مارس المقبل.

- زيادة أجور الأطباء والأساتذة والممرضين في القطاع العام.

- زيادة دخول العاملين بالدولة والهيئات الاقتصادية بدءا من مارس بحد أدنى يتراوح بين 1000 جنيه (33 دولارا) إلى 1200 جنيه، بالإضافة الى رفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 50 في المئة.

- رفع حد الإعفاء الضريبي لكافة العاملين بالحكومة والقطاعين العام والخاص بنسبة 33 في المئة من 45 إلى 60 ألف جنيه.

- وضع مخصصات لتعيين 120 ألفا من أعضاء المهن الطبية والمعلمين والعاملين بالجهات الإدارية الأخرى.

- زيادة معاشات "تكافل وكرامة"، وزيادات في المعاشات لـ13 مليون مواطن.

وفي مواجهة أزمة اقتصادية غير مسبوقة تعاني منها مصر، اتخذت الجهات المختصة عدة إجراءات لكبح جماح الأزمة، لكن تلك الخطوات لم تنعكس حتى الآن على المواطنين الذين مازالوا يعانون من ارتفاع أسعار السلع والخدمات، حسب تقرير سابق لموقع "الحرة".

مصر تعاني واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخها
رغم "رفع الفائدة وتراجع الدولار".. لماذا لم تنخفض الأسعار في مصر؟
في مواجهة أزمة اقتصادية غير مسبوقة تعاني منها مصر، اتخذت الجهات المختصة عدة إجراءات لكبح جماح الأزمة، لكن تلك الخطوات لم تنعكس حتى الآن على المواطنين الدين مازالوا يعانون من ارتفاع أسعار السلع والخدمات، حسبما يوضح مختصون تحدث معهم موقع "الحرة".

ويظهر تقرير حديث للبنك الدولي تزايد انعدام الأمن الغذائي حول العالم، حيث زاد تضخم أسعار الغذاء في مصر بنسبة 35 في المئة منذ بداية 2023 مقارنة مع العام الذي سبقه، وهو الرقم الأعلى بين الزيادات التي شهدتها دول أخرى.

مصر احتلت المرتبة الأولى عالميا في نسبة تضخم الغذاء

وتعاني مصر واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخها بعدما سجل معدل التضخم السنوي مستوى قياسيا يبلغ حاليا 35.2 في المئة مدفوعا بتراجع قيمة العملة المحلية ونقص العملة الأجنبية في ظل استيراد القسم الأكبر من الغذاء، بحسب وكالة "فرانس برس".

خطوة تسبق "تحريك سعر الصرف"؟

أسعار صرف الجنيه المصري تشهد تباينا بين الرسمي وما يباع في السوق السوداء. أرشيفية - تعبيرية

وسيتم تحريك سعر الصرف وتحقيق المرونة "قريبا جدا"، وسيكون السعر "التوازني" بما يعادل 45 جنيها للدولار الواحد، وفق ما يكشفه الفقي.

ويشير رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب المصري إلى أنه "على المدى الطويل وبعد استقرار سعر الصرف، فالقيمة العادلة للجنيه أمام الدولار سوف تتراوح بين 35 إلى 40 جنيها، وقد يكون ذلك خلال عام 2025".

ومن جانبه، يرجح النحاس اتخاذ خطوات أخرى تعزز "السيطرة على أسعار الصرف ما قد يهيئ الظروف من أجل اتخاذ قرار تعويم للجنيه".

ويرى أن "فترة منتصف مارس قد تكون مناسبة جدا إذا ما أرادت السلطات اتخاذ قرار التعويم، حيث سيظهر أثر إجراءات الحكومة والبنك المركزي بالحد من التضخم، ودفع أسعار الصرف لمستويات مقبولة".

أما الإدريسي فيشير إلى أنه "منذ منتصف العام 2023 يجري الحديث عن التعويم، ولكن الإجراءات الأخيرة لا يمكن الجزم بأنها تسبق التعويم، ولكنها تنطوي على ممارسات لكبح التضخم ومساعدة الأسر على تجاوز صدماته"، خاصة في ظل "وجود سعرين للصرف بما يحدث خللا في تسعير السلع والخدمات".

ويعول الإدريسي على إجراءات حكومية أخرى ستساعد الاقتصاد المصري بشكل أكبر، أكان من خلال قرض صندوق النقد الدولي أو بمشروع رأس الحكمة بما سيوفر موارد دولارية هامة للاقتصاد.

واعتمدت مصر لسنوات طويلة على التمويل الممنوح من صندوق النقد الدولي عبر القروض أو على ودائع الحلفاء الخليجيين، وفقا لوكالة "فرانس برس".

وتعتبر مصر من إحدى أكثر الدول التي تلقت أكبر قدر من التحويلات المالية الخارجية خلال العام 2023، حيث تلقت 24 مليار دولار بحسب بيانات البنك الدولي.

التحويلات التي تلقتها مصر في 2023 بحسب بيانات البنك الدولي

ويتردد مصريون بالخارج في إرسال مدخراتهم المالية إلى بلادهم عندما يكون سعر العملة منخفضا بفارق كبير عن قيمتها في السوق السوداء وذلك مع استشراء التضخم.

وهوت تحويلات العاملين بالخارج بما قيمته 9.85 مليار دولار في السنة المالية التي انتهت في 30 يونيو، ثم انخفضت 1.93 مليار دولار أخرى في الفترة من يوليو إلى سبتمبر، وفقا لأرقام البنك المركزي.

وتراجعت صادرات الغاز الطبيعي ملياري دولار على أساس سنوي في الفترة من يوليو إلى سبتمبر، وفقا لبيانات البنك المركزي وذلك نتيجة انخفاض الإنتاج المحلي وانخفاض الأسعار العالمية. 

وبلغت قيمة صادرات مصر من الغاز الطبيعي في السنة المالية 2022-2023 زهاء 7.20 مليار دولار.

وتباطأت، بسبب الحرب الإسرائيلية في غزة، السياحة التي حققت رقما قياسيا بلغ 13.63 مليار دولار في السنة المالية 2022-2023.

ودفع نقص العملة الصعبة في البلاد بنك "جي بي مورغان" في وقت سابق من الشهر الحالي إلى استبعاد مصر من بعض مؤشراته.

كما خفضت وكالة "موديز" للتصنيف الائتماني النظرة المستقبلية لمصر من "مستقرة" إلى "سلبية"، مشيرة إلى مخاوف بشأن التمويل الخارجي والفارق بين سعر الصرف الرسمي وفي السوق الموازي.

والخميس الماضي، قال صندوق النقد الدولي، إنه اتفق مع مصر على مكونات السياسة الرئيسية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، في علامة أخرى على أن الاتفاق النهائي لزيادة قرض بقيمة ثلاثة مليارات دولار يقترب من الاكتمال.

قيمة الدولار بالسوق الموازية في مصر تتراوح بين 61 و64 جنيها- صورة تعبيرية.
الدولار والجنيه المصري.. ماذا وراء "الارتفاع التاريخي"؟
يتراجع الجنيه المصري بشكل مطرد ويومي أمام الدولار في السوق الموازية "السوداء"، ما يثير تساؤلات لدى المصريين حول مصير العملة المحلية وتأثير وتداعيات ذلك على المواطنين، بينما يكشف مسؤولون ومختصون تحدث معهم موقع "الحرة" أسباب ذلك التراجع وتداعياته والحلول الممكنة للتعامل مع تلك الأزمة.

وتعاني مصر من أزمة اقتصادية ونقص مزمن في العملة الأجنبية، وأجرت محادثات مع الصندوق على مدى الأسبوعين الماضيين لإحياء وتوسيع اتفاقية القرض الموقعة في ديسمبر 2022.

وتتضمن الاتفاقية تعهدات بأن تنتقل مصر إلى نظام سعر صرف مرن وتقلص تواجد الدولة في الاقتصاد مع تشجيع القطاع الخاص.

والاثنين، قال البنك المركزي  المصري، إن صافي احتياطي البلاد من العملة الأجنبية ارتفاع بشكل طفيف إلى 35.25 مليار دولار في يناير من 35.22 مليار دولار في ديسمبر.

وتضاعفت ديون مصر الخارجية أكثر من ثلاث مرات في العقد الأخير لتصل إلى 165 مليار دولار، وفقا للأرقام الرسمية، بينها أكثر من 42 مليار دولار مستحقة هذا العام.

مواطنون تخلوا عن توزيع كراتين رمضانية بسبب ارتفاع أسعار السلع الغذائية
مصريون تخلوا عن توزيع كراتين رمضانية بسبب ارتفاع أسعار السلع الغذائية (صورة تعبيرية)

بدأت الحكومة المصرية خلال الأيام الأخيرة في توجيه اهتمامها الأكبر نحو توفير السلع والمواد الأساسية قبل دخول شهر رمضان مارس المقبل، في وقت تمر فيه البلاد بأزمة اقتصادية وارتفاع أسعار دفع بعض المواطنين إلى الابتعاد عن عادة رمضانية سنوية.

المصريون لديهم عادة سنوية تسبق شهر رمضان (يتوقع أن يبدأ 11 مارس 2024)، تتمثل في توزيع سلات غذائية تعرف باسم "شُنَط رمضان" على المواطنين الفقراء الأكثر حاجة للسلع الأساسية في الدولة البالغ عدد سكانها 110 ملايين نسمة.

لكن الأزمة الاقتصادية الحادة التي تعاني منها القاهرة جعلت بعض المصريين يتخلون عن هذه العادة ورفعت من الأعباء على الجمعيات الخيرية التي تعمل في هذا المجال.

وتعاني مصر واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخها بعدما سجل معدل التضخم السنوي مستوى قياسيا جديدا ناهز الـ 40 بالمئة في سبتمبر الماضي، قبل أن يتراجع حاليا إلى 35.2 بالمئة.

وتضاعفت ديون مصر الخارجية أكثر من 3 مرات في العقد الأخير لتصل إلى 164,7 مليار دولار، وفقا للأرقام الرسمية، بينها أكثر من 42 مليار دولار مستحقة هذا العام.

وتحدث موقع "الحرة" مع مواطنين مصريين ومؤسستين خيريتين لمعرفة تداعيات الأزمة على عملهم، وأكد القائمون عليها أن أسعار السلع التي يوزعونها على المحتاجين خلال شهر رمضان أو غيره، زادت بدرجة كبيرة بسبب الوضع الاقتصادي الحالي، بل وأيضا زادت أعداد المستحقين أو المتقدمين للحصول على مثل هذه المساعدات.

فقراء أكثر وأزمة أكبر

وأرجع مواطنون تحدثوا لموقع "الحرة" ابتعادهم عن عادة "كراتين رمضان" إلى الارتفاع الكبير في أسعار السلع، بجانب تأثير الأزمة الاقتصادية عليهم بشكل خاص ما جعل من الصعب اقتطاع جزء كبير من رواتبهم وتوجيهها بالكامل إلى هذا الأمر.

وقال إسلام محمد، وهو مواطن في منتصف الثلاثينات من عمره اعتاد على التعاون مع أصدقائه، لتعبئة وتوزيع كراتين رمضانية، إنه توقف عن الأمر بسبب ارتفاع الأسعار والضغوط المادية التي يواجهها.

ولفت في حديثه لـ "الحرة" إلى أن الأمر لا يتعلق بشهر رمضان فقط، بل يمتد إلى طقوس عيد الأضحى فبعدما اعتاد مع أسرته على ذبح عجل كأضحية وتوزيع لحومها على الفقراء، ساهمت الأزمة الاقتصادية وغلاء الأضاحي في توقفهم عن الأمر.

وكانت وزارة التموين والتجارة الداخلية في مصر، أعلنت خلال منتصف فبراير، انطلاق معارض "أهلا رمضان"، بحد أدنى 3 معارض في كل محافظة بجانب وجود ما يعرف محليا بـ "شوادر" وسيارات متنقلة ومنافذ لبيع السلع الأساسية بأسعار مخفضة.

لكن خلال افتتاح وزير التموين، علي المصيلحي، لأحد تلك المعارض في شبرا الخيمة بمحافظة القليوبية، هتف مواطنون ضده بسبب عدم توفر السلع وغلاء الأسعار، ما أجبره على مغادرة المكان.

وتزامن ذلك مع إعلان رئاسة الجمهورية في مصر، رفع الحد الأدنى لأجور العاملين في الدولة بنسبة 50 بالمئة ليصل إلى 6 آلاف جنيه شهريا (193.88 دولار).

وقال محمد جندي، وهو مواطن مصري يعيش في القاهرة، إنه اعتاد بمعية بعض من المعارف والأصدقاء على المشاركة في تجميع وتوزيع حقائب رمضانية مليئة بالسلع، لكنهم توقفوا هذا العام بسبب الغلاء الكبير في الأسعار.

ويأتي التضخم في مصر مدفوعا بتراجع قيمة الجنيه أمام الدولار ونقص احتياطيات العملة الأجنبية لبلد يعتمد على الاستيراد من الخارج لتأمين حاجياته الأساسية.

وتعود آخر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر حول معدلات الفقر إلى ديسمبر 2020 عندما كانت عند عتبة 29.7 بالمئة.

ولكن في أكتوبر 2023، توقعت دراسة مستقلة لمستشارة الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، هبة الليثي، أن ارتفاع مستوى الفقر في العام المالي 2022/2023، إلى 35.7 بالمئة.

واعتبرت تلك الدراسة أن خط الفقر في مصر يبلغ 1478 جنيها شهريا (نحو 47.76 دولار وفق السعر الرسمي)، في حين يصل خط الفقر المدقع لمن لا يتجاوز مدخوله الشهري 1069 جنيها (34.54 دولار)، علما بأن خط الفقر الدولي عند 2.15 دولار للفرد في اليوم، ما يعني هذا أن مَن يعيش على أقل من هذا المبلغ يوميا يُعد فقيرا فقرا مدقعا، بحسب البنك الدولي.

وفي ندوة حول الدراسة، توقعت أستاذة الاقتصاد والعلوم السياسية، عالية المهدي، أن نسبة الفقر المتوقعة في عام 2025 تصل إلى 36 بالمئة، مشيرة إلى أن التقديرات توضح أن الفقراء يشكلون في عام 2023 نحو 33.3 بالمئة من إجمالي السكان مقابل 29.5 بالمئة عام 2019.

ويعني ذلك أن نحو 37 مليون شخص يعيشون حالة فقر في عام 2023، بحسب ما نقله موقع "القاهرة 24" المحلي حول تفاصيل الندوة.

مؤسسات خيرية تكافح

المؤسسات الخيرية التي تقدم المعونات للفقراء في مصر تكافح هي الأخرى، خاصة في شهر رمضان الذي يزداد فيه الطلب على المواد الغذائية مع استمرار الأزمة الاقتصادية.

وتدعو جميعة "الأورمان" الخيرية في مصر، المواطنين إلى التبرع للمساهمة في توفير "كراتين رمضانية" للأسر الفقيرة في جميع أنحاء البلاد.

وتظهر أن الكرتونة التي تزن 10 كيلوغرامات من السلع الأساسية تكون بقيمة 455 جنيها (14.70 دولار)، بينما الكرتونة التي تزن 14 كيلوغراما تصل قيمتها إلى 645 (20.84 دولار). يعني ذلك أن راتب موظف بالحد الأدنى للأجور (6 آلاف جنيه) يمكنه توفير 9 كراتين فقط من وزن 14 كيلوغراما.

مشروع "رأس الحكمة".. "فرصة أخيرة" أمام اقتصاد مصر
بعد إعلان مصر لصفقة استثمارية ضخمة مع الإمارات، سرعان ما انخفض سعر الدولار الأميركي أمام العملة المحلية في السوق السوداء بواقع بضعة جنيهات، ما فتح التساؤلات بشأن قدرة مثل هذه المشاريع على معالجة الأزمة الاقتصادية الحادة التي تعاني منها القاهرة.

وقال مدير عام جمعية "الأورمان"، ممدوح شعبان، في تصريح لموقع "الحرة"، إنهم يعملون على توزيع مليون كرتونة مواد غذائية على مليون أسرة في جميع أنحاء البلاد، ويتواصلون مع المؤسسات الحكومية وغير الحكومية حتى لا تستفيد أسرة بأكثر من مرة.

وواصل حديثه بالقول إن تلك الكراتين تشمل سلع مثل الأرز والمعكرونة والسكر وغيرها من المواد الأساسية، لكنها في الأغلب لا تشمل اللحوم. كما أوضح أن تكلفة الكرتونة الواحدة ارتفعت بسبب التضخم بنسبة تتراوح ما بين 30 إلى 40 بالمئة عن العام الماضي.

يذكر أن مصر أعلنت عن صفقة استثمارية كبرى يدخل بموجبها خزينة الدولة نحو 35 مليار دولار خلال شهرين، وهي الاتفاق مع الإمارات على تطوير مشروع "رأس الحكمة" على ساحل البحر المتوسط شمال غربي البلاد.

وتوقعت المهدي في تصريحات سابقة لموقع "الحرة" أن تؤثر هذه الأموال على الأسعار ويشعر بها المواطن خلال فترة من 6 أشهر إلى عام.

مؤسسة "أبواب الخير" تعمل، من جانبها، على توفير "شنط رمضان ومساعدات غذائية ونقدية" خلال الشهر المقدس لدى المسلمين هذا العام، وذلك لما يقرب من 4400 أسرة في 19 محافظة بتكلفة تصل إلى 3.3 مليون جنيه.

وقال المدير التنفيذي للمؤسسة، هيثم التابعي، لموقع "الحرة"، إنهم يواجهون تحديا دائما "يتمثل في تراجع التبرعات كلما اشتدت الأزمة الاقتصادية في مصر، بجانب ارتفاع أسعار السلع".

وأضاف: "نوفر ما يطلق عليه كوبونات (بطاقات) قيمتها كانت في الماضي 300 جنيه، وحاليا نحتاج إلى أن تصل إلى 500، ما زاد التكلفة بشكل عام علينا". وتلك البطاقات توفرها المؤسسات الخيرية للمحتاجين ليشتروا بها سلعا بما يعادل قيمتها.

كما أشار التابعي إلى أن "حجم التبرعات تراجع كثيرا، كما زاد عدد المستحقين، فتضاعف عدد المتقدمين للحصول على مساعدات 3 مرات خلال الفترة الأخيرة"، موضحا: "لم نصل إلى حد وقف العمل أو رفض حالات".

لكن مدير المؤسسة الخيرية، أكد أنهم أوقفوا أي خطة "لتوسيع العمل أو زيادة عدد المستحقين في محافظات جديدة، وذلك منذ ديسمبر"، مضيفا: "آخر 3 أشهر بالتحديد كانت صعبة جدا على الناس، وزاد احتياجهم، وباتت ميزانية أي تحرك نقوم به الضعف على أقل تقدير".

أما شعبان، فقال إن عدد المستحقين وفق إحصائيات تجريها جمعيته زاد مقارنة بالعام الماضي، "لكن التبرعات زادت أيضا، لأن المصري إنسان مسؤول وخيّر رغم الأزمة الاقتصادية".